عجبٌ من هذا النهج الذي يمارسه نظام الملالي؛ يزرع شبكاتٍ خفية لزعزعة استقرار الدول، ثم يتظاهر بالاستنكار حين تُكشف وتُقدَّم للعدالة. أيُّ ازدواجيةٍ هذه التي تجعل التدخل في شؤون الآخرين “حقاً”، بينما يُعدّ ضبط الجناة “انتهاكاً”؟
إن سيادة الدول ليست محلَّ مزايدة، وأمن المجتمعات ليس ساحةً للعبث. ومن يختار طريق التخفي والعمل السري لتقويض الاستقرار، فعليه أن يدرك أن القانون له بالمرصاد، وأن العدالة لا تُهادن في مواجهة الخيانة.
أما الشعارات البراقة عن الحرية والحقوق، فلا قيمة لها إن ناقضتها الأفعال. فالأوطان لا تُبنى بالخطاب، بل تُصان بالصدق واحترام سيادة الآخرين.
المعشني ومن على شاكلته لم يقفوا عند حدود الاختلاف في الرأي، بل تجاوزوا ذلك إلى تبنّي خطابٍ منحرفٍ يستمد مرجعيته من فكرٍ مؤدلج يقوم على التسليم الأعمى والانقياد دون تمحيص أو تعقّل. إن اعتناق هذا النهج القائم على ولاية الفقيه لا يفرز إلا عقلاً مُعطّلاً، يُستبدل فيه المنطق بالشعارات، والحقيقة بالدعاية، فتغيب معه القدرة على التمييز بين الحق والباطل.
وما ورد في هذا الطرح يعكس حالة من الخلط المتعمّد بين التحليل الرصين والادعاء الفارغ، حيث يُلبس الجهل ثوب المعرفة، ويُسوّق الوهم على أنه قراءة استراتيجية. وهذه السمة ليست جديدة، بل هي امتداد لنهجٍ قائم على التضليل وبثّ الشبهات، يخدم أجندات لا تمتّ لأوطاننا ولا لمصالح شعوبنا بصلة.
إن من يروّج لهذا الفكر لا يكتفي بتزييف الوعي، بل يسعى إلى إعادة إنتاج خطابٍ يقوم على الفرقة والتبعية، في وقتٍ تحتاج فيه المنطقة إلى ال��عي، والبصيرة، والاصطفاف خلف مشاريع البناء والاستقرار. فالوطن لا يُباع بالشعارات، ولا يُختزل في مواقف آنية، بل يُصان بالولاء الصادق، والفكر المستنير، وال��درة على قراءة الواقع بعيداً عن الأدلجة والانحياز الأعمى.
وعليه، فإن كشف هذا الانحراف الفكري ليس خياراً، بل ضرورة، حتى لا تتحول الأصوات المأزومة إلى أدواتٍ لهدم الوعي وتضليل الرأي العام، فالمعركة اليوم لم تعد فقط في الميدان، بل في العقول أيضاً.
إن هذا الخطاب المشحون بالإساءة والتجريح لا يعكس قوةً ولا حُجّة، بل يكشف خواءً فكرياً وعجزاً عن مجاراة الحقائق بمنطقٍ رصين. فالأوطان لا تُقاس بضجيج الشعارات، ولا تُبنى بلغة الشتائم، بل تُصان بالعقل، وتُدار بالحكمة، وتُحمى بوحدة الصف واحترام الإنسان.
أهل الخليج، تاريخاً وواقعاً، لم يكونوا يوماً دعاة فوضى ولا أدوات في مشاريع الآخرين، بل كانوا دائماً عنوان استقرار، وشركاء في بناء، وأصحاب مواقف تُوزن بالعقل لا بالانفعال. ومن يظن أن الإساءة إليهم تُنقص من قدرهم، فهو واهم؛ لأن القامات الراسخة لا تهتز بصخب العابرين.
أما التبعية العمياء، فهي الخطر الحقيقي؛ إذ تجعل صاحبها يردد ما يُملى عليه دون وعي أو بصيرة، فيتحول إلى صدى لا صوت له، وإلى أداة لا إرادة لها. ومن المؤسف أن يُستبدل التفكير الحر بالاصطفاف الأعمى خلف أنظمة أو شعارات، تُستَخدم فيها العقيدة ستاراً، والمشاعر وقوداً.
