" انت شاهد لله في الأرض "
الموت القَدر الوحيد اللي كلنا متأكدين انه بيمُر علينا جميعاً دون إستثناء ولحظة تلقي خبر فقد من نحب هي اقسى لحظة نشعُر فيها بتجويف روحي عظيم وكأن الجسد خالي من كل شي وكأن عقلك يصطدم بجدار صلب جداً، لا إله إلا الله ما اقسى الأمر وكأن الكون خالي من كل ضوضاء هدوء صاخب يكاد يكتم انفاسك ورجفة في القلب مؤذية وسيد الأسئلة الداخلية يعني خلاص ماعاد ( وضع ما شئت )
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثُم تأتي بعد رحمة الله انتم شهُداء الله في الأرض او كما قال الرسول ﷺ
اقسم بالله انها تُطفئ هلع الروح لما يرحل شخص وتشوف الناس تدعي له وتترحم عليه تفرح له جداً وتطمئن لأن هذا الأمر بيجينا كُلنا لا مفر من الموت، لحظتها ترجع تتسأل وش سر هالدعوات من عائلته، اصدقائه، عامة الناس في حال كان شخصية معروفة والجواب إما كان هين لين طيب سهل في مُعاشرته و إما بينه وبين الله خبيئه، يقول الرسول ﷺ
( حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من الناسِ )
العُمر لحظة والإنطفاء والنهاية في لحظة لن يُدركها عقلك سيبقى اثرك ومن بقي بعدك سيذكر كيف كنت معاه وهذا شاهد الله في الأرض ( استوعبوا الأمر )
-
اللهُم إغفر لمن فقدنا برحمتك و احسن خاتمتنا
لكل من يقرأ الأن ممن يتابعني او مجرد مرور
الله يوسع عليك ويجعلك لك الذكر الطيب ويملئك بالرضا والقبول وتيسير الحال ممنون لك جداً انك عطيتني من وقتك.
اللهُم احسن خاتمتي وجعل لي الأثر الطيب من شهودك في الأرض بعد رحمتك.
صحيح إن الموت هو وجه الحياة الثاني لكن الإنسان في هذي الحياة ممكن إنه يكون شُجاع في كل محطاتها إلا عند وصوله لمحطة الفقد، هنا؟ الهزيمة محتومة، وهذي تُعتبر أكثر لحظة فيها ألم وهي لما تتلقى خبر وفاة أحد أحبابك، وتظل طول عمرك تبقى خايف من الفرقا وشعور الفقد، لأنك بتظل رهين الذكريات.
مَثَلُ (المؤمنين) في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى
سلوانا في هذه الحال أن الناس شهداء الله في أرضه، وأن الخير باقٍ في الأمة حتى قيام الساعة، ولا نقول إلا ما يرضي الله إننا له وإليه لراجعون
يقف الإنسان في حالة تأمل، لتأثر مشاعره وحزنه وشديد مصابه، أحيانًا من شدة البلاء يقف عقلك عن إجادة سرد الأفكار، وترى اللغة عاجزة أمام ما بخلجات صدرك، ولهذا ألتمس منكم العذر عن تقصيري وبشريتي ونقصي فيما كتبت وسأكتب وتكملون قراءته، لعل الكتابة تزيح القليل من مصابّ هذا القلبّ
كنت أعمل معه رحمة الله عليه يوميًا، ونتناقش ونخطط، وكان لا يدع فرصة للثناء إلا ويقتنصها ويثني علي وعلى عملي، كان سخيًا بالكلمة الطيبة حتى قبل أن توافيه المنيّة بساعات كانت رسائله لي داعمة وتحفيزية
كنت أؤمن أن بيئة البرامج الواقعية مختلفة، بكامل تفاصيلها لكن لم أتوقع أن تكون مؤثرة علي إلى هذا الحدّ، في الأوساط الأخرى تجد نفسك مجرد شخص يرى مقطع أو يتابع مسلسل وينسى إسم المشهور أو المقدم، بينما هذا العالم ترتبط بهم إرتباط أخوي وروحي، بث لأكثر من 14 ساعة يوميًا، تعليقات وحماس ودعم وتشجيع، ولا ينتهي المطاف بنا هنا، تجد جماهير البرامج الواقعية تهتم لأمرك نفسيًا ماديًا، يفرحون لفرحك ويحزنون لمصابك بل قد يسعون لك في رزقك وفي منحك فرص
للأمانة لأول مرة أفارق شخص كنت أتواصل معه بشكل يومي، وأعرفه من سنوات، لم يسبق لي عيش هذا الألم، ولا أعرفه، وبكيت بكاء القريب على قريبه وأنا لا تربطني صلة بالدم، أحسست بالفجيعة، شعور غريب أقف عاجزة عن وصفه
