من أسباب التوفيق للتعبّد الصّحيح الذي يرتضيه الله:
التوكّل عليه في شأن عبوديّته إيّاه، وتفويض أمره لمن بيده مفاتيح الخير كلّها..
وأيّ خير أعظم من أن يفتح الله على عبده بحسن تبتّله وتعبّده له، فالتوكّل على الله لا ينحصر في أمور دنيوية، بل حتى في سبيل الطاعة، والسَّير القَلبي، ومُلازمة ذكرهِ في يومه وليلهِ، كلّها أمور تحتاج إلى التوكّل الصّحيح، والإقرار بالحاجة، والتفويض لمن يملك صلاحه..
حين يتوكّل العبد على ربّه بشأن دينه، وإيمانهِ، حين يسير إلى ربّه رافعًا له همّه، مفوّضا له أمره، وهو يعلم في قرارة نفسه أنّه لا توفيق في سيره إلى ربّه بلا أن يكفيه شرّ نفسه، وشرّ هواه، وشرّ الشيطان، والدنيا، والأرض بعلائقها، ولا فتح يلتمس أثره في قيامه بين يديه، وتعلّمه العلم، ولا في أيّ عمل صالح إلا أن يكفيه الله عوائق الوصول، من الشهوات التي كبّلت قلبه من لذائذ السّير إليه!
وهذا التوكّل الشرعي قد يغيب عن الأذهان، لارتباط التوكّل في أمور الدنيا، ونسوا حظّ أنفسهم من التوكل على ربّهم في معرفة ربّهم، ونسوا حظّهم من الآخرة، مع أنّ التوكّل في سبيل الطاعة؛ دليل على الصّدق، مثلما أنّ طلّاب الأرض يتوكلون على ربهم في قضاء حوائجهم ويصدقون بذلك، فإنّ طلّاب السّماء يطلبون بتوكّلهم معاني العزّة الحقيقية، والفتح المُبين، وهذا التوكل موصل لفتُوحات الدُّنيا والدّين، وما أحسنَ لو أخلص العبد في إقراره بتوكّله، وما أجمله لو قال:
"ربّ عليك توكّلت في سيري إليك، وإليك أنبت، وإليك المصير".
قال الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله:
اصبروا وصابروا ورابطوا؛ فإنّ هذا الطريق طويل، ولكنه طريق الأنبياء والعُلماء،
قد يُبتلى الإنسان ويُتهم ويُحارب،ولكن العاقبة للمُتقين، ومَن تمسّك بالسُّنّة نجا،
ومَن أعرض عنها هلك، ومَن ابتغى العِزّة في غيرها أذلّه الله.
[تحفة المجيب(صـ٩٩)]
قال الفضيل بن عياض - رحمه الله :
عاملوا الله عزّ وجلّ بِالصِّدق في السر؛
فإنّ الرّفيع مَن رفعهُ الله،
وإذا أحَبّ الله عبْدًا
أسْكنَ محبّتهُ في قُلوب العِباد.
[حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٨/٣)]
قال مهنا -تلميذ الإمام أحمد-: قلت لأحمد -يعني بن حنبل- : حدثنا ما أفضل الأعمال؟
قال: طلب العلم .
قلت: لمن؟
قال: لمن صحت نيته.
قلت: وأي شيء يصحح النية؟
قال: ينوي يتواضع فيه، وينفي عنه الجهل.
الآداب الشرعية- ابن مفلح [ ٣٧/٢ ]
"القلب"
إنما خُلق لأجل حب الله تعالى.
وسيبقى القلب يخذله البشر، وهم معذورون جميعا؛ لنقصهم وضعفهم، ستبقى تنصدم وتتوجع؛ حتى تتيقّن أن تعلق القلب الحقيقي لا يصلح إلا لله ﷻ وأن القلب لا يرتاح ويطمئن ويشعر بالأمان إلا مع الله ﷻ، ومن أرضى اللهﷻ سيرضيه ولو بعد حين.
قال تعالى:
﴿فَإن كُنتَ في شَكٍّ مِّمّا أنزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِك﴾.
في الآية تنبيه: على أنَّ كلَّ من خالجته شُبهةٌ في الدِّين، ينبغي أن يسارع إلى حلِّها بالرُّجوع إلى أهل العلم.
{البيضاوي - أنوار التنزيل وأسرار التأويل 124/3}
قال رسُول الله ﷺ :
مَنْ تركَ اللِّباسَ تَوَاضُعًا للهِ،
و هو يَقْدِرُ عليهِ،
دعاهُ اللهُ يومَ القيامةِ على رؤوسِ الخَلائِقِ
حتى يُخَيِّرَهُ من أَيِّ حُلَلِ الإيمانِ شاءَ يَلْبَسُها
أحيانا يلقي الله في قلبك وحشة من الناس، وشعورا بالغربة حتى بين أحبابك.. ليس هذا اكتئابا أو ضيقا بلا سبب، بل هي دعوة خفية من السماء!
يريدك الله أن تخلو به، وأن تفرغ قلبك من ضجيج البشر لتُسمِعهُ صوت مناجاتك..
يقطع عنك أنس المخلوقين لتتذوق حلاوة الأنس بالخالق!
وحين تكتفي به، يعيد إليك سكينتك وأنت أغنى ما تكون بالله.
- {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.
(قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير)
شيخوخة أبيهم..
ومشقة عملهم..
وحاجتهم للخروج..
وظمأ دوابهم..
لم تبرر لهما الاختلاط بالرعاة!
والبعض يبرر لنفسه ولغيره الاختلاط وخلوة المرأة بالأجانب لأجل طلب الرزق أو الحصول على الكماليات.
كيف لهذه الحياة أن تهزمنا، والله معنا ؟!
من أعظم العطايا الإلهية أن نوهب الثقة بالله في كُل أحوالنا ؛ فنظل دائمًا على ترقبٍ لتبدل الحال إلى ما نؤمل: بعد الضيق سعة، وبعد السقم عافية، وبعد الغياب لقاء. فمن المحال دوام الحال؛ والذي قدّر الشدة بحكمته وعدله، قد هيأ المخارج بعلمه ورحمته، سبحانه.
"فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ "
احيانا يكثر عليك ما لاحيلة لك فيه ، فتضيق بك الحياة ، وتصعب عليك الأمور ، وقد تتعرض لمواجهة مُرهقة تسمع فيها كلاماً لاتستحقه فتتجاوزها بصمت المظلوم،فتأتيك هذه الآية بأن الله سيكفيك بالطريقة والوقت المناسب،فكن مطمئناً ولاتخف مهما كانت الظروف والصعوبات