ختاماً، إن الكرامة لا تُنال بالشتيمة، ولا تُصان بالتحريض، ومن أراد أن يُخاطب أهل الخليج أو غيرهم، فليخاطبهم بلغةٍ تليق بالإنسان، وإلا فإن صمته أبلغ من كل ما يقول.
إن ما يطرحه أحمديان ليس تحليلاً موضوعياً بقدر ما هو امتداد لنهجٍ قائم على التعمية المتعمدة وتزييف الوعي. فحين يُختزل أثر حرب مدمّرة على دولة بأكملها في ادعاءٍ سطحي بأن “بعض المناطق لم تتأثر”، فإن ذلك لا يعكس جهلاً بالواقع فحسب، بل يكشف إرادة مقصودة لإنكار الحقيقة والتقليل من حجم الكارثة.
إن الإشارة إلى أن مناطق شرق إيران “لم تتأثر” هو في ذاته مغالطة مركبة؛ لأن هذه المناطق، التي يقطنها أبناء قومية البلوش، تعاني أصلاً من تهميش مزمن وحرمان هيكلي في مجالات التنمية والخدمات والحقوق الأساسية. ومن ثم، فإن عدم ظهور أثرٍ جديد للحرب لا يعني سلامة الأوضاع، بل يعني أن واقع الحرمان بلغ حدّاً يجعل الكارثة المستجدة غير ملحوظة فوق ركام الأزمات المتراكمة.
وهنا تتجلى خطورة الخطاب؛ إذ يتم توظيف معاناة فئة مهمشة لتبرير رواية رسمية زائفة، فيتحول الضحية إلى أداة إنكار، وتُستغل هشاشة أوضاعه لتلميع صورة النظام. وهذا النهج ليس عارضاً، بل هو جزء من بنية خطابية متكررة لدى نظام الملالي، تقوم على:
إنكار الوقائع أو تقزيمها عند الأزمات،
إعادة تفسير الحقائق بما يخدم بقاء السلطة،
وتصدير صورة مغايرة للواقع الداخلي مهما ��لغت التضحيات.
والمؤسف أن هذا الخطاب قد يصدر أحياناً عن أشخاص يُفترض فيهم الانتماء إلى الوسط الأكاديمي، حيث يُنتظر منهم الالتزام بالموضوعية والنزاهة العلمية. غير أن تسييس المعرفة وتسخيرها لخدمة السلطة يفقدها قيمتها، ويحوّل الأستاذ الجامعي من باحث عن الحقيقة إلى مروّجٍ لرواية رسمية، مهما كانت متهافتة.
إن الحقيقة التي لا يمكن حجبها هي أن الأنظمة التي تقدّم بقاءها على حساب شعوبها، لا تتردد في إنكار معاناتهم، بل وإعادة صياغتها لتبدو وكأنها واقع طبيعي. وهذا في ذاته ليس مجرد تضليل إعلامي، بل هو تشويه أخلاقي للواقع، يهدف إلى إدامة السيطرة ولو على أنقاض الإنسان وكرامته.
إن التهويل في تقديم “أحمديان” بوصفه نموذجًا است��نائيًا ليس سوى صناعة مقصودة للصورة، لا انعكاسًا حقيقيًا لتفوّق معرفي مستقل. فمثل هذه النماذج تُبنى داخل منظومة تُتقن توظيف الخطاب، وعلم الجدل، وتقنيات التأثير النفسي لإنتاج متحدثين قادرين على قلب الوقائع، وتغليف المواقف السياسية بثوبٍ أكاديميٍ مُقنع.
وليس خافيًا أن هذا الأسلوب يرتكز على إرثٍ طويل من توظيف علم الكلام والخطابة كأدواتٍ لصياغة الوعي وتوجيهه، بحيث لا يكون الهدف الوصول إلى الحقيقة، بل الانتصار للسردية مهما خالفت الواقع. ومن هنا يظهر المتحدث بمظهر الباحث الموضوعي، بينما هو في حقيقته ناقلٌ لخطابٍ مؤدلج يُعاد إنتاجه بعناية داخل مؤسساتٍ موجهة.
إن الإشكال لا يكمن في امتلاك أدوات الحوار، بل في تسخيرها لتزييف الحقائق؛ حيث تتحول البلاغة إلى وسيلة تضليل، ويُستبدل البرهان بالاستمالة، وتُقدَّم الانتقائية على أنها تحليل. وهذا النمط ليس حكرًا على جهة بعينها، بل هو سمة كل خطابٍ مؤدلج، سواء تلبّس بعباءة الدين أو السياسة أو حتى الأكاديمية.
أما التهليل لمثل هذه النماذج، فهو في جوهره انبهار بالشكل دون تفكيك للمضمون؛ إذ يُخدع المتلقي بسلامة اللغة وقوة الطرح، دون أن يتوقف عند مدى اتساقه مع الواقع أو صدقيته المنهجية.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي ليس في مجاراة هذه النماذج أو تضخيمها، بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين الخطاب والحقيقة، وبين الحجة والادعاء، وبين العالم الحقيقي ومن صُنِع ليؤدي دورًا في مسرح السرديات.
حيثما وجدتَ الدمار والتخلّف، وتفكك البنى، وبقايا الدولة وقد أُفرغت من مضمونها، فابحث عن اليد التي تُغذّي الأزمات وتُعيد إنتاجها. فهناك نهجٌ لا يعيش إلا في بيئة الاضطراب، ولا يتمدّد إلا عبر الانقسام، يجعل من الطائفية أداة، ومن الميليشيات وسيلة، ومن الفوضى مسرحاً دائماً لحركته.
هذا نظامٌ لا يرى في المواطن قيمةً تُصان، بل رقماً يُستخدم؛ لا يتردد في تعريض الناس للخطر، ولا يُبالي بتبعات قراراته على حياتهم ومصائرهم، لأن الأولوية ليست للإنسان ولا للوطن، بل لبقاء النظام. وفي مقابل ذلك، هناك دولٌ جعلت من حياة الإنسان خطاً أحمر، فتبذل كل ما تملك لحمايته، وتعتبر سلامته مسؤوليةً لا تقبل المساومة.
إن الفارق هنا ليس في الإمكانات، بل في العقليات؛ بين عقليةٍ تبني الدولة حول الإنسان، وأخرى تُسخّر الإنسان لحماية الدولة. الأولى تُقيم مؤسساتٍ وتحفظ الحقوق، والثانية تُدير الأزمات وتُغذّي الصراعات.
وفي عالمٍ يتجه نحو التقدم، والعلم، وتعظيم قيمة الفرد، يبقى هذا النهج أسير أدواتٍ قديمة، يكدّس أسباب الصراع، ويُضعف مقومات الاستقرار، ويحوّل الأوطان إلى ساحاتٍ مفتوحة للأزمات.
فالخلاصة أن المعيار الحقيقي لأي نظام ليس ما يرفعه من شعارات، بل كيف يتعامل مع شعبه: هل يحميه ويصونه، أم يزجّ به في المخاطر؟ وبين من ينقذ إنساناً، ومن يعرّض آلافاً للهلاك، تتجلى حقيقة الفارق… وتنكشف طبيعة كل نهج.
البعض يندفع في الهجوم والسبّ، ويصنّفك فورًا ضمن “اليهود” لمجرد أنك تتحدث عن نظام الملالي، وللأسف يصدر هذا من بعض العرب. فإن كنتم قد ارتضيتم لأنفسكم التبعية، وأُغلقت أعينكم عن حقائق هذا النظام، فذلك ليس ذنبنا، ولسنا مسؤولين عن جهلٍ اخترتموه أو عن تبعيةٍ عمياء تتشبثون بها.
البعض يختزل الأمر بسذاجة، فيظن أن الحديث عن نظام الملالي—كونه يتلبّس بغطاءٍ مذهبي—هو استهدافٌ للشيعة، وهذا خلطٌ مرفوض. فحديثنا عن نظامٍ سياسي يوظّف الدين لمصالحه، لا عن مذهب�� نحترمه كغيره من المذاهب.
وهناك من يدفعه الحقد المسبق وسوء المقارنة إلى كراهية الخليج، لا لشيء إلا لأنه يقارن واقعه المتعثر بحالٍ أفضل، فيحمّل غيره مسؤولية فشله. والحقيقة أن الخليج ليس مسؤولًا عن الفساد في دول الآخرين، ولا عن أوضاعهم الاجتماعية؛ فلكل دولة ظروفها، ولكل مجتمع خياره ومساره.
أما أمثال المعشتي ومن على شاكلته من منظّري التفاهات، فليسوا إلا أبواقًا مأجورة، تروّج لما يخدم أجنداتٍ معلومة. والواقع—لا الشعارات—كفيل بأن يكشف الحقائق: أن هذا النظام لا تحكمه ملة ولا يقيّده مذهب، بقدر ما تحرّكه نزعة قومية ومصالح بقاء، يبيع في سبيلها كل شيء… حتى شعبه.
أيُّ نهجٍ هذا الذي لا يُرى أثره إلا حيث يضعف العمران وتضطرب الأوطان؟ وأيُّ مشروعٍ ذاك الذي لا يحضر إلا حين تغيب الدولة وتعلو أصوات الميليشيات وتتمزق المجتمعات؟ أهي صدفةٌ أن يتكرر المشهد ذاته في أكثر من ساحة، أم أن ه��اك عقلاً يُدير الفوضى ويستثمر فيها؟
حيثما وجدتَ الدمار والتخلّف، وتفكك البنى، وبقايا الدولة وقد أُفرغت من مضمونها، فابحث عن اليد التي تُغذّي الأزمات وتُعيد إنتاجها. فهناك نهجٌ لا يعيش إلا في بيئة الاضطراب، ولا يتمدّد إلا عبر الانقسام، يجعل من الطائفية أداة، ومن الميليشيات وسيلة، ومن الفوضى مسرحاً دائماً لحركته.
هذا نظامٌ يتغذّى على خطابٍ مؤدلج، يخلط بين الدين والسياسة خلطاً يفضي إلى تشويه القيم، ويحوّلها إلى شعارات تُستخدم لتبرير الصراع لا لبناء الإنسان. فلا ترى فيه مشروع دولة، بل عقلية تنظيمٍ تُدير الأزمات وتستثمر فيها، وتُغلب منطق القوة المنفلتة على منطق القانون والمؤسسات.
وفي مقابل عالمٍ يتجه نحو التقدم والعلم وبناء الاقتصاد، ينشغل هذا النهج بتكديس أدوات الصراع، وتوسيع دوائر التوتر، وإقامة بنى موازية تُضعف الدولة من داخلها، فلا تكون النتيجة إلا مزيداً من الاستنزاف وتراجع فرص التنمية.
إنه نهجٌ لا يُعلي من قيمة الإنسان، ولا يضع كرامته في صدارة أولوياته، بل يُحوّله إلى وسيلة ضمن صراعٍ مفتوح. ولذلك، فإن حضوره يقترن دائماً بغياب الدولة، وتراجع القانون، وارتفاع كلفة الحياة على الشعوب.
فالخلاصة واضحة: بين من يبني أوطاناً تقوم على الاستقرار والتنمية، ومن يُبقيها رهينة صراعاتٍ لا تنتهي، يبقى الحكم للواقع… فمن يزرع الحياة يُثمر، ومن يزرع الفوضى لا يحصد إلا الخراب.
منطقٌ مقلوب يتبنّاه نظام الملالي، يُلبس الهزيمة ثوب النصر ويُسوّق ال��راب على أنه كرامة، فيختزل الدولة في بقائه، ويرى في الوطن أداةً وفي الشعب وقودًا. حين يزعم أن الدمار انتصار، فإنه يُعلن انفصاله عن أبسط معاني الدولة ومسؤولياتها. فأيُّ كرامةٍ تُبنى على أنقاض الأوطان، وأيُّ نصرٍ يُقام على فقر الشعوب وضياع مقدّراتها؟ إن الكرامة الحقيقية تكون في صون الدولة وحماية الإنسان وتنمية موارده، لا في الزجّ به في صراعات عبثية تُدار بعقلية الشعارات لا بمنطق الدولة. أما تحويل الخسارة إلى “نصرٍ معنوي”، فليس إلا هروبًا من الحقيقة، وستارًا يُخفي فشلًا لا يُراد الاعتراف به.
أي ازدهار يُدّعى لإيران يُقاس بأي معيار؟ أهو بقيمة العملة التي تتهاوى، أم بنمو اقتصادي يرزح تحت وطأة العقوبات، أم بدخل فردٍ يئن تح�� التضخم، أم بتطور تكنولوجي محدود لا ينعكس على رفاه المواطن، أم بسياحة لا تقارن بما حققته دول المنطقة؟
الحقيقة أن إيران، رغم ما تملكه من موارد هائلة، اختارت أن تُهدرها في مسارات لا تبني دولة ولا تصنع ازدهارًا؛ فاستثمرت في عسكرة المجتمع، وتضخيم ترسانة الصواريخ، وتوسيع نفوذها عبر أذرعٍ أنهكت الأوطان ومزّقت الاستقرار. وفي المقابل، شعبٌ يعاني، ونسب فقر مرتفعة، وهجرة عقول، وتراجع في جودة الخدمات والبنية التكنولوجية.
الازدهار لا يُقاس بضجيج الشعارات ولا باستعراض القوة، بل يُقاس بكرامة الإنسان، وقوة الاقتصاد، واستقرار المجتمع، وجودة الحياة. فدع عنك الأوهام… وقارن بالوقائع.
لماذا يقف هؤلاء؟ بل: لماذا وُضعوا في هذا الموضع أصلاً؟
الدولة التي تحترم شعبها لا تجعل أجساد مواطنيها خط الدفاع الأول عن منشآتٍ استراتيجية، ولا تضعهم في مواجهة الخطر المباشر، بل تحميهم وتُجنّبهم تبعات الصراع. أما حين يتحول الإنسان إلى درعٍ بشري، فهذه ليست كرامة، بل نتيجة خللٍ عميق في مفهوم الدولة ومسؤوليتها.
والأخطر من ذلك، هو محاولة تصوير هذا المشهد على أنه دفاع عن “الوطن”، بينما الحقيقة أن الخلط بين الوطن والنظام هو أحد أدوات الأنظمة المؤدلجة. فالوطن أوسع من نظام، وأبقى من سلطة، والشعب لا يُختزل في مشهدٍ أو موقفٍ يُدفع إليه تحت ضغط الخوف أو التعبئة.
أما القول إن هذا دليل على تلاحمٍ كامل، فهو يتجاهل واقعاً معروفاً من الاحتجاجات والقمع والمعاناة التي عاشها ذات الشعب. فالشعوب ليست كتلةً واحدة، ولا يمكن اختزالها في صورةٍ واحدة تُبث في لحظة معينة.
وعليه، فإن هذا المشهد—إن صحّ—لا يُثبت قوة النظام، بل يثير تساؤلاتٍ أعمق:
كيف وصل الأمر إلى أن يُطلب من الناس أن يقفوا بأجسادهم أمام الخطر؟
ولماذا تُدار الأزمات بطريقة تجعل المواطن آخر خطوط الدفاع؟
الكرامة لا تكون بوضع الناس في مواجهة النار، بل بحمايتهم منها. والوطن لا يُصان بالمخاطرة بأبنائه، بل ببناء دولةٍ تحترمهم وتضع حياتهم فوق كل اعتبار.
يا هذا… إن الكلمة ليست صوتاً عابراً يُلقى في الهواء ثم يمضي، بل هي موقف، ومسؤولية، ومرآةٌ لما في العقل من وعيٍ أو خواء. فإذا انحدرت الألفاظ إلى درك السباب الجماعي والتحريض الأعمى، فقدت قيمتها العلمية، وسقط قائلها من مقام الباحث إلى مستوى المهووس بالشعارات.
إن من يُفترض فيه أن يكون صاحب علمٍ واتزان، لا يجوز أن يستبدل لغة الحجة بلغة الإقصاء، ولا أن يُعمّم الأحكام على أممٍ وشعوبٍ بعباراتٍ تفتقر إلى أدنى درجات العقل والعدل. فالعلم يقتضي التمييز، والعدل يرفض التعميم، والإنصاف لا يقبل أن تُختزل القضايا المعقدة في ألفاظٍ غوغائية تُرضي الانفعال ولا تخدم الحقيقة.
اعلم أن الكراهية العمياء لا تُنشئ فكراً، ولا تُقيم حجة، بل تهدم صاحبها قبل غيره. ومن اعتاد أن يختبئ خلف الشتائم، فإنما يعترف – دون أن يدري – بعجزه عن مجاراة النقاش بالحجة والبرهان.
فإن أردت أن تُحترم، فاجعل لسانك تابعاً لعقلك، لا لعاطفتك المنفلتة. وارتقِ بخطابك إلى مستوى المسؤولية، فإن القضايا الكبرى لا ت��ناقش بلغة السوق، ولا تُبنى المواقف الرصينة على ألفاظٍ مشحونة بالكراهية، بل على وعيٍ عميق، ونظرٍ متجرد، وعدلٍ لا يتأثر بصخب الجماهير.
حينما يُستدعى التاريخ للمقارنة، فإن ذلك لا يكون ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم طبيعة الأخطار التي تعود بأقنعة مختلفة وإن تغيّرت الأزمنة. فما نشهده اليوم من سلوك النظام المعروف بنظام الملالي، لا يمكن عزله عن سياق تاريخي شهد صعود قوى مارقة جعلت من الفوضى أداة حكم، ومن التهديد وسيلة بقاء.
