قبل قليل...
(واس) تنشر صور نادرة أُخذت من عدد يوليو 1953 لمجلة (ناشيونال جيوغرافيك) وهي أول صور ملونة للحرم المكي الشريف.
الصور التقطتها عدسة الشاب المسلم من أصل باكستاني "عبدالغفور شيخ" والذي كان يبلغ من العمر آنذاك 21 عام خلال أداءه مناسك الحج.
القصة الكاملة لمن يريد قراءتها:
في يوليو عام 1953م، نشرت مجلة ناشيونال جيوغرافيك تقريرًا مصورًا بالألوان عن المسجد الحرام والمشاعر المقدسة بعنوان "من أمريكا إلى مكة في رحلة حج جوية"، بعدسة الشاب المسلم من أصل باكستاني عبدالغفور شيخ، طالب إدارة الأعمال في جامعة هارفارد، الذي بادر إلى عرض فكرته على المجلة لتصوير رحلته إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج عام 1952م، لنقل صورة واقعية عن شعائر الإسلام ومناسك الحج إلى القارئ الغربي.
تعود القصة إلى أواخر صيف عام 1952م، الموافق لشهر ذي الحجة 1371هـ، حين كان عبدالغفور شيخ، الشاب البالغ من العمر 21 عامًا ابن أسرة عُرفت بالتجارة والعمل الخيري في شرق أفريقيا، يستعد لخوض تجربة ستتحول لاحقًا إلى توثيق بصري نادر لفريضة الحج، حيث أرسله والده إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة تعليمه في أرقى جامعاتها "هارفارد"، غير أن شوقه لبيت الله العتيق ظل حاضرًا في وجدانه.
ومع حلول الإجازة، قصد مقر الجمعية الجغرافية الوطنية "ناشيونال جيوغرافيك" في واشنطن، عارضًا فكرة جريئة أن يكون أول مسلم يوثق شعائر الحج بالصور الملونة، التي حظيت بموافقة الجمعية وزودته بآلتي تصوير صغيرتين ومقياسًا للضوء، رغم قلة الخبرة في التصوير لينطلق من مطار نيويورك مستودعًا الله بدعائه: "اللهم اطوِ لي الأرض".
وبعد رحلة جوية تلاشت عبرها القارات والمحيطات، وصل عبدالغفور إلى جدة، ومنها تابع طريقه ليلًا بسيارة خاصة نحو مكة المكرمة.
وبين المنعطفات الجبلية بدأت تتراءى له أنوار العاصمة المقدسة، حتى دخل المسجد الحرام من باب السلام مع أولى تباشير الفجر.
وجاءت مجموعة الصور مرافقةً لرحلة إيمانية وثّق خلالها عبدالغفور شيخ تجربته ومشاهداته عن المكان والحجاج، فوصف لحظة دخوله المسجد الحرام بأنها من أكثر اللحظات مهابة في رحلته. فمع رطوبة الفجر وبرودة الهواء تحت الأقواس، تقدّم إلى صحن المطاف، لتستقر عيناه للمرة الأولى على الكعبة المشرفة في دكنة الفجر بكسوتها السوداء الفاخرة، وخلف مشهد الخشوع، كان عبدالغفور يخفي آلة التصوير ومقياس الضوء تحت إحرامه، رغم حصوله على إذنٍ رسمي، مراعيًا مسألة حساسية التصوير حينها.
بين أداء شعيرة الحج وتوثيقها بعدسته، عاش المصور الشاب تجربة جمعت الروحانية والمشقة الجسدية؛ إذ طاف وسط الزحام المائج محاولًا حفظ توازنه وضبط كاميرته، وقبل أن ينهي شوطه السابع ويقبّل الحجر الأسود، كانت قدماه قد تخضّبت بالكدمات، واتجه متعبًا نحو المسعى ودلف وسط ذلك السيل البشري حيث تختلط حركة الحجاج بأصوات الباعة في الأسواق المحيطة، ليواصل جهده بين العبادة والتوثيق، حتى أتم السعي وحلق رأسه.
