#سمك_لبن_تمرهندي#معبر_النهاري
استمعتُ للكثير من النصوص خلال الفترة الماضية في مناسبات عدة،
ومن شعراءٍ ومتشاعرين ومتشاعرات،
فما خرجتُ من هذا الهراء العجيب إلا كما يخرج المرء من وليمةٍ شعبية قُدِّم فيها شوربة قوافي فاسدة، وطبق رئيسي من بحورٍ مختلطة، وحلوى من تشبيهاتٍ محترقة.
رأيتُ شاعرًا يصعد المنصة وهو يجر وراءه بيتًا من الطويل مربوطًا ببيتٍ من الرجز،
ثم يضع فوقهما نصفَ بيتٍ من الرمل،
كمن يبني عمارةً على أساسٍ من كرتون!
وأقسم أن الخليل بن أحمد لو بُعث حيًا لفرّ هاربًا وهو يصرخ:
“أيها القوم… هذا ليس عَروضًا، هذا عَرَضٌ مرضي!”.
القافية عند بعضهم أشبه بطفلةٍ ضائعة،
تُركض شمالاً ويمينًا بلا رقيب،
مرةً تنتهي بـ “السين”، وأخرى بـ “الطاء”،
وثالثةً بـ “الموز”!
أما الصور الشعرية، فقد رأيتها تُصفع حتى تحوّلت إلى رسوم كاريكاتير:
شمسٌ تُضحك، قمرٌ يرقص، وبحرٌ يُوزّع بطاقات دعوة للعرس.
المصيبة ليست في النصوص فقط، بل في التصفيق!
الجمهور يصفق بحماس وكأنهم حضروا عرضًا للسيرك،
يضحكون على سقوط القوافي،
ويهتفون للشاعر الذي أعدم الموسيقى أمام أعينهم،
ويظنون أن كل مَن أمسك ورقة صار “المتنبي”.
رحم الله الشعر…
لقد حوّلوه إلى مشروب طاقة رخيص يباع على قارعة الطريق،
يزعم أنه يمنحك أجنحة،
بينما يمنحك في الحقيقة صداعًا نصفيًا.
إنه الموت البطيء للشعر،
ليس موتًا تراجيديًا يليق بعرشه،
بل موتا ساخرًا،
على يد “المتشاعرين”،
الذين يعتقدون أن “الشعير” هو ذاته “الشعر”،
يكتبون بدموع البصل، ويظنونها دموع القصيدة
شكرًا للقائمين على هذا الضجيج
ولكل من صفق لهذه الخلطة
سمك لبن تمرهندي
قال توبة:
عفا الله عنها هل أبيتنَّ ليلةً
من الدهر لا يسري إليَّ خيالُها ..
فقالت ليلى:
وعنهُ عفا ربِّي وأحسنَ حِفظَهُ
عزيزٌ علينا حاجةٌ لا ينالُها ..
وقلتُ:
عفا الله عن ليلى وتوبةَ إنَّما
شِفاءُ نفوسِ العاشقين امْتِثالُها ..
قال الشاعر :
غلامُ وغًى تقحَّمها فأَبْلى .. فخانَ بلاءَهُ دهرٌ خَؤونُ
فكان على الفتى الإِقدامُ فيها .. وليسَ عليه ما جنَتِ المَنُونُ
وقال أبو تمام :
أمر عَلَيهِم أَن تَتِمَّ صُدورُهُ .. ولَيسَ عَلَيهِم أن تَتِمَّ عَواقِبُه
وذكر الصولي أن أبا تمام أخذ المعنى من البيتين السابقين.