عندما يتحدث كاظم الساهر عن نفسه، عن ألمه، عن وحدته، وعزلته وفقداناته، فانه يتحدث وكأننا نحن كلماته، هذا الجيل تحديداً، الذي ولد في هذا العالم ليغرق في طبقات صوته، ويمارس حياته بعفوية موسيقاه وعبقرية حضوره والذي شيد ببطء حضارة عواطفنا المرتبكة مثل حركات يديه التائهتين من شدة الصدق.
كاظم يكبر أمام أعيننا ولكنه لا يشيخ، تتبدل ملامحه وتغرق عيناه بدموع صامتة، لكنه طفلنا المجنون الذي نعد عمره بعدد الأغنيات، وبزمن الموسيقى، وبتقويم القصائد. ومع كل أغنية لنا قصة، ومع كل قصة يطوف حولنا خيال من نحبهم ولم نعد نتذكرهم إلا ويقفز الى ذاكرتنا شيء من اللحن القديم، ليخرب خطة النسيان المجيدة.
فآلام كاظم هي أوجاع ملايين العشاق، ووحدة كاظم عباءة وحدتهم الموحشة، هم نحن الذين لا تطربنا النشازات، وعزلة كاظم هي عزلتنا المقدسة؛ نحن الذين لم نتكيف بعد في عالم تتوارى فيه الحقيقة خلف جدار من الصور الملفقة ..
فقدانات كاظم هي فقداتنا؛ نحن الذين صرنا غرباء عن الوطن، عن محلات الكاسيتات ومحال أجهزة الفيديو والطبق المدور الصغير؛ ال��يدي الذي طبعت عليه صورته بتسريحته الجديدة. يا إلهي، الوطن الذي التقينا كاظم فيه لم يعد يتعرف بنا .
قال لب��داد لاتتألمي، وها هو يتألم بعيداً عنها، ويحزن وهو بعيد عن بغداد ، ويعيش ندمه القاسي لكن بغداد تسكنه كما تسكنه الموسيقى.
عندما يتحدث الساهر يساء فهمنا نحن الذين نعرف من كاظم؛ يأخذنا الى زمننا الشخصي، الى مراهقتنا التي لجأت إليه واستقرت في ألبومه الأول والثاني والثالث حتى الأخير .. هل نحن كائنات ساهرية دون أن ندري؟!
كاظم الساهر هو درس نجاحنا الأول الذي يمشي الى جانب مدرستنا الأولى، وهو متوسطتنا الجميلة بصباحها الشتائي الأنيق، هو أعداديتنا وسهر البكالوريا اللذيذ بتعبه، هو ساحة كليتنا وحفل تخرجنا؛ هو تاريخنا المكتوب على دفاتر نوتاته؛ أما نحن فكلماته التي يتحدث بها كيفما يشاء، نحبه في ألمه ووحدته وعزلته.نحبه بصدق مثل حركة يديه التائهتين.
نعم، نحن نحبه حتى لو تحولنا رغماً عنا من أفراد عابرين متلفلفين بقصص لا تحتمل إلى ��ائنات ساهرية؛ نمشي بخفة مثل نوتة؛ وما أن يتم استدعائنا في بروڤا للأوركسترا سنتلاشى ببطء من على الطريق صعوداً مثل سرب من الفراشات لنجد أنفسنا في بداية المسرح. الكائنات الساهرية لا تأبه بالشعارات وثقل الأوسمة والأعلام؛ في جمهورية الساهر ما عليك إلا أن تتحول الى نظارة مقلقة بين أصابع القيصر حتى تستطيع الذوبان في جمهورية كاملة من الحب والارتباك اللذيذ وشيئاً من انضباطاته الصارمة. هذا هو القيصر وأولئك كائناته الساهرية المجيدة .وهذه أنا عندما تتلف قدرتي على الكتابة، لأنشز في الكتابة بغية الاقتراب من اللحن. إنه الفن عندما يراد تقويضه من أجل ممارسة جمالية عالية الشأن.
وهذا ببساطة لأني كائنة ساهرية.
شهد الراوي.🎼
عندما أعاد #كاظم_الساهر اللحن العراقي إلى دمه في أغنيته الأخيرة «متى»، بدا وكأنه يكتب بياناً موسيقياً مضمراً، بياناً يعلن فيه عودته إلى نقطة البدء: إلى الأغنية العراقية التي لا تخجل من بساطتها، بل تتكئ عليها لتستعيد صدقها الأول. كان ذلك أشبه ��عودة الابن إلى بيت الطفولة، لا ليستريح، بل ليعيد ترتيب ذاكرة كاملة من الأصوات والظلال.
وها هو اليوم يعود من جديد في نص كتبه ولحنه بعنوان «إلا أجيبك» 👇، كأن الساهر @KadimAlSahirORG قضى سنوات طويلة يتجوّل في خرائط الأغنية العراقية، يجمع شظاياها، ويعيد توظيف مفرداتها كما لو أنه يرمم تاريخاً من الحنين والأسئلة. فالجملة التي استحضرها: «حرقت الروح» ليست مجرد استعارة عابرة، بل استدعاء واعٍ لأغنية عفيفة إسكندر التي كتبها ولحنها خزعل مهدي في خمسينات القرن الماضي؛ جملة تحمل في داخلها طبقات من الوجع العراقي القديم.
ثم يعود الساهر @kademalsaher إلى مستهل رحلته مع جعفر الخفاف، حين يقتبس «أعبر الدنيا وراك» من أغنية «مستحيل» التي كتبها سعد صبحي السماوي ولحنها الخفاف لرضا الخياط. وكأنه يفتح درجاً قديماً في ذاكرته اللحنية، ويستعيد منه ما كان يشبه الوعد الأول. ويواصل هذا الحوار مع الماضي حين يوظف مفردة «إلا أنت…» المستلة من قصيدة رفيق رحلته أسعد الغريري التي غناها صلاح عبد الغفور ولحنها أيضاً جعفر الخفاف.
هذه العودة ليست حنيناً عابراً، ولا نزوة فنية، بل هاجس غنائي ظل يعيش في الوجدان اللحني للساهر لسنوات طويلة. إنه لا يستعيد الماضي ليقلّده، بل ليعيد تحديثه، ليضعه في جسد الأغنية العراقية المعاصرة من دون أن يفقده روحه الأولى.
ومع ذلك، يبقى كل هذا مجرد تمهيد. فالأغنية لم تُطلق بعد، وما سمعناه ليس سوى شذرات من عالمها. دعونا ننتظر اكتمالها، لنرى كيف سيعيد كاظم الساهر صياغة عراقيته من جديد، وكيف سيحوّل هذا الإرث الذي يحمله في دمه إلى موسيقى تُشبه المستقبل بقدر ما تُشبه الذاكرة.
هل انتظرت حبًا عاد إليك يومًا؟ https://t.co/k0KbXjM3Ct via @YouTube
أحس أكو شيء مألوف ومَ مألوف بنفس الوقت..
كلمات، لحن، توزيع،كلها تتناغم بروح وقوة الساهر القديمة، بين ألحانها مرني طيف تسعيناته وكأنما الأغنية جانت مُخبأة بذاكرته من هذيچ السنين، وهسه قرر يشاركنا هالتحفة..
سمّعنا تاريخ كامل من المشاعر إللّي لحد الآن مَ گدر أحد يكتبها غيره🖤