وبحسب التقرير المنشور في المجلة لم تكن مهمة المصور الشاب سهلة، إذ كان يُبقي آلتي التصوير ومقياس الضوء مخفية تحت قطعتي الإحرام، وينتظر في كثير من الأحيان ارتفاع الشمس بما يكفي لتوفير التباين الضوئي المناسب للأفلام الملونة في تلك المرحلة، ففي طريقه إلى عرفات استأجر سيارة خاصة بدلًا من الحافلات المزدحمة، رغبةً في التحرك بحرية وتوثيق المناسك بعدسته، وتحت جبل الرحمة، وقف حاسر الرأس تحت شمس لاهبة، رافضًا حمل المظلة لتبقى يداه حرتين لالتقاط الصور، وبعد المبيت في مزدلفة ورمي الجمار، أصرّ على العودة إلى المسجد الحرام مشيًا على الأقدام لأداء طواف الإفاضة وتوثيق مسيرة الحجيج، إلا أن عاصفة ترابية حجبت الرؤية، وفي سبيل اغتنام الوقت أوقف شاحنة عابرة ودفع لسائقها خمسة ريالات لتوصله إلى المسجد الحرام لإتمام نسكه، قبل مغادرته إلى جدة ومنها إلى نيويورك.
هكذا انتهت رحلة عبدالغفور شيخ في مكة المكرمة قبل 74 عامًا، موثقًا أول صور ملونة للمسجد الحرام والمشاعر المقدسة.
س: بتضطهد الكلاب ليه؟
ج: دا غير صحيح.
س: ليه عايز الناس تتخلص منها؟
ج: عايز الحكومة تتخلص من وجودها بيننا مش الناس، وعايز دا لأنهم ضرر علينا.
س: بس الكلاب مش مؤذية!؟
ج: فوق المليون ونصف تقريبا حالة عقر سنويا وتقول مش مؤذية!
س: بس ربنا أمر بالرحمة؟
ج: طبعا.
س: طيب فين الرحمة هنا؟
ج: وفين رحمتك مع الصراصير والأبراص والفيران والعِرَس والبق والحشرات!؟
س: بس الحاجات دي كائنات مؤذية!
ج: وكذلك الكلاب؛ أذاها أشد وبيصل للموت في بعض الحالات، والتشويه في بعض آخر.
س: أومال فين حديث سقيا الكلب؟
ج: موجود وحالته تكون في غير وضع الأذى.
س: إيه الدليل؟
ج: لما كثرت الكلاب في المدينة؛ سيدنا النبي بعث الصحابة للتخلص منها.
س: بس الكلاب كانت موجودة وبتدخل مسجد الرسول!؟
ج: دا كان بسبب إن الوضع كان هو الآتي: "المسجد ملوش أبواب- المسجد كان عبارة عن شيء شبيه بالتعريشة - المسجد كان رمل وحصى ومش مفروش" فطبيعي الكلاب وكمان الحمير وأي كائن حي كان ممكن يدخل عادي
س: فيه حلول زي التعقيم وغيره!
ج: كويسة بس برضو مش هتمنع العض والنباح، الحل هو تفريغ الأماكن السكنية من سبب الأذى.
س: يعني نقتل كل الكلاب!؟
ج: مفيش عاقل بيقول كدا ولا عاقل بيطلب دا، بنقول المطلوب تفريغ الأماكن السكنية منها علشان الأطفال وعمال الدليڤري والنساء والناس الكبيرة اللي بتنزل تصلي الفجر يكونوا في أمان.
س: بس القتل دا بيكون للمسعور؟
ج: غلط؛ القتل يكون للعقور، والعقور هو اللي بيهاجم ويعض ويجري وراك يطاردك؛ دا هو وصف العقور؛ العقور شيء والمسعور شيء تاني، والعقور قتله حلال.
ودا اللي ورد في الحديث، ودا اللي صدرت به الفتوى من الأزهر الشريف، وبضغطة على زرار البحث في جوجل هتقدر تعرف إيه هو الكلب العقور وإيه هو حكمه، وكدا هتتأكد من المعلومة.
وأخيراً..حرام أطفالنا تتأذي علشان فيه ناس بتدافع عن بقاء الكائنات المؤذية دي بيننا سواء لأسباب نفسية أو لمنافع مادية.
شير علشان المعلومة توصل للجميع.
مصادفات غريبة!!
جمال عبد الناصر:
ولد 1918.
حكم 18 سنة.
وصل للحكم عام 1952.
مات بعمر 52.
🔴 حافظ الأسد.
ولد 1930.
