لا غرو أن يكون الوطن أحنَّ ما يأوي إليه المرء؛ فهو مهد الخطو، ومسرح الذكرى، ومجمع الأنس إذا تقطّعت به السبل. فإذا ضاق صدره، وسكنت أنفاسه، وجد في ترابه سعةً، وفي سمائه سلوى، كأن الأرض أمٌّ أخرى تبسط ذراعيها لعبدٍ تائه.
وأما الأم، فحديثها يطول ولا يُستوفى؛ هي الرحمة إذا تجلّت، والدعاء إذا صدق، والحنان إذا فاض حتى يغمر ما حوله. قلبها موطن لا يُهاجر، ونبع لا ينضب، إن بَعدتَ عن الناس كلهم، بقيت هي أقربهم، وإن قسا عليك الزمان، لان في كفّها.
لا شيء أحنّ من وطنك، ولا قلب أصدق من قلب أمك.
فطوبى لمن جمع الله له بين دفء الوطن ورضا الأم؛ فإن فقد أحدهما انكسر، وإن فقدهما معًا تاه في الفلوات بلا دليل. واعلم أن البرَّ بالأم عزٌّ في الدنيا وذخرٌ في الآخرة، وأن حفظ الوطن شرفٌ لا يبلغه إلا من عرف قدره، فاجعل قلبك بينهما، لا يزيغ ولا ينسى، فإنهما أصل كل طمأنينة، ومنبع كل سكينة.
أَقْبَلَ الصيف، وأَقْبَلَ معه قَيْظ شديد مُرْهِق لا يَصْهَر الأبدان وَحْدَها، ولكنه يَصْهَر معها العقول، ولعله يَصْهَر مع العقول والأبدان بعض الأخلاق أيضًا، فيَدْفَع قومًا من الأمر إلى ما لم يكونوا لِيُدْفَعُوا إليه لو لم يَشْتَدَّ القيظ..
#مدقق_لغوي
، فيَدْفَع قومًا من الأمر إلى ما لم يكونوا لِيُدْفَعُوا إليه لو لم يَشْتَدَّ القيظ على أبدانهم وعقولهم وأخلاقهم، فيَمْنَعُهم من الأناة والمهل، ومن التفكير والتروية، ومِنْ ضَبْط النفس وتسليط العقل على الإرادة حين يعملون أو يقولون.