ومن صور العقوق الدقيقة التي قد يغفل عنها كثير من الأبناء أن يكون الابن سببًا في بكاء والديه، لا بسبب كلمة جارحة فحسب، أو موقف جاف يؤذي المشاعر ويكسر الخواطر، بل قد يكون بكاؤهما من شدة ما يريانه فيه من تضييعه لما أوجب الله، أو وقوعه فيما حرم الله، وهما ينظران إليه بعين الخوف والرحمة، وقد أفنيا أعمارهما في تربيته، وسهرا الليالي رجاء صلاحه واستقامته، وغذياه بمعاني الإيمان، وربياه على تعظيم حدود الله، ومحبة الطاعة، والنفور من المعصية.
فإذا به بعد ذلك يقابل ذلك الإحسان بالجفاء، وذلك الغرس بالإهمال، وتلك الآمال بالصدمة والحسرة؛ فيورث قلبيهما همًّا مقيمًا، وغمًّا لا يكاد يفتر، حتى لا يجدا ما يخفف تلك اللوعة إلا دموعًا صادقة تنحدر على الخدود، كأنها تحاول أن تطفئ ما اشتعل في الصدور من لهيب الحزن والأسى.
وما أشدها من مصيبة حين يرى الوالدان فلذة كبدهما يسير في طريق يبعده عن الله، وهما يعلمان أن أعظم ما يتمنيانه له ليس مالًا ولا جاهًا، بل أن يرياه مستقيمًا على طاعة الله، محفوظا من أسباب الهلاك والشقاء. فكم من أم بكت في جوف الليل خوفًا على ولدها، وكم من أب أخفى دمعته كيلا يراه الناس ضعيفًا، وقلبه يتقطع حسرة على ابن يخشى عليه سوء العاقبة.
ولهذا كان من أعظم البر بعد الإيمان: صلاح الابن واستقامته؛ فإن الوالدين يفرحان بطاعة ولدهما لله فرحًا يفوق كثيرًا من أفراح الدنيا، كما يتألمان لمعصيته ألمًا يجاوز ألم الجوع والفقر والمرض.
فيا لها من عقوبة معجلة، ويا له من شقاء يورثه العبد لنفسه، حين يكون سببًا في دمع عين طالما سهرت لأجله، وقلب طالما خفق حبًّا له، ويد طالما ارتفعت بالدعاء له.
فليتذكر كل ابن وابنة أن من أعظم أبواب البر أن يحفظا قلب والديهما من الحزن، وأن يكونا قرة عين لهما في دينهما قبل دنياهما.
من شرح كتاب: الأدب المفرد
[اختر قدوتك]
في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تُصنع بسرعة، وكثر فيه من يؤثرون في العقول والقلوب عبر المنصات المختلفة، فلقد باتت أعظم معارك الإنسان في الواقع هي:
من يقوده؟
ومن يشكل وعيه؟
فالإنسان بطبعه يقتدي ويتأثر، في الحديث الصحيح: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).
ولم تعد الصحبة اليوم محصورةً في الجليس القريب التقليدي،
بل أصبحت الشاشات تصنع صحبةً دائمة، قد ترافق الإنسان في يومه أكثر من أهله وأصدقائه؛ حتى لقد غدت الصحبة الافتراضية في أحيان كثيرة أشدَّ أثراً من الصحبة التقليدية، ومع كثرة المؤثرات لم تعد المشكلة في وجود القدوة، بل في اختيارها.
إن من أخطر فتن هذا العصر أن صناعة الشهرة أصبحت أسهل من صناعة القيمة، وأن كثيرًا من الناس يلتفون حول من يملأ أعينهم لا من يبني عقولهم وأرواحهم.
فالتافه لا يسرق وقتك فقط، بل قد يسرق ذوقك، ويهبط بسقف طموحك، ويتسبب لك في نزيف في الوقت والعمر؛ حتى تصبح السطحية أمرًا طبيعيًا والانحدار أسلوب حياة.
وحين تصبح القدوات فارغة، تختل الموازين؛ فيُقدَّم الانتشار على الحق، والإثارة على الأخلاق، والصورة على الجوهر.
وهنا لا يسقط فرد فقط، بل يضعف جيل كامل، فيصبح مترهلا.
لذلك اسأل نفسك واسألي نفسك دائمًا:
من الذي يصنعني؟
من الذي يؤثر في أفكاري وطموحي ونظرتي للحياة؟
فالفرز علامة صحية، تعكس مدى الجد في حياة أصحاب الهمم العالية.
لأن هذا هو قدوتك الحقيقي، سواء شعرت أم لم تشعر.
إن القدوة الحقيقية ليست من يلفت بصرك، بل من:
يوقظ بصيرتك،
من يذكرك بالله،
ويرفع همتك،
ويقودك إلى العلم والاستقامة.
ولهذا قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).
فالعبرة ليست بالشهرة ولا بالضجيج، وإنما بالهداية والانتاجية.
اختر قدوتك بعناية؛ لأنك غالبًا تسير نحو ما تُعظّم؛ فمن عظّم أهل المعنى ارتفع، ومن تعلّق بأهل التفاهة اتضع، وضاع عمره في متابعة من لا يملكون لأنفسهم مشروع نجاة.
فلا تمنح قلبك، ولا وقتك، ولا إعجابك،
إلا لمن يزيدك قربًا من الله،
واتساعًا في العقل،
ونبلًا في الخلق،
وقوةً في الروح.
فنصيحتي لكَ ولكِ:
اختر قدوتك قبل أن تختارك الفتنة.
يلاحظ انتشار قراءة القرآن الكريم الصامتة لدى بعض الناس ، فإن كان لايتلفظ بها فليست تلاوة ولا يثاب عليها ثواب التلاوة ، وإنما هي مجرد تأمل ، أما إن كان يتلفظ بها دون صوت فيثاب عليها ثواب التلاوة لكن يفوت معها سنة الترتيل وسنة التغني .. فينبغي لمن يقرأ القرآن أن يجهر بالقراءة مع الترتيل كما قال الله تعالى( ورتل القرآن ترتيلا) ، ومع التغني كما قال النبي ﷺ [ ليس منا من لم يتغن بالقرآن ] ( رواه البخاري)
ويكون الجهر بالتلاوة بالقدر الذي لايزعج به من حوله ..
فجأة ستجد نفسك تركت كل هذا الضجيج وهذا الصخب قي الدنيا للقاء الله تعالى والانتقال لحياة الخلود الجديدة فردا وحيدا ..
وستدرك متأخرا أن معظم المعارك التي خضتها ماهي سوى أحداث هامشية أشغلتك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية ..
اجعل هذا الإدراك مبكرا وأنت في الدنيا واستعد لحياة الخلود بالأعمال الصالحة ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره *ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)