رحيل بندر العمار
الصحافي الموهوب
«بندر العمار» اسمٌ يعرفه الناس، والمسؤولين، ورؤساء التحرير، والورق، وتعرفه كل حبات الرمال التي عاش حولها وتوفي فيها.
ولد «بندر العمار» في عام 1973 م، وصنع لنفسه اسما ثقيلا في الصحافة السعودية، من خلال عمله بصحف: الوطن، الشرق، مكة، وساهم بشكل مباشر بتطوير الفنون الصحافية على مستوى منطقة حائل، وتميز بجرأته ووطنيته، ومتابعته للقضايا الإنسانية، مع اهتمام كبير بالثقافة والقراءة والشعر.
لم يكن العمار يسعى في يومٍ من الأيام أن يكون الإعلام مطية لأهداف شخصية، لذلك حينما أراد أن يتوارى عن المهنة اختار السلام بدل المقاومة، بعد أن انطفى الشغف وابتعد القارئ.
توفي العمار يوم الأربعاء 17 يونيو 2026.
جاء يطل وغلب الكل
من المنتديات إلى التنقل بين أكبر الصحف السعودية، تعكس مسيرة «بندر العمار» المهنية عصاميته وإصراره وشغفه التلقائي بالإعلام والمتابعة.
بدأ العمار مسيرته في إنشاء منتدى خاص لمحافظته "جبة"، ثم نشط في ملتقيات فضاء حائل، ولم يكن يخطط أن "يحترف" العمل الصحافي.
لكن عام 2007 كان فاصلا في حياته، لأن نشاطه ومتابعته للقضايا أغرى مدير مكتب صحيفة الوطن بحائل "خضير الشريهي" الذي عرض عليه الانضمام للصحيفة، لتبدأ مسيرته الفعلية في بلاط صاحبة الجلالة.
وعلى مستوى منطقة حائل ساهم دخول بندر بتطوير الفنون الصحافية، من خلال تبنيه للقصة الصحافية خصوصا القصص الإنسانية، إلى جانب الصحافة الاستقصائية.
وبعد سنتين فقط من دخوله لعالم الإعلام، حصل على جائزة الصحافي المميز في صحيفة الوطن، ثم انتقل لصحيفة الشرق، وبعدها لصحيفة مكة.
مادته قضيته
لم يكن «بندر العمار» مجرد صحافي يؤدي مهامه بالكتابة والنشر، بل كان يعتبر المادة قضيته الشخصية، لذلك كان لا يكتفي بنشر الموضوع، بل يستمر في متابعتها وتطوراتها.
أنسنة الصحافة
القصة الإنسانية كانت هي الفن الذي استحوذ على نشاط بندر، يساعده في ذلك أسلوبه الروائي والتشويقي الذي أخذه من قريته وحكاياتها.
متابعة نهمة
كان يهوى متابعة الأخبار على كافة الأصعدة، هذا الأمر جعل لدين نظرة شمولية للقصص والمواضيع التي يتناولها، من خلال ربطها بالأحداث، وتوظيفها في السياق المناسب.
معالجة متفردة
موهبة بندر العمار الفطرية، لم تكن تتوقف عند الالتقاطة، لكنها تتعدى لطريقة المعالجة التي كانت دائما بعيدة عن التقليدية.
الغيرة الوطنية
حسه الوطني كان هو السر وراء جرأته في التناول، وهو المحرض المباشر له على طرح المواضيع الحساسة.
نهاية مرحلة الصحافة
متابعة العمار النهمة، جعلت لديه نظرة استباقية، ففي عام 2016 قرر التوقف عن الركض في بلاط صاحبة الجلالة برغبة شخصية منه، لأنه كان مؤمنا أن عصر الصحافة الورقية انتهى، وأن القارئ أشاح النظر عنها، لذلك لا يوجد دافع للاستمرار.
محب ومحبوب
يحمل العمار بين أضلعه قلبا نقيا، وشخصية تلقائية عفوية، لا تحمل الضغينة والكره لأحد، أما كرمه المادي فليس مستغربا من أحد أبناء محافظة جبة - شمال حائل - التي اقتلع أهلها أبواب بيوتهم، لكن كرمه المادي كان مقرونا بكرم معنوي لا حدود له.