إن التهديد بقطع كابلات الاتصالات البحرية ليس مجرد تصريح عابر، بل مساس مباشر بالبنية التحتية التي يقوم عليها العالم المعاصر؛ عالم يعتمد في اقتصاده وأمنه واستقراره على شبكات مترابطة من البيانات والمعلومات. وكذلك التلويح بإغلاق مضيق هرمز، وهو شريان الطاقة العالمي، لا يُعد ورقة ضغط سياسية فحسب، بل إعلان صريح عن استعداد لتعطيل الاقتصاد الدولي وتعريض أمن الطاقة العالمي للخطر، في سلوك لا يصدر عن دولة مسؤولة، بل عن عقلية ترى في الإضرار بالآخرين وسيلة لتحقيق نفوذها.
ولم يقف الأمر عند حدود التهديد الاقتصادي، بل تجاوزه إلى الاعتداء على دول الجوار التي لم تكن طرفاً في أي نزاع، في انتهاك صارخ لمبادئ السيادة وعدم التدخل التي يقوم عليها النظام الدولي. كما أن محاولات التمدد خارج الإقليم، عبر زرع الأذرع والامتدادات في دول بعيدة، يعكس نزعة عابرة للحدود تتجاوز مفهوم الدولة إلى مفهوم التنظيم العقائدي الذي لا يعترف بالقانون الدولي ولا بحدود الدول.
وعند استحضار التاريخ، نجد أن البشرية عرفت نماذج مشابهة من السلوك؛ من الهكسوس الذين تسللوا إلى قلب الحضارات واستغلوا ضعفها، إلى التتار الذين اجتاحوا المدن وأحرقوا الأخضر واليابس دون اعتبار لقيم أو إنسانية، وصولاً إلى الحروب العالمية التي اندلعت حين تحولت النزعات التوسعية إلى مشاريع تدمير شامل. غير أن الفارق الجوهري أن تلك القوى، رغم بطشها، كانت تتحرك ضمن منطق القوة التقليدية، أما اليوم فنحن أمام نموذج يجمع بين أدوات الدولة وذهنية الميليشيا، وبين خطاب أيديولوجي وممارسات تقوّض أسس النظام الدولي.
إن خطورة هذا النموذج تكمن في أنه لا يقيس الخسائر بمفهوم الدولة الوطنية، ولا يضع رفاه شعبه ضمن أولوياته، بل ينظر إلى بقائه واستمراره كغاية تبرر كل وسيلة، حتى لو كان الثمن زعزعة استقرار المنطقة والعالم. وهنا يتجلى الخطر الحقيقي: حين تتحول دولة إلى أداة في يد عقيدة، تفقد الحسابات العقلانية التي تضبط سلوك الدول، ويصبح العالم أمام فاعل لا يمكن التنبؤ بتصرفاته.
إن الأسرة الدولية اليوم أمام اختبار حقيقي، فالتاريخ علّمنا أن التهاون مع مثل هذه السلوكيات لا يؤدي إلا إلى تفاقمها. وإذا كانت البشرية قد دفعت ثمناً باهظاً في الماضي نتيجة التغاضي عن نزعات التوسع والفوضى، فإن تكرار الخطأ ذاته في الحاضر قد تكون كلفته أكبر، في عالم أكثر ترابطاً وأكثر هشاشة في آن واحد.
وعليه، فإن مواجهة هذا النمط من السلوك لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها صراعاً سياسي��ً عابراً، بل مسؤولية جماعية لحماية النظام الدولي وصون أمن الإنسانية. فالعالم لا يواجه مجرد خلاف بين دول، بل يواجه نموذجاً يسعى إلى إعادة إنتاج الفوضى في ثوب جديد، وهو ما يستوجب وعياً دولياً حازماً يضع حداً لهذا الانفلات قبل أن يتحول إلى كارثة لا تُحمد عقباها.
إن ما يصدر عن هذا النظام من خطابٍ متعالٍ وسلوكٍ متهوّر لا يعكس قوةً بقدر ما يكشف عن أزمةٍ عميقة في فهم قواعد النظام الدولي وأعرافه الراسخة، حيث لا تُدار الممرات الحيوية بمنطق التهديد، ولا تُصان السيادة بلغة الابتزاز. فالدول التي تحترم مكانتها بين الأمم تبني نفوذها على الثقة والتعاون، لا على إثارة المخاوف وتعريض مصالح الشعوب للخطر.
