الإباضية والحرب الدلاليّة في الفكر الإسلامي المبكّر
ا.د. أورهان آتش/ النرويج
تمهيد
تُعدّ الإباضية من أقدم الجماعات الإسلامية التي امتلكت تاريخاً تفاعلياً متميّزاً. فالمحكِّمة – وهم السلف الأوّل للإباضية – أدّوا دوراً فاعلاً في الأحداث السياسية التي شهدها صدر الإسلام، ولم يكونوا مجرّد رواةٍ للتاريخ، بل صانعيه ومشاركين فيه. وحين يتحدّثون عن تلك المرحلة، فإنهم لا يروون تاريخاً عاشه غيرهم، بل يقدّمون روايتهم الخاصة التي نشأت من تجربتهم الذاتية ومسؤوليتهم المباشرة في قلب الأحداث.
أولاً: المحكِّمة ومفهوم التاريخ التفاعلي
للمحكِّمة تاريخٌ خاصّ عاشوه وشاركوا فيه بفاعلية، فهم لم يكتفوا بمراقبة الأحداث من الخارج، بل كانوا في قلب الميدان. ولتقريب الصورة يمكن تشبيه الأمر بملعبٍ لكرة القدم، فيه من يصف المشهد من المدرّجات، وفيه من يخوض اللعب فعلاً في الميدان. فالكثيرون نقلوا الأحداث من خارجها، أمّا المحكِّمة فكانوا في عمق التجربة يصنعون التاريخ بأيديهم.
ثانياً: الانحياز إلى المبادئ لا إلى الأشخاص
كانت جماعةُ المحكِّمة حارساً أميناً في الميادين الخطرة من صدر الإسلام. فقد وقفوا إلى جانب النبيّ ﷺ، ثم إلى جانب أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليٍّ رضي الله عنهم جميعاً. ولم يكن معيارُ مواقفهم العصبيّةَ القبليّةَ ولا الطموحَ إلى السُّلطة، بل كان التزاماً صادقاً بالمبادئ والقيم.
لقد اصطفّوا إلى جانب النبوّة والصدّيقية والعدل والحِلم والعلم. ولم يكن هذا الانحياز من أجل خصائصَ شخصيةٍ أو نسبٍ أو مصلحة، بل من أجل القيم والمبادئ الكونية التي يحملها الإسلام. فالنبيّ ﷺ حين ودّع الدنيا لم يُوصِ أمّته بأشخاصٍ أو قبائل، بل أوصاها بالتمسّك بالقرآن والسُّنّة.
إنّ الله تعالى لا يختار الشعوبَ أو القبائل، بل يختار المبادئ والقيم، وبها تكتسب الأفرادُ والمجتمعاتُ مكانتها. وهي التي تستحقّ الحماية، لأنها التي تُزيّن الأوطان والقلوب معاً.
وحين خاضت جماعةُ المحكِّمة نضالها لتلك القيم، كانت تذيب بصدقها جبالَ الجليد بأنفاسها، في وقتٍ لم تكن فيه أيٌّ من الفِرَق التي نعرفها اليوم قد ظهرت بعد.
ثالثاً: الحرب الدلاليّة وبناء الصورة
ظهرت المعتزلة في وقتٍ لاحق داخل البلاط العباسي، غير أنّها – على الرغم من تفوّقها العلمي – لم تُحسن إظهار هذا التفوّق في الميدان الأخلاقي. إذ ضيّقت على إخوانها المسلمين الذين خالفوها في الرأي، ومع ذلك حظيت بالقبول والاعتبار في دوائر الحكم.
أمّا الأمويون الذين ربحوا المعركةَ الميدانية في حرب عليٍّ ومعاوية، فقد خسروا المعركةَ الفكرية والأخلاقية. إذ لم يبقَ في ظلّ حكمهم عدلٌ ولا شورى ولا رحمة، ولم يكن نصيبُهم من التاريخ سوى الظلم والاستبداد.