وعلى صعيد الأسرة تحمل بندر مسؤوليات جسام يحمله في ذلك بره العظيم بوالدته.
رحم الله الزميل «بندر العمار» وأسكنه الجنة وألهم ذويه الصبر والطمأنينة.
@SalmanAldosary
في الحدود الشمالية، أرض الكرم والتجارة والتاريخ، التقيت سمو أمير المنطقة، ثم اجتمعت بعدد من الزملاء الإعلاميين، من بينهم أبطال برنامج "الإعلامي الصغير".
لقاء يذكرنا أن الإعلام الحقيقي يبدأ من الناس، ويكبر حين يفهم أرضهم وحياتهم🇸🇦
الطيران.. هُويَّة ثقافيَّة إنسانيَّة
منيف الحربي | @munifalharbi
منذ أن بدأ الإنسان يتطلع للسماء متأمِّلاً الطيور، كانت فكرة الطيران أكثرَ من كونها أملاً في التحليق، كانت توقًا للحريَّة والانتقال خارج أسر الجغرافيا.
لم يكن اختراع الطائرة فتحًا تقنيًّا وحسب، بل كان تحوُّلاً ثقافيًّا عميقًا، واختراقًا حقيقيًّا في بنية الوعي الإنساني، إذ غيَّر الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والآخر والعالم.
حمل الطيران، منذ ولادته في بدايات القرن العشرين، معانيَ تجاوزت الجوانب الميكانيكيَّة، وأعاد تشكيل الخيال البشري ومفاهيم الحدود والأزمنة والأفكار. الطائرة أضحت سفيرةً لقِيم التحديث والانفتاح، ومحققةً لأحلام الإنسان في تحدي المستحيل.
في السابق كانت الثقافات تتشكَّل في عزلةٍ نسبيَّةٍ تحتاج إلى قرونٍ لتلتقي أو تتأثر ببعضها، أمَّا بعد الطيران فقد اختُصرت المسافات والأزمنة، بقيت البشريَّة مع كلِّ حركةِ إقلاعٍ وهبوطٍ تتقدَّم خطوةً نحو كسر العزلة وتكريس مفاهيم جديدة للمكان والزمان.
جاء الطيران مشروعًا ثقافيًّا بامتياز، فالمدن التي بنَت المطارات الدوليَّة الأولى تغيَّر فيها تدريجيًّا نسيج المجتمع، وتبدَّلت فيها صيغة العلاقة بين المواطن والعالم الخارجي، وأدَّى التداخل الثقافي وتمازج اللغات والعادات إلى تحديث الهُويَّات في خلطةٍ جديدة لم تكن ممكنة لولا الطيران الذي أعاد هندسة الوعي الجمعي للبشريَّة، وزرع فكرة أنَّ العالم ليس كما ترسمه الحدود، بل كما تراه من النافذة فوق الغيوم صغيرًا متشابهًا.
لقد أسهم الطيران في تغييراتٍ اجتماعيَّةٍ هائلة، فالآخر لم يَعُد الغريبَ المُتَخيَّل، بل أصبح القريبَ المرئي.
إنَّ جزءًا من القيم المهمَّة، مثل التسامح، وقبول التنوُّع، والتلاقح الثقافي، امتدَّت جذورها من هذه القفزة الجويَّة بين قارات الأرض.
كانت حياة الناس في المدن الساحليَّة ذات الموانئ تتميَّز بانفتاحها واندماج أهلها مع الغرباء، نظرًا لتكرار قدوم المسافرين والتجار عبر البحر، حيث أصبح وجودهم جزءًا من المشهد لا يدعو للتوجُّس، ثم عمَّم الطيران هذا النمط من التعايش الإنساني على نطاق أوسع، فجعل المدن الداخليَّة والقرى على سفوح الجبال مساحاتٍ جديدةً للانفتاح، أصبح الغريب سائحًا وزميلَ عملٍ وجارَ مسكن. لقد أسهم الطيران في فتوحاتٍ ثقافيَّةٍ أثْرت قاموس العقل الجماعي الحديث، وعزَّزت قبول الآخر.
الأثر الثقافي والاجتماعي