وإذا كان التاريخ يُخلّد الدول بما قدّمته للإنسانية من عمرانٍ واستقرار، فإن العبث بالمقدرات، وتهديد أمن الملاحة، ومخالفة القواعد الدولية، لا يورث إلا العزلة ويُسرّع من تآكل الشرعية. فهل يُعقل أن يستمر نهجٌ يصادم العالم ويست��ين بالقانون الدولي، ثم يُنتظر له القبول أو البقاء؟ إن البقاء الحقيقي لا يكون بالقوة العابرة، بل بالمسؤولية، والاتزان، واحترام الإنسان قبل كل شيء.
نظام الملالي ليس دولةً بقدر ما هو مشروع صراع؛ يوظّف الدين غطاءً، ويجعل الفوضى وسيلته، ويقدّم بقاءه على كرامة الإنسان. سجله حافل بالتدخلات، ودعم الميليشيات، وزعزعة استقرار الجوار، وإهدار مقدرات شعبه دون اكتراث. لا يحترم سيادة، ولا يلتزم بجيرة، ولا يقيم وزناً للإنسان—وفي ذلك تكمن خطورته الحقيقية على المنطقة والإنسانية.
إن أخطر ما تواجهه الأوطان في لحظات التهديد ليس العدوان وحده، بل اختلاط المفاهيم وتزييف المواقف، حين يُعاد تعريف الحق ليصبح محل جدل، ويُقدَّم الباطل في صورة اجتهاد أو حياد.
وإزاء هذين الموقفين المتناقضين في الظاهر والمتلاقين في النتيجة، يتبين أن الحياد المزعوم في زمن الاعتداء ليس إلا موقفًا سلبياً يُفضي إلى ذات الغاية التي يخدمها التبرير الصريح؛ فكلاهما يُفرّغ الجريمة من مضمونها، ويُسهم في إضعاف الموقف الحق، ويمنح المعتدي غطاءً معنوياً لمواصلة عدوانه.
فمن يتذرع بالدستور ليبرر الصمت أمام استهداف الأوطان والبنية المدنية، إنما يُسيء إلى مفهوم الحياد ذاته، إذ لا حياد أمام انتهاك السيادة وسفك الدماء وتهديد أمن الدول. فالحياد الحقيقي لا يكون بالوقوف على مسافة واحدة بين الجاني والمجني عليه، بل بالانحياز للقانون والحق، وإدانة العدوان أيًّا كان مصدره.
أما من يُلبس العدوان ثوب “الدفاع المشروع” بدعوى صراعٍ آخر، متجاهلًا استهداف دولٍ لم تكن طرفًا في النزاع، فإنه يخلط الأوراق عمدًا، ويُسقط عن نفسه أدنى درجات المسؤولية الأخلاقية والسياسية، لأن تبرير الجريمة لا يقل خطرًا عن ارتكابها.
وعليه، فإن الموقف الواجب لا يحتمل التردد ولا التلوّن؛ إدانةٌ صريحة لكل اعتداء يمس سيا��ة دول الخليج والأردن، ورفضٌ قاطع لكل خطابٍ يبرر أو يهوّن من شأنه، أياً كان مصدره أو غطاؤه. فالأوطان لا تُحمى بالرمادية، ولا تُصان بالخطابات الملتبسة، وإنما بالمواقف الواضحة التي تضع الحق في موضعه، وتسمّي الأشياء بأسمائها دون مواربة.
ومن راهن على صمتنا، أو على تمييع الحقائق، فقد أخطأ التقدير؛ فالمواقف تُمحّص في أوقا�� الشدائد، وحينها فقط تُعرف معادن الدول، ويُفرّق بين من يصون الأخوّة حقًا، ومن يتخذها شعارًا أجوف لا يصمد أمام أول اختبار.
المعشني ومن على شاكلته لم يقفوا عند حدود الاختلاف في الرأي، بل تجاوزوا ذلك إلى تبنّي خطابٍ منحرف�� يستمد مرجعيته من فكرٍ مؤدلج يقوم على التسليم الأعمى والانقياد دون تمحيص أو تعقّل. إن اعتناق هذا النهج القائم على ولاية الفقيه لا يفرز إلا عقلاً مُعطّلاً، يُستبدل فيه المنطق بالشعارات، والحقيقة بالدعاية، فتغيب معه القدرة على التمييز بين الحق والباطل.