لم يرزقني الله بأخوة رجال أكبر مني، ولم أعرف معنى هذا الشعور ولم أعيشه إلا في بيئة البرامج الواقعية، شعور أن الكل يتهاتف نحوك "وأنا أخوك" لا تشيلين هم، احنا اخوانك، مسك وأنا أخوك نحتاج كذا وكذا، هذه الكلمات كنت أسمعها دائمًا منهم، ومنه رحمة الله عليه كانت "إذا احتجتي شيء أخوك موجود" لا أحد يعرف وقع هذه الكلمات إلا من ذاق غيابها في حياته، خصوصًا وإن كنتي فتاة ومن بيئة حضرية نوعًا ما، وترين شهامة الرجال وصدقهم ووفائهم ونخوتهم ووقفاتهم الصادقة بين بعضهم ولك أيضًا
كلها أمور لم أراها ولم أعرفها في حياتي إلا منهم، علموني الكثير الكثير جدًا، ببداياتي معهم كان عمري 19 سنة، لا أفقه من الحياة شيء، نعم أنا شخص مميز وذكي ومنّ علي الله بالمهارة والموهبة والعقل المفكر والمنفذ لكن على مستوى الحياة كنت صفرًا من ناحية الخبرات في التعاملات الإنسانية لكنهم وبالرغم من صغر سني رأوا ذلك البريق بداخلي، وأستفدت منهم الكثير، صُقِلت معهم
مررت بمحطات هوجاء، وباندفاعة حماسة وبمراهقة غريبة، إلى أن وصلت اليوم إلى مرحلة النضج أو الهدوء إلى حدٍ ما
اختلفنا في تلك الفترة، واستمر الخلاف لقرابة سنة ونصف أو سنتين تقريبًا، وكنت دائمًا بداخلي رغبة بالإصلاح وبالسلام، وكنت دائمًا أتمناه ولكن لا أعرف طريقًا مناسبًا يحفظ ماء وجهي، ومن لطف الله الخفي ورحمته بعد إقفال القناة وعودتها الأخيرة طلبت الإدارة أن نعمل سويًا وأن ننسى الماضي والخلافات، كان ذلك اليوم من أسعد الأيام بالنسبة لي لأنني تمنيته بشدة، وفعلًا تواصلنا وعملنا بدون حتى أن نتحدث ولو بكلمة عن الماضي، إلى أن أحببت المواجهة بطرفة فقال لي رحمة الله وهو يضحك "إني ما أخذت بخاطري منك إلا لأنك منا وفينا وتعرفيني وعملتي معي عن قرب، وعفى الله عما سلف"
لم أكن أعلم أن الله مهد لي هذا الحوار والعمل المشترك حتى يرحل وهو لم يحمل بقلبه مثقال ذرة علي، وأنا كذلك .. الله أراد لي بالعمل خلال الخمس أشهر الماضية أن يرحمني من عذاب الضمير، لا أستطيع وصف فظاعة الموقف لو أنه رحل ولم يمنّ الله علي بهذه الفرصة وبقيت حبيسة أخطاء حماسة المراهقة
تجد نفسك ولفجأة، تحمل مشاعر عائلية مختلفة لهذا العالم، هذا الشخص بقدر أخيك، وهذا بإعتبار أبيك، وهذا صاحب معروف وجميل لا تنساه، وهذا صاحب فضل يملكك بطيبه وإحترامه ومواقفه
وكنت أتعجبّ دائمًا إلى مرحلة الذهول من شهامتهم بالمواقف، بعضها تعرفونها وبعضها لا يكتب ولا ينشر أسرار تدفن معك في قبرك
لهذا العالم فضل كبير جدًا علي لا أنساه ما حييت وأدعي لهم فردًا فردًا، ولا أستطيع سرد تفاصيله لكن أتمنى أن يقدرني الله وأرد جزء من معروفهم علي.
ختامًا
أعتذر على الإطالة، وعلى تداخل الأفكار، ولكن هي كلمات ضائعة في الخاطر أحببت جمعها، وأسأل الله لكل من عمل في القناة أن يجزيهم عنا خير الجزاء وأن يوفقهم لكل ما يحب ويرضاه ويفتح لهم أبواب رزقه وخيره ولطفه ورحمته، ويرحم فقيدنا ويجبر مصابهم ومصابنا.
والله أنها دنيا فانية زائلة و مؤقته لا تستحق منا كل هذه الخلافات و المناكفات ففي ساعةٍ لا نعلم متى ولكن نؤمن أنها ستأتي سيأخذ الله أرواحنا و يبقى ذكرنا بين عبادة فسامحوا و اعفوا ولا تجعلوا الدنيا أكبر همكم .. أسأل الله أن يجمعنا مع من فقدناهم في جناتٍ عرضها السموات و الأرض