حكم 30 سنة.
وصل للحكم 1970.
مات بعمر 70 سنة!!
🔴 صدام حسين:
ولد 1937.
حكم 37 سنة.
وصل للحكم سنة 1968.
مات بعمر 68!!
🔴 القذافي:
ولد عام 1942.
حكم 42 سنة!
وصل للحكم سنة 1969.
مات بعمر 69 سنة!
دوامات النسيان!
"يا مثبت العقل يا رب"، ستهتف هكذا من قلبك عندما ترى إخوانجياً يتصور أن طريقه للهروب من تحمل مسئولية كذب رئيسه وفشل جماعته لن يكون إلا بنبش قبر جمال عبد الناصر وكيل الاتهامات له، وستهتف به أيضاً عندما تجد ثائراً يتصور أن الرد المفحم على ذلك الإخواني يجب أن يكون بعبارات من نوعية "هنرجعكو السجون زي عبد الناصر.. هو اللي عرف يشكُمكم ويلبِّسكو الطُّرَح"، كأن مشكلة ذلك الثائر ليست مع الظلم في كافة أشكاله، بل مع الظلم "أبو دقن بس".
صدق أو لا تصدق، لن يحل مشاكل الإخوان التي أوقعوا أنفسهم فيها قيامهم بلعن سنسفيل عهد عبد الناصر ليل نهار، ولن يحل مشاكل معارضيهم أن ينسوا أن تلبيس عبد الناصر الطُّرح للإسلاميين حوّلهم إلى شهداء ومظاليم وقام بتعطيل اكتشاف المصريين لحقيقة شعاراتهم ستين عاما لم نحقق فيها بالمناسبة الكثير، نعم حلمنا فيها بالكثير، وكانت أحلامنا نبيلة ورائعة لكننا من أجل تحقيقها دهسنا أثمن قيمة إنسانية، قيمة الحرية، فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولم يذهب ضحية هذا الدهس الإخوان وحدهم، بل ذهب ضحية له كثيرون من النبلاء والعقلاء والشرفاء الذين دخلوا السجون، ليعربد خارجها أهل الثقة والموالسة ولحس الأعتاب وتمام يا افندم.
لكيلا تسلم نفسك لدوامات النسيان فتجرفك بعيدا عن الحقيقة، أدعوك لقراءة شهادة الكاتب اليساري الكبير أحمد عباس صالح التي كتبها في مذكراته الرائعة (عمر في العاصفة) والتي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفي أحد فصولها يحكي عن ضابط من الصف الثاني من ضباط يوليو اسمه اليوزباشي محمد أبو نار كان ميالاً إلى معاشرة الكتاب والمثقفين، وقد عرّفه عباس صالح على أصدقائه المقربين يوسف إدريس ومحمد عودة وكامل زهيري ونعمان عاشور، وهي معرفة نفعتهم جميعا فيما بعد دون أن يدروا ولا يحتسبوا، "ففي سنة 1959 خاصم عبد الناصر الإتحاد السوفيتي، فقرر اعتقال جميع الشيوعيين بل اليساريين بشكل عام، وكانت وزارة الداخلية بناء على أمر من عبد الناصر تُعِدُّ كشوف الاعتقال.
ذات يوم زار أبو نار صديقه عباس رضوان وزير الداخلية في مكتبه، فوجد كشوف المعتقلين أمامه فقرأها ليجد بها أسماء أصدقائه وعلى رأسهم أحمد عباس صالح الذي كان العائل الوحيد لأسرته الكبيرة، فرجا الوزير أن يشطب أسماءهم قائلاً "إنهم أصدقائي الحميمين وسوف يكون موقفي محرجا لو تم القبض عليهم". فقال الوزير بعد تردد إنه سيفعل ذلك تقديرا له، لكنه يحذره بأن من عادة عبد الناصر أن يقرأ الكشوف بنفسه ليشطب اسماً أو يضيف اسماً، وبالتالي إذا وجد عبد الناصر أسماء أصدقائه غير موجودة وأضافه لن يكون بمقدوره فعل شيء، "وبالفعل أعيدت كتابة الصفحة التي تحتوي على أسمائنا وذهبت الكشوف ولم يتذكر عبد الناصر أي اسم منا، وهكذا نجونا من اعتقالات سنة 1959".