وما ورد في هذا الطرح يعكس حالة من الخلط المتعمّد بين التحليل الرصين والادعاء الفارغ، حيث يُلبس الجهل ثوب المعرفة، ويُسوّق الوهم على أنه قراءة استراتيجية. وهذه السمة ليست جديدة، بل هي امتداد لنهجٍ قائم على التضليل وبثّ الشبهات، يخدم أجندات لا تمتّ لأوطاننا ولا لمصالح شعوبنا بصلة.
إن من يروّج لهذا الفكر لا يكتفي بتزييف الوعي، بل يسعى إلى إعادة إنتاج خطابٍ يقوم على الفرقة والتبعية، في وقتٍ تحتاج فيه المنطقة إلى الوعي، والبصيرة، والاصطفاف خلف مشاريع البناء والاستقرار. فالوطن لا يُباع بالشعارات، ولا يُختزل في مواقف آنية، بل يُصان بالولاء الصادق، والفكر المستنير، والقدرة على قراءة الواقع بعيداً عن الأدلجة والانحياز الأعمى.
وعليه، فإن كشف هذا الانحراف الفكري ليس خياراً، بل ضرورة، حتى لا تتحول الأصوات المأزومة إلى أدواتٍ لهدم الوعي وتضليل الرأي العام، فالمعركة اليوم لم تعد فقط في الميدان، بل في العقول أيضاً.
رحم الل�� شهداء وطننا الأبرار، الذين ارتقوا وهم يؤدّون واجبهم دفاعًا عن الأرض والعِرض والسيادة، ونسأل الله أن يتغمّدهم بواسع رحمته، وأن يجعل تضحياتهم نورًا يهدي الأجيال ومعنى خالدًا للفداء والوفاء.
إن ما يتعرض له وطننا من اعتداءات غاشمة هو سلوك مدان، يتنافى مع كل القيم الإنسانية والأعراف الدولية، ويكشف عن نهجٍ لا يعرف إلا الفوضى وزعزعة الاستقرار، ولا يُقيم وزنًا لحرمة الأوطان ولا لدماء الأبرياء. وإن هذا النهج العدائي لا يستهدف دولة بعينها بقدر ما يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويعكس عقلية مأزومة لا تؤمن بالحوار ولا تعترف بسيادة الدول.
وإذ ندين هذا العدوان بكل وضوح، فإننا نؤكد أن دولة الإمارات، قيادةً وشعبًا، ستظل عصيّة على كل من يحاول النيل من أمنها، ثابتةً على مبادئها، قويةً بوحدتها، ماضيةً في حماية مكتسباتها وصون استقرارها، لا ترهبها التهديدات ولا تنال من عزيمتها المحن.
المجد للشهداء، والشفاء للجرحى، والنصر للحق، وسيبقى وطننا شامخًا، محفوظًا بعون الله، وبسواعد أبنائه الأوفياء.
رحم الله شهداء وطننا الأبرار، الذين ارتقوا وهم يؤدّون واجبهم دفاعًا عن الأرض والعِرض والسيادة، ونسأل الله أن يتغمّدهم بواسع رحمته، وأن يجعل تضحياتهم نورًا يهدي الأجيال ومعنى خالدًا للفداء والوفاء.
إن ما يتعرض له وطننا من اعتداءات غاشمة هو سلوك مدان، يتنافى مع كل القيم الإنسانية والأعراف الدولية، ويكشف عن نهجٍ لا يعرف إلا الفوضى وزعزعة الاستقرار، ولا يُقيم وزنًا لحرمة الأوطان ولا لدماء الأبرياء. وإن هذا النهج العدائي لا يستهدف دولة بعينها بقدر ما يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويعكس عقلية مأزومة لا تؤمن بالحوار ولا تعترف بسيادة الدول.
وإذ ندين هذا العدوان بكل وضوح، فإننا نؤكد أن دولة الإمارات، قيادةً وشعبًا، ستظل عصيّة على كل من يحاول النيل من أمنها، ثابتةً على مبادئها، قويةً بوحدتها، ماضيةً في حماية مكتسباتها وصون استقرارها، لا ترهبها التهديدات ولا تنال من عزيمتها المحن.
المجد للشهداء، والشفاء للجرحى، والن��ر للحق، وسيبقى وطننا شامخًا، محفوظًا بعون الله، وبسواعد أبنائه الأوفياء.