القيادة ليست لقباً، إنها تأثير.
هناك فرق جوهري بين القائد والمدير، فرق يتجاوز الأدوار والمسميات ليصل إلى جوهر التعامل الإنساني. المدير ينظر إلى فريقه من خلف مكتبه، يراقب الأداء، يحصي الأخطاء، ويبحث عن الانضباط. بالنسبة له، العمل هو سلسلة من المهام التي يجب إنجازها، والقواعد هي أدواته لضمان الالتزام.
أما القائد، فينظر إلى فريقه كأفراد، كقصص تحمل أحلاماً وتحديات. القائد يرى الإنسان خلف الدور الوظيفي.
القائد يتعاطف، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه يفهم أن القلوب التي تعمل بشغف تقدم أكثر مما تطلبه القوانين. القائد يحتضن المواقف الصعبة، يشارك موظفيه حزنهم قبل فرحهم، ويدرك أن الكلمات اللطيفة في وقتها قد تكون أقوى من أي نظام عقوبات.
القيادة الحقيقية ليست في فرض السلطة، بل في كسب الثقة. القائد يعرف كيف يوازن بين الاحتواء والانضباط، بين التعاطف والمسؤولية. إنه يعلّم فريقه كيف ينمو، لا كيف يخاف.
الفرق بين القائد والمدير ليس في المهام التي يؤديانها، بل في المشاعر التي يبثانها. المدير قد يفرض الطاعة، لكن القائد يُلهم الولاء. تذكر، النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المهام المُنجزة، بل بعدد الأرواح التي ألهمتها.
كان عيدنا في هذا العام العيد الأول لنا دون والدي شفاه الله، والذي لا يزال في المستشفى منذ أشهر.
عزمنا على أن نُحيِي منزله في غيابه، فقرّرنا أن يكون اجتماعنا فيه يوم العيد -أنا وأمي وإخوتي والأحفاد وأبناء الأحفاد- على نهج الأولين الطيبين، لا استراحات ولا شاليهات ولا أيٍّ من تمظهرات العيد العصريّة. «عيد البيت» أَحَنُّ وأشرَح.
فرشنا السجّاد في الفناء في ليلة تتزيّن بالنسيم البارد، وأقمنا احتفالنا في الهواء العليل، وتناولنا العشاء في جلسة أرضيّة بجوار النخلة وشجرة الجهنميّة التي كان يرويها والدي بنفسه، والتقطنا الكثير من الصور الجماعية. سهرنا وتسامرنا، وحرّرنا أصواتنا وضحكاتنا فامتلأ البيت بالحكايات أُنسًا، وتسلّق الفرح النوافذ والجدران.
عاش أبي حياته وهو يذكّرنا بقيمة الأسرة وعزوة الإخوة، وأنَّ لا خير في إنسان لا خير فيه لأهله، وأن الأولى بالمعروف أن يُبذل للأقربين. وأن بيت العائلة ينبغي أن يكون الملاذ الأول لأصحابه. فحفظنا وصاياه في وجوده وفي غيابه.
ليت أبي كان معنا في تلك الليلة، ليطمئن قلبه إلى أنّ كل ما زرعه فينا طيلة تلك السنوات، قد أثمر وأزهر.
أن نتذكر الراحة وسط الضغوطات، والاطمئنان في خضم الخوف.
أن نتوقف قليلًا عن الركض إذا بانت علينا بوادر الإنهاك.
أن نتفكّر ونتمعّن كثيرًا في التفاصيل والمعاني والأشياء، ونختلي بأنفسنا عن الزحام كلما اقتضت الحاجة لذلك.
أتمنى في العام الجديد
أن نحب أنفسنا أكثر مما مضى، لأننا جديرون بالحب.
أن نتقبل الشعور بالحزن والقلق والخوف، لأنها جزء من طبيعتنا البشرية.
أن نسعى لأنفسنا كما نسعى للآخرين، لأننا نستحق.
أن نتطلع للقادم كيفما كان، لأن أقدار الله كلها خير وألطاف.