وبعد انتهاء الحرب، شنّ بنو أميّة حرباً جديدة على جماعة المُحكِّمة، حرباً من نوعٍ آخر أُطلق عليها اسم “الحرب الدلاليّة”؛ أي الحرب بالكلمات والمفاهيم والمصطلحات.
لقد سعى خصومُ المُحكِّمة إلى تشويه نضالهم الشريف، فاتّخذوا من الكلمة سلاحاً لإقصائهم وتلويث صورتهم. وكان أكثرَ المصطلحات تداولاً في هذا السياق مصطلحُ “الخوارج”. مارسوا دعايةً شديدة التأثير حتى أطلقوا هذا الاسمَ على المحكِّمة، ثمّ ملأوه بمعانٍ أرادوها هم، لا تلك التي تعكس حقيقتهم. فكانوا يصوغون المصطلح ثمّ يوجّهون دلالته كما يشاؤون، مستخدمين نفوذَ الدولة لتثبيت الصورة الزائفة.
حاولت جماعةُ المُحكِّمة في البداية أن تتخلّص من هذا اللقب، لكنها لم تفلح في مواجهة الدولة التي كانت تمتلك آلةَ الدعاية والسيطرة. وإزاء ذلك، لم يجدوا بُدّاً من إعادة شحن المصطلح بمعانٍ إيجابية تعبّر عن مبادئهم الأصيلة. لقد التصق هذا الاسمُ بهم التصاقاً شديداً، حتى إنّ الإباضية – رغم محاولاتهم المتكرّر�� لتصحيح الصورة – لم يستطيعوا الفكاكَ التامّ منه عبر القرون.
رابعاً: الجهود المعاصرة ونهاية الحرب الدلاليّة
لقد خاضت الإباضيةُ في تاريخها الطويل معاركَ كثيرةً في سبيل الإسلام، ربحت بعضها وخسرت بعضها الآخر، غير أنّ جميعَ الحروب التي رُفِع فيها السيفُ أصبحت اليوم من الماضي. ومع ذلك، فإنّ الحربَ الدلاليّة – أي الحربَ القائمة على المفاهيم والمصطلحات – ما زالت، للأسف، مستمرّةً إلى يومنا هذا.
غير أنّ الجهودَ التي يبذلها معالي الوزير المَعمِري، ومساعي سماحة الشيخ الخليلي، تُشير إلى أنّ هذه الحربَ اللفظية في طريقها إلى الأفول، وأنّ زمنَ الصراع بالمفاهيم قد أوشك على نهايته بفضل الوعي المتنامي بأهمية الخطاب والمفهوم.
خاتمة
إنّ تجربةَ المحكِّمة والإباضية في التاريخ الإسلامي تمثّل نموذجاً فريداً في الانحياز إلى القيم والمبادئ لا إلى الأشخاص أو القبائل. وإنّ فهم هذه التجربة لا يتحقّق إلا باستحضار التاريخ التفاعلي الذي صنعوه بأنفسهم، لا من خلال الروايات التي كتبها خصومهم.
فالإباضيةُ لم تكن يوماً ظاهرةً هامشية، بل كانت حارساً للضمير الإسلامي في أكثر مراحله خطراً، وستظلّ كذلك ما بقي في الأمة مَن يرفع راية العدل والرحمة والعلم.
@MhamedKrichen تاريخ عمان السياسي ليس وليد الماضي القريب، بل هو تاريخ ضارب في عمق التاريخ وي��تد لالاف السنين، وهذا الامر هو ما يجعل السياسة العمانية متفردة في نظرتها وتعاطيها.
@worldretwet1@kadwi69 أمركم غريب والله، من أين أتيتم ببدعة أن القرآن الكريم غير مخلوق؟!!!!. هل ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هذا المصطلح؟ هل ورد عن صحابته الكرام عليهم رضوان الله؟ لماذا لا تقولون بأن القرآن الكريم كلام الله خالق كل شيء، المحفوظ في اللوح ، المنزل على رسوله وكفى!!