في بيتِ النَّبيِّ ﷺ ١٢:
رَجُلٌ تستَحِي منه الملائكة!
الحياءُ خُلُقُ القلوبِ الحيّة؛ تستحي لأنَّك تُحبّ، وتخجل لأنَّك تعلمُ أنَّ الله يراك. ليس حياءَ الهروب، بل حياءَ القُرب، حياءَ مَن لا يُحبّ أن يُقابِلَ الن��ّعمةَ بالجفاء، ولا الإحسانَ بالجُرأة على المعصية.
وما أجملَ الحياءَ حين يكونُ ميزانًا للأخلاق؛ يمنعُ اللِّسانَ من الأذى، وال��ينَ من الخيانة، والقلبَ من القسوة. هو الذي يجعلُ الإنسانَ جميلًا حتّى في صمتِه، نقيًّا حتّى في اختيارِه!
روى الشَّيخانِ في صحيحيهما من حديثِ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، قالتْ:
كان رسولُ اللهِ ﷺ مُضطجعًا في بيتي، كاشفًا عن فخذَيْهِ أو ساقَيْهِ، فاستأذن أبو بكرٍ فأذِنَ له وهو على تلك الحال، فتحدَّث.
ثم استأذن عمرُ فأذِنَ له وهو كذلك، فتحدَّث.
ثم استأذن عثمانُ، فجلس رسولُ اللهِ ﷺ وسوّى ثيابَه، فدخل فتحدَّث.
فلما خرج قالتْ عائشةُ: دخل أبو بكرٍ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عمرُ فلم تَهْتَشَّ له ولم تُبالِه، ثم دخل عثمانُ فجلستَ وسوَّي��َ ثيابَك؟
فقالَ: ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ؟
هذا الحديثُ ليس حكايةَ موقفٍ عابر، بل درسُ تربيةٍ عميق، ومنه تُؤخَذُ معانٍ تُهذِّب القلوب قبل السلوك:
أوّلُ م�� نتعلَّمه أنَّ الحياءَ خُلُقٌ يعلو مع علوِّ الإيمان. فالحياءُ ليس طباعًا بشريّةً فحسب، بل منزلةٌ روحيّة، يزداد صفاؤها كلّما ازداد القلبُ قربًا من الله. فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو أكملُ الخلق، يستحي من عثمانَ رضي الله عنه، فكيف بمن دونه أن يستهين بهذا الخلق أو يراه ضعفًا؟
وفيه درسٌ في معرفة مراتب الناس وأقدارهم. لم يكن تعاملُ النبيِّ ﷺ واحدًا مع الجميع، لا تفضيلًا بشريًّا، بل مراعاةً لأحوال القلوب. فمَن عُرِفَ برقّة حيائه، أُكرِمَ بما يحفظ له هذا المقام، ومَن عُرِفَ بسعة صدره، وُسِعَ له في التعامل. وهكذا تُدار العلاقات بالحكمة، لا بالنسخ المتطابق.
ويُ��لِّمنا الحديثُ أنَّ الحياءَ يُحبّه الله وتُجِلّه الملائكة. فإذا كانت الملائكةُ تستحي من عبدٍ، فذلك شرفٌ لا يُنال بكثرة الكلام، ولا بالمظاهر، بل بطهارة الباطن ونقاء السريرة. الحياءُ الحقيقيُّ عبادةٌ صامتة، لا يراها الناس، لكنّها تُرفَع إلى السَّماء.
ثمّ فيه تربيةٌ لنا جميعًا على حفظ الهيبة في الخلوة قبل الجلوة. فالنبيُّ ﷺ لم يكن في حال محرَّم، ومع ذلك غيَّر هيئتَه حياءً، ليعلِّم الأمّة أنَّ اكتمال الأخلاق يكون في أدقّ التفاصيل، وأنَّ المؤمن لا يستخفّ بما قد يجرح شعور غيره، ولو كان مباحًا في الأصل!
أدهم شرقاوي / صحيفة الوطن القطرية
وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضِياءُ !
أعرفُ أنّ النّبوّة الأخيرة لم تكن تليقُ إلا بكَ.. وأنّ إخوتكَ الأنبياء إذ سبقوكَ مجيئاً فقد سبقتهم مقاماً! جئتَ أخيراً لتكونَ أوَّلاً... فالرّسالاتُ لا بُدّ لها من مسكِ ختام، وحين يُراد بالمسكِ أن يكون بشراً، فمن عساه يكون غيرك!
فالسلام عليك أجمل الناس، وأطيب الناس، وأرقّ الناس، وأحنّ الناس، وسيّد الناس!
السلام على آمنة بنت وهب صبيحة الثاني عشر من ربيع الأول تُهدي هذا الكوكب الغارق في الظلمة مصباحه الذي سينيره، لا من بصرى إلى الشام كما رأتْ في منامها، وإنما من المشرق إلى المغرب كما نرى نحن يقظةً!
السلام على عبد المطلب الذي انبرى ليربي اليتيم الذي سيربي لاحقاً آباء هذا الكوكب وأمهاته!
السلام على حليمة السّعدية أخذتكَ كي لا ترجعَ خالية الوفاض، أيّ مالٍ تُصيبه مرضعةٌ من يتيم، فاكتشفتْ لاحقاً أنها كانت الأكثر ثراءً بك! حلّت البركة في ديار بني سعد يوم حللتَ، هكذا أنتَ يتبعُكَ الخيرُ كما يتبعُ النّملُ حبّات السُّكر، يا سُكّر هذا الكون!
السّلام على أبي طالبٍ على فقره يحوطكَ ويرعاكَ ويكفُلكَ، وعلى صغر سنّك لا تقبلُ أن تكون عالة، فتعمل بالرّعي لتعينه، مُذ كنتَ طفلاً وأنتَ سيّد الرّجال!
السّلام على خديجة كهفكَ وقبيلتكَ، وجيشكَ المُدجج بالحُبّ يوم عزَّ الجُنود! تأخُذكَ إلى ص��رها من هول الوحي، تمسحُ على رأسكَ بيدها، وتقول لك بقلبها على هيئة كلمات: لن يخزيكَ الله! كانتْ تعرفُ أي الرّجال أنتَ، وكنتَ تعرفُ أي النساء هي، لهذا لم يكن عجباً أن ت��بحَ شاةً بعد وفاتها بعشرين سنة، ثم تقول: أعطوا منها صويحبات خديجة! أيُّ الأوفياء أنتَ، أيُّ الأوفياء؟!
السلام على ورقة بن نوفل، حَبْرٌ يُحلقُ في غير سربه، إنجيل من غير مسٍّ، وتوراة من غير تحريف! قلبٌ على ملّة أبيك إبراهيم، وعقلٌ كان يعرفُ أن مبعثكَ قد حان، ولما وقعَ عليكَ، قصَّ عليك نبوءةً لن يشهدها: سيخرجكَ قومُكَ! فتسأله بدهشةٍ: أمُخرجِيَّ هُم؟! فيزيلُ عنك دهشتكَ: ما جاء أحدٌ بمثل ما جئتَ به إلا عُودي! وأخرجوك فعلا! ولكن من مشقة الدعوة إلى عِزّ الدّولة! فالسّلام على أبي بكر، صديق العمر، ورفيق الدرب، وشريك الغار في ثاني اثنين الله ثالثهما!
السلام على آل بيتك المخلوقين من طُهر، وعلى أزواجك المطهرات من قذى، وأصحابك المختارين عن اصطفاء!
السلام على الأوس والخزرج سيفكَ وعكازكَ
السلام على بدرٍ وأُحدٍ والخندق وحُنين وخيبر، ومواقع أُخر أخبرتنا فيها أن هذا الدين لم ينتشر بالسيف، ولكنه دون سيف يتطاولُ عليه النّاس!
السلام على الحديبية، الصُّلحُ الذي أنجبَ نصراً وفتحاً، اليومُ تُذلُّ العُزّى، وتُكسرُ هُبل، ويرقى بلالٌ سطحَ الكعبة، يخبرُ الكون كله أن الله أكبر!
السلام عليكَ يوم خُيِّرتَ بين الخُلد في الدنيا ولقيا ربك، فاخترتَ قائلاً: بل الرّفيق الأعلى!
السّلام عليكَ حيًّا فينا لا تموتُ أبداً، نُحبّكَ، ونحبُّ من يُحبّك، والموعد الحوض كما أخبرتنا، وإنّا لنُصدّقكَ!
أدهم شرقاوي / كتاب : وإذا الصحف نُشرت
"ما ربيتني إلا على النّعم
وما عوّدتني إلا على إحسانك
آمنتَ روعاتي، ودبّرتَ حياتي
وأرسلتَ لي خيرًا غزيرًا
لستُ أهلًا له ولكنك أهله
آنستَ وحشتي، وفرّجتَ كربتي
وآويتني، وأسقيتني، وأطعمتني من غيرِ حولٍ مني ولا قوة!
لكَ الحمدُ حتى ترضى" ❤️
"لا شيءَ مضمونٌ في هذه الدنيا
لا وظيفة ولا مال ولا علاقات ولا محبة ولا صحة
كلّ الأشياءِ حرفيًا في يد اللهِ
ويمكنُ أن يتغيَّرَ حالها في أقل من ثانيةٍ أو موقف صغير
مهما اعتقدنا أننا نسيطرُ على الأمور
السيطرة على حياتنا وهم كبير جدًا
لا أحد يعلمُ ما الذي سيحدثُ بعد دقيقةٍ من الآن"
مجازرُ تتوالى؛ الواحدةُ تلو الأخرى؛ أصبح ذبحُ المدنيين من إخواننا روتيناً يومياً هناك.
والله ليسألنَّ الله كلَّ من رَضِيَ وشمتَ؛ ليسألنَّ اللهُ ��ولئك الفَرحين!
لنا في وعدِ الله ثِقةٌ، والله أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً.