حلّ الهدوء حين انطفأت أنوار المكاتب، بعد أن ظلت الموظفة متسمرة أمام ضوء الجهاز المكتبي منذ الصباح. وأثناء اصطياد الأخطاء الهاربة ودفعها في قلب الرسالة الإلكترونية الفارغة والبريئة، شعرت بأنها قادرة على إنجاز تقييم أو اثنين، فكتبت: الزميلة… (ح) تحية طيبة،
أود التنبيه على ضرورة اتباع إجراءات رفع الشكاوى، دون تجاهل ملاحظات العميل، مرفق لك ملاحظة آمل الاطلاع عليها والتنبه إلى عدم تكرار ذلك..
نهاية الرسالة.. كتبت مستعجلة: شاكرة تهاونك.
ثم ضغطت زر الإرسال.. واستدعاها ضميرها المهني، لإلقاء نظرة أخيرة على الرسالة.. فوقعت عينها على جملة (شكرًا لتهاونك) وانتفضت من مكانها.. موقنة أنها كانت تقصد (شكرًا لتعاونك).
ثم فكرت: لو لم تكن هناك أخطاء في العمل.. ما الغرض من وجودها ممثلة لهذه المهمة المزعجة؟ التي تقنعها على الدوام بضرورة تجنب الوقوع في الخطأ دون التسامح معه.. فانهمكت في التفكير، وتحديدًا في فكرة اصطياد الأخطاء؛ حتى دفعت نفسها ناحية طريق جديد تمشي فيه هي والخطأ جنبًا إلى جنب كي تصل إلى الإجابات الصحيحة؛ لأن النظر إلى الخطأ لوحده لا يكفي، إن لم يتبعه توجيه.
من وقتٍ لآخر، كنت أغيّر اللغة من الإنجليزية إلى العربية، وحين أنهض عن الجهاز المكتبي أضطر إلى قفل الشاشة تطبيقًا للقوانين الأمنية وحمايةً للمعلومات. وفي بعض الحالات، أحتاج إلى فتح الجهاز بسرعة للحاق بالمكالمة المعلّقة قبل أن تتحول إلى مفقودة وتخفض النسبة العامة، فأنقر بأصابعي على لوحة المفاتيح بسرعة وأضغط «إدخال»، ليفاجئني ذلك الإشعار البغيض: «كلمة المرور خاطئة». وحين أضغط على علامة المعاينة، أرى حروفًا عربية لا تكوّن جملة مفهومة.
وفي أحيان أخرى، حين أناقش إحدى زميلاتي في أمرٍ ما وأحتاج إلى العودة إلى مكتبي لأعرض عليها ملفًا أو حالةً قيد النقاش، أكتب كلمة المرور وهي لا تزال مشفّرة، وأقول في نفسي: يا رب، تكون باللغة الإنجليزية. فتقول زميلتي قبل أن أعتمدها: «أنتِ تكتبين الآن باللغة العربية!»
كانت تذهلني دقة ملاحظتها، فأنظر إلى الخانة أمامي وأتساءل: كيف استنتجت أن اللغة عربية وهي مشفّرة؟ حتى أصبحت مقتنعة في داخلي بأنني لا أركز بالشكل الكافي.
بعد ذلك، أصبح نظري معلّقًا بخانة كلمة المرور. أراقب المؤشر؛ فإذا كان يسبق كلمة Password وبينهما فراغ، أعرف أن اللغة إنجليزية، وإذا كان ملتصقًا بالحرف الأول منها، أعرف أنها عربية.
ومرت الأيام، حتى جاء يوم الأمس. أثناء عمل أحد الزملاء على جهازي الجديد، قال: «لا توجد لغة عربية، سأضيفها لك». وفي غمضة عين أضافها، فقلت متعجبة: «كيف فعلت ذلك؟» فقال: «على يسار الشاشة، انظري، يظهر حرف «ع»، وهذا يعني أن اللغة العربية هي المفعّلة حاليًا».
تعجبت من نفسي: كيف اخترعت تلك الطريقة كلها دون أن أنظر إلى الحل الذي كان أمامي طوال الوقت؟
وعرفت حينها أنني لم أكن قليلة التركيز كما ظننت، بل كنت شديدة التركيز على مكان المشكلة، إلى درجة أنني لم أنظر إلى أطراف الشاشة؛ حيث كان الحل أمامي طوال الوقت.
أنا وهي لم نتحدث مدة سنتين- ومع ذلك لم أشعر بأني مضطرة في يومٍ من الأيام الى ركوب القطارات لوحدي لأودعها، مع أني قطعت أميالا غيرت من مظهري السابق وطريقة نظرتي للحياة..
لم أنظر لها كمحطة لتكون نقطة التقاء اعود لها فأجدها هناك.. مع أني لا أنكر أن لتأثير وجودها وذكرياتنا معا قوة لأني حين أزور أماكن لقاءاتنا السابقة أراها فيها.. فلا يقهرني غيابها، لأن رائحة وجودها أقوى، ومع ذلك عندما اكتب لها رسالة روتينية وغير متينة مقارنة بقدرها عندي.. تردُ علي بسرعه قبل أن يرتد الي صوتي.. لذا فهمت أنها حتما صديقة.. صديقتي المقربة.
أتعبنا الصد الكاذب.. فبدلا من بناء جدارٍ يعمينا كنا نبني جدرانًا من زجاج تعكس بعض الذي فينا حين نمعن بالنظر، وتكشف لنا ما خلفها دون أن نتورط في خلق أيِّ سبب..
شعرتُ بالأسف الشديد حين عرفتُ أن مساهمتي في مساعدته لم تكن سوى شمعةٍ صغيرة، أضاء بها المكان أثناء الظلام، وفرِح حين تشكّل ذلك الظل الصديق المتضخّم، متحرّكًا مع ك�� ميلانٍ صغير يُحدثه جسده، وبعد مسامرةٍ امتدّت لساعات.. تلاشى والتحم مرةً أخرى بالوحدة المثقلة بالظلام.
لم أقترب منك لتكون بطلي، وإن كنتَ في نظري بطلًا لا يمكنني إنكار هيبة حضوره وبراعته؛ صادقًا مع نفسه.
لم أتمسك بك لتكون نهايتك كتلك الدمى المحشوة التي خزّنتها في خزانة الملابس كي لا تهترئ، أو تفسد، أو تُلقى بواسطة أيادٍ لا تعرف قيمتها في قلبي، في سلال المهملات.
وإن كنتُ أراك بعيني الطفلة في داخلي، فسأتصرف بهذا العقل الناضج الآن، لأراك تبتعد عني، وأحيانًا تتوارى، دون أن أعلق في قلبي فكرة عودتك.
وإن ارتديتُ قلادةً تحمل اسمك، فهي فقط تذكرني بك.
غادرت جسدًا هذه المرة،
بعد أن بدأ غياب ذهنها منذ سبع سنين
ما الذي هزّني؟
رغم أنها لم تعد تظلّلني من احتراقي؟
كانت خيوط ظلّها غصنًا لا يرفض المعانقة،
فلماذا قطعه المرض الآن؟
كيف لي أن أدفنها في التراب.
#الاموات_يفرحون_بالدعاء_لهم
اللهم ارحم جدتي رحمة واسعة، واغفر لها مغفرة شاملة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة
اللهم اجعل ما أصابها كفارة ورفعة في درجاتها، واجعلها من أهل الجنة بلا حساب ولا سابقة عذاب
اللهم آنس وحشتها، وارحم غربتها، وأبدلها دارًا خيرًا من دارها، وأهلًا خيرًا من أهلها.
اللهم اجعل ذكراها في قلوبنا نورا، واربط على قلوبنا بالصبر، واغمرها برحمتك التي وسعت كل شيء.
أثناء نموها الناعم والبطيء، تمايلت بين حبات التراب الصغيرة شوقًا لدفء شعاع الشمس، بامتنانِ المحبوبة المفضّلة.
وفي لحظة ارتفاعها وتجاوزها حدودها بالنمو، اكتشفت أنها جزءٌ صغير من غابةٍ خضراء واسعة ملئية بأشجار تتزين بتيجان النور الذهبيّة
مفتقده للدلال الاستثنائي الأول.
من الذي قال أنَّ الأحلام تُنسى بعد تخطي الصفوف الأولية؟ كلما أمعنتُ النظر في الماضي تكشَّف لي أننا لا ننسى أحلامنا، بل ننسى ذواتنا القديمة ونتمسك بالنسخة الجديدة التائهة بين يدي الحاضر.. مهما عندنا إلى تلك ال��يام سنظل نراها من مسافة.