يروي أحمد عباس صالح أنه لم يعرف بالقصة إلا بعد زمن طويل من حدوثها، ثم يحكي موقفا يراه مضحكاً لكني رأيته محزناً بشدة، حيث كان عند بدء الاعتقالات ظهرا على قهوة ريش مع أصدقائه محمد عودة وكمال زهيري ويوسف إدريس ونعمان عاشور، وأخذوا يسمعون أخبار الاعتقالات التي تتوالى، فتوقعوا أن يُعتقلوا وبدأوا يستعدون نفسيا لذلك، لكن الدكتور لويس عوض ظهر عليهم الثالثة عصراً ليطمئنهم أن الحملة انتهت، فهدأوا نفسيا وبعدها ذهب أحمد عباس صالح إلى جريدته في المغرب فوجد الدكتور محمد مندور أمامه فأخبره عما قاله له لويس عوض عن نهاية الحملة، فضحك مندور وأخبره أنهم قبضوا على لويس عوض قبل قليل.
يضيف أحمد عباس صالح قائلاً: "ثم وجدت مندور يقول ضاحكا بمكره الريفي الظريف: ذهبت إلى المشير عامر وقلت له أني سان سيموني ولا علاقة لي بالفكر الشيوعي، فأمنه المشير ووعده بأنه لن يعتقل، استمعت إليه وأنا شديد القلق سارحا في هذه الحجة العجيبة عن سان سيمون وهل بالفعل يعرف المشير عامر ما هو مذهب سان سيمون. وانتهت الحملة بالفعل دون أن نعتقل ولم نعرف ماهي الأسباب، وخرج لويس عوض بعد عام ونصف بينما ظل بقية المعتقلون لخمسة سنوات في السجن دون أن يعرف أحد لماذا خرج ولماذا بقوا"، تماماً كما لم يعرف أحد لماذا لم يعتقل أحمد عباس صالح ورفاقه الذين نجوا من الاعتقال، بفضل صدفة تدخل محمد أبي نار، وهو ما جلب لبعضهم كيوسف إدريس اتهامات بالخيانة من بعض رفاقه ظلت تضايقه لسنين.
يقول أحمد عباس صالح معلقا على هذه القصة المؤلمة: "هكذا كانت الحياة السياسية في مصر بكل بساطة، لم تكن هناك جريمة معينة أو موقف سياسي خطير معادٍ يسعى أو يقدر على قلب السلطة، وكان اعتقال الناس رسالة رمزية لا أكثر ولا أقل في بعض الأحيان، ولكونك يسارياً بشكل ما، كان عليك أن تحذر الفصل من العمل أو الاعتقال حسب الأحوال المزاجية أحيانا، ويبدو أن عملية الاعتقال لم تكن شيئا مقلقا بالنسبة لمصدر القرار، وأذكر أن الرئيس عبد الناصر قال في إحدى خطبه مهددا أنه ألقى في السجن عشرات الألوف من معارضيه، وأنه على استعداد ليزيدهم عددا، وكما رأينا كان اعتقال الشيوعيين في سنة 1959 ردا على موقف لم يقبله من السوفييت، وكأن المصريين الذين اعتقلهم ليسوا مصريين، بل أتباع السوفييت ولم يكن هذا صحيحا في الواقع، وحدث نفس الشيء بالنسبة للإخوان المسلمين".
هذا ولا يبقى إلا أن يختم المرء كلامه اليوم بدعوة ربه كما بدأ: "اللهم إنا نتقرب إليك برفض الظلم سواءً كان ملتحياً أو حليق الذقن، اللهم ألهم أبناء وطننا التعلق بالمستقبل واقذف في قلوبهم كراهية التعلق بالماضي، اللهم وقد أردت أن تدخلنا في تجربة، فنرجوك يا مولانا أن تنجينا من الشرير ومن ضعاف الذاكرة".
...
نشرت هذه السطور في صحيفة الشروق بتاريخ 30 إبريل 2013، ثم نشرت كفصل في كتاب (فتح بطن التاريخ).
#كتبت_في_مثل_هذا_اليوم
تلاوة الشيخة منيرة عبده التي أعدت نشرها بالأمس ربما كانت الوحيدة الموثقة بالصوت والصورة في فيلم سينمائي، لكن هناك تسجيلات عديدة توثق تلاوات رائعة لقارئات متميزات، من بينها مثلا هذه التلاوة من سورة النجم للسيدة سكينة حسن والتي أصدرتها تسجيلات أوديون وكان يتم تداولها وبيعها بشكل عادي، قبل أن يتم إخفاء قارئات القرآن من الساحة في ظروف غامضة بدأت منذ منتصف الخمسينات ولا زالت مستمرة حتى الآن.
#فيتامينات_للذاكرة
.. ولاتأكل بثدييها!
" عايزة أقول لك كلمتين على إنفراد". هكذا قالت لي أم هند شغالتنا الخالدة أو "متيرة منزلنا" كما تحب أن ندعوها، بعد أن اقتحمت علينا جلستنا الصباحية الرايقة وقد اكفهرّ وجهها واحولّت عيناها أكثر ووضعت يدها على ما يفترض أنه وِسْطها، فنظرت إلى زوجتي بارتباك، وظننتُ أن لعبتنا الصغيرة التي بدأناها بعد واقعة البامية قد انكشفت.
كانت واقعة البامية المؤشر الأخطر على تفاقم الحالة الصحية لأم هند بشكل لم يعد يجدي معه صبرنا المعتاد عليها. كانت أم هند يومها قد وضعت حلّة البامية على الغسّالة بدلا من عين البوتاجاز التي ظلت مشتعلة على الفاضي لأكثر من ساعتين، جاءتنا بعدهما أم هند صارخة: "الأنبوبة خلصت بعد ما ضهري اتحنا وأنا باقمّع البامية وأحشي الفلفل.. مش تركبوا غاز طبيعي وترحمونا من وجع القلب ده"، وإدراكي أننا لا نمتلك أنبوبة هو الذي جعلني أطير إلى المطبخ لكي أقفل محبس ماسورة الغاز وأنا أقول لزوجتي بلغة العيون: "لقد اتخذت قراراً وأرجو أن تعينوني عليه، لقد انتهى عصر أم هند ولابد من الاستعانة في أعمال المنزل بأم أخرى ليس من أجلنا نحن فقط بل أيضا من أجل هند التي لا نريدها أن تعيش باقي عمرها يتيمة"، ومن يومها وأم جابر تأتي حد وتلات وخميس لتصلح ما تفسده أم هند إتنين وأربع وجمعة.
في أيامها الثلاثة التي ما يعلم بيها إلا ربنا وبمجرد أن تدخل من الباب، تنظر أم هند إلى الشقة باشمئناط وتقول لنا بتأنيب: "لِحقتوا تبهدلوا الشقة.. لازم وسطي يتقطم يعني.. الحمد لله إن الشقة ضيقة"، تحاول زوجتي إقناعها بأن تستريح اليوم حفاظاً على صحتها، أو بالأصح حفاظاً على الشقة، فترفع أم هند جانب شفتها الأيمن حتى يلزق في عضم منخارها، وتقول بكبرياء دوق إنجليزي عاطل: "ليه هتشغّلوني إحسان ولّا شفقة.. طول ما فيّ نَفَس مش هابطّل شغل.. ومش هاموت إلا على فرشتي"، فننظر إلى بعضنا داعين الله أن يستجيب، فتموت على فرشتها فعلاً بدلا من أن تموت على فرشتنا، ثم نكتفي بأن نقول لها " طيب على راحتك بس بلاش طبيخ عشان إحنا معزومين برّه"، دائما لا تكتفي بالصمت "يا اخويا هو إيه اللي كل يوم معزومين بره.. ما تكِنّوا في بيتكو شوية بدل ماتتاقلوا على الناس.. هتردوا العزايم دي كلها إمتى". بعدها تدخل إلى المطبخ لترى بواقي طبيخ أم جابر فتقول لزوجتي ما تقوله كل مرة: "بركة إنك رجعتي تطبخي تاني.. ما فيش حاجة تطفش الرجالة إلا الستات اللي مابتطبخش".
في العادة لا تحب زوجتي أن يكلمني أحد على انفراد سواءً كان أماً أو أباً، لكنها هذه المرة كانت سعيدة جداً بترك أم هند لتستفرد بي.
عليّ أن أواجه هذه العاصفة القصيرة الفتاكة لوحدي، قررت أن أكون صريحاً معها وزي ما تيجي تيجي، لكن الله كان رحيماً بي، فأعفاني من مواجهة لم أكن مستعداً لها أبداً. "بص بقى أنا عارفاك طول عمرك جدع ومتأكدة إني لو قصدتك مش هتكسفني". لم نتفقس بعد، الحمد لله.
"اؤمري يا أم هند"، "الأمر لله يا سيد الناس.. عايزاك تشوف لي سكة في وزارة الكِوى العاملة"، مرة ثانية عدت لأقلق، هل ستنظم أم هند إضراباً في البيت وتعتصم حتى الموت، "ليه ياأم هند.. خير"، "ما فيش.. عايزه أطلع تبع الحكومة أشتغل متيرة منزل في السعودية وبالمرة أضرب لي عمرة".
عندما وقعت من على الكنبة غارقاً في الضحك اكتشفت أنني لم أكن منفرداً بأم هند، لأنني وجدت زوجتي على الأرض هي الأخرى وقد وقعت من الضحك الذي لم يقطعه إلا إجهاش أم هند بالبكاء "إيه مستكترين عليا إن ربنا يكرمني وأعمل قرشين لهند واخواتها.. هافضل شغّالة عندكو سخرة لحد ماأموت"، نظرت إلى زوجتي وقد أسقط في يدي، فردت إليّ الجبانة نظرة ترجمتها على الفور "مع نفسك خالص"، فيما بعد قالت لي زوجتي إن ذلك لم يكن جُبناً بقدر ما كان احتراما منها لكون ملف أم هند دائماً من تخصصي.
قررت أن أبدأ كلامي مع أم هند من أتفه مدخل على الإطلاق، على أساس أن تفاهته ستجعله يرشق لامحالة في دماغ أم هند " بصي بقى يا أم هند إنتي مش هتقدري تشتغلي في السعودية.. أصلهم هناك مايعرفوش حكاية متيرة منزل دي.. هينادوكي يا خدامة وإنتي بتزعلي أساساً لما حد بيغلط ويقول عليكي شغالة".
لم أتوقع ردها المباغت "يا اخويا لو هتديني ألفين جنيه في الشهر قول لي يا بنت الصرمة". ضحكت ضحكة سرعان ما قطمتُها لكيلا تغضب مجرباً مدخل الحنية بعد أن فشل مدخل التفاهة "يا أم هند حد برضه يتغرّب عن بلده عشان الفلوس"، نظرتْ إلىّ بقسوة غير معهودة وقالت "وهوّ حدّ برضه يتغرّب في بلده من غير فلوس".
آه. لن تكون إدارة الحوار سهلة مع أم هند كما توقعت، لا مفر من أن أجيب من الآخر إذن، "بس إنتي ياأم هند لو سافرتي هتكوني لوحدك وممكن حد والعياذ بالله يعمل فيكي حاجة وحشة".
من لقّن هذه القصيرة المكيرة ردوداً كهذا الرد الساحق الماحق: "هيكون يعني أوحش من اللي بيعمله فينا الفقر". أوجعني ردها فلم أجد ما أقوله مطلقاً.
أطلقت أم هند تنهيدة غير متسقة مع حجم قفصها الصدري ثم قالت "أما لو كان قصدك على الحاجات الوحشة القبيحة فزي مانت شايف أنا خلاص ما عادش في رجا.. يمكن لو الكلام ده قبل عشر سنين قبل ما أبو هند يموت ما كنتش إنت نفسك تعتقني.. ما تزعليش مني يا مدام.. بس خلاص راحت علينا.. اللي هيفكر يعمل في حاجة وحشة هيإذي نفسه.. قلت إيه يا أستاذ".
ماذا أقول يا أم هند، لن يجدي حديث العقل معك ببصلة، فلأجرب حديث العاطفة الوطنية لعله يجد إلى قلبك الغُلُف سبيلاً:
" لازم تعرفي يا أم هند إنك مش شوية.. إنتي بنت مصر ياأم هند.. إنتي بنت إيزيس ونفرتيتي وكليوباترا وشجرة الدر وهدى شعراوي ونبوية موسى وصفية زغلول.. إزاي تنسي كل دول وتروحي تشتغلي في بيوت ناس غريبة وتذلّي إسم مصر".
أم هند نَفَسها في الجدال طويل اليوم: " لو فرضنا إن أنا بنت اللي بتقول عليهم دول ولو إني ولا أعرف جنس مرة فيهم.. هو يعني أنا لا مؤاخذة لما أشتغل في بيتكو وأمسح وراكو أبقى بارفع إسم مصر".
فتح الله على زوجتي بكلمتين حلوين أخيراً: "أيوه إحنا مصريين زي بعض ولما نخدم بعض ما فيهاش حاجة.. إنتي لو تعبتي لا سمح الله وقلتي لي آجي أساعدك في البيت.. مش هاتأخر".
لم تقدر أم هند هذا الموقف النبيل فقالت بشراسة لم تكن غريبة عليها: "طب ما تساعدي نفسك الأول يا مدام"، ثم استدركت قبل أن تغادر زوجتي الغرفة غاضبة وقالت: "ما تآخذينيش يا بنتي أصل أنا فايض بيا.. مش فاهمه إنتو ليه مش عايزين تساعدوني بدل مانا مدفونة بالحيا أنا وولادي.. هوّ حرام إننا نِقِبّ على وِشّ الدنيا ونعيش زي مانتو عايشين.. ولا إحنا مش مكتوب علينا التوبة من خدمة البيوت".
لم يعد مطلوباً مني أن أقنع أم هند وحدها بالتوقف عن البكاء، عليّ أولاً أن أوقف بكاء زوجتي وأمنع نفسي قبل كل هذا من البكاء.
فجّرت العواطف الجياشة شلّال كلمات تدفق من قلبي فظننته واصلاً لا محالة إلى قلب أم هند:
"بصي يا أم هند.. صلي على حضرة النبي.. أنا عايزك تِهْدي وتسمعي كلامي كويس.. موضوع الشغل في السعودية ده مش هيكمل من الحكومة أساسا.. عشان الجرايد عملت عليها حملة عشان ما يصحش ستات مصر بجلالة قدرها يخدموا في بيوت السعودية".
جاء صوتها مختنقاً بدموع حقيقية، فأنا أعرف دموعها الزائفة جيداً: "وهي الجرايد عايزه تقطع عيشنا ليه بس". قلت والدم ينتفض في عروقي انتفاضة مشاعر مشاهد غيور يتداخل تليفونياً ببرنامج العاشرة مساءً: "يا أم هند الجرايد مش عايزه تقطع عيش حد.. الجرايد باكية على مصر وعلى حالها.. مصر يا أم هند بلد كبيرة.. سيبك من الكام سنة اللي ما يعلم بيهم إلا ربنا اللي عشت أنا وإنتي فيهم.. مصر عمرها سبعتلاف سنة وأكبر من أيامنا الصغيرة دي بكتير.. مصر دايما كانت بتصدّر للعرب مدرسين ينوروا العقول ودكاترة يداووا ويطيبوا ومهندسين تعمر الصحراء وعمال إيديهم تتلف في حرير.. مايصحش تيجي على آخر الزمن تطلّع ستات يشتغلوا في البيوت.. ممكن دول زي الفلبين وسريلانكا والصومال تعمل ده عشان دي بلاد ما عندهاش نفس حضارتنا ولا نفس تاريخنا.. إحنا نجوع ونفتقر بس نفضل بكرامتنا لإن دي الحاجة الوحيدة اللي حيلتنا ويارب نعرف نكمل بيها الكام سنة الجايين.. الله يلعن اللي خلّوا خير بلدنا يروح لغير ولادها.. الله يلعن اللي خلانا كلنا نخدم بره بلادنا حكام ومحكومين.. الله يلعن أبو اللي غلاّ العيشة ورخّصت اللي عايشينها.. بصي يا أم هند في مثل عربي لازم أقولهولك.. هو يبان قبيح شوية بس لو فكرتي فيه كويس هتلاقيه يفسر لك كلامي كويس قوي.. المثل بيقول تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.. قارياني يا أم هند ولا لأ".
صمتت أم هند برهة كأنها تقلّب المثل في رأسها، ثم ابتسمت فجأة وقالت كاشفة عن أسنانها المصفرة "طب لو الحرة جالها الخبيث وشالتهم تعمل إيه ساعتها؟"، ثم نظرت إلينا متوقعة أن نضحك لكننا لم نر في كلامها ما يضحك البتة. أشاحت زوجتي بوجهها متألمة بينما صرخت أنا في الولية معدومة الإحساس والفهم: "إنتي هتهزري ياولية إنتي.. بصي إنتي الكلام مش هيجيب نتيجة معاكي.. الحق عليا إني احترمتك.. لو عايزه تسافري براحتك بس مش هيبقى عن طريقي.. يالله قومي شوفي اللي وراكي وما تقلبيش دماغي".
خرجت أم هند من الغرفة مكبوسة وتركتني أنا وزوجتي نصارع مشاعر الندم والأسى، لم نجد ما نقوله لبعضنا، ساد صمت ثقيل قطعناه بقرار الاعتذار للوليّة التي حمّلنا عقلها العشوائي ما لا طاقة له به، والخلاف بيننا كان هل سنناديها أم نذهب إليها، خلاف قطعه دخولها وقد طأطأت رأسها واحولت عيناها أكثر ووضعت يدها على ما يفترض أنه وِسْطها ثم قالت بصوت خفيض لم نعهده منها: "بص يا باشا أنا فكرت في كلامك ولقيت عندك حق.. أنا ما أرضاش لبلدي البهدلة أبدا.. ده مصر دي لو تلزمها عينيا أديها لها"، وقبل أن ننال الفرصة لنشكرها ونطلب منها أن تحتفظ بعينيها لنفسها لأن مصر مش ناقصة، باغتتنا من جديد: "ممكن بقى تشوفوا لي سكة آخد بيها الجنسية الفلبينية".
...
من مجموعتي القصصية (ما فعله العيّان بالميت) الصادرة سنة 2007
#كتبت_في_مثل_هذا_اليوم
عجب بعض الأفاضل من قولي إنه لا مفر من تصفير المشاكل بين الحركة الإسلامية عموما والحكومات العربية لكي تتمكن الحركات الإسلامية من الاستعداد لصد الموجة القادمة التي ستستهدف أراضي المسلمين وعقائدهم وشعائرهم ومقدساتهم ودماءهم وثرواتهم .
وأقول باختصار :
▪︎ تصفير المشاكل تعني الصلح والصلح جائز وفي الحديث الصحيح : (ستصالحون الروم صلحا آمنا)
أما فهم الصلح على أنه مداهنة في الدين أو ركون للظالمين فهذا لا يلزمنا في شيء. وقد شهدت صلحا بين الجماعة الإسلامية في مصر وحسني مبارك كان محوره وقف القتال بينهما ورغم ذلك احتفظنا بمسافة كبيرة بيننا وبين النظام وظل التباين بيننا قائم ومحوره الأساس سياسات النظام المناقضة للشرع.
▪︎ الحركة الإسلامية إذا قدر الله لها أن تدافع عن أوطانها فهي لا تدافع عن بقاء حاكم ما بل هي :
☆ تحمي أرضا لو ذهبت ربما لا تعود كما ذهبت فلسطين والجولان والعراق واليمن بل كما ذهبت إيران نفسها التي كانت دار إسلام قبل أن تقع تحت الحكم الصفوي الذي نقل شعبها بالبطش لدين الرافضة.
☆ وتحمي شعوبا لئلا تساق للمقاصل
☆ وتحمي عقيدة شعوبنا
☆ وتحمي ثروات بلادنا التي يسيل لها لعاب فريقين مقتتلين حولنا
وكل هذه أسباب وجيهة وشرعية توجب القتال على كل مسلم وهو قتال دفع وهو فرض عين كما هو معلوم
فكوننا نسعى عبر الصلح (الجائز) لتمكين قطاع من الأمة للمشاركة في جهاد واجب كهذا فذلك شيء ممدوح. بل ربما كان واجبا لأن ما لا يتم الواحب به فهو واجب فضلا عما فيه من رفع البلاء عن كثيرين من أبناء الحركة الإسلامية المضطهدين .
أما كون بعض الحكام لن يسلك طريق الصلح فهو احتمال متوقع وعندها نقول قد سعينا وحاولنا ولم ننجح ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
والله أعلى وأعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ضريبة التضامن مع #غزة.. الأكاديمية البريطانية من أصل مصري سلمى مشهور تروي في مقابلة خاصة كواليس تعرضها للفصل التعسفي للمرة الثانية خلال عام واحد بسبب مواقفها الداعمة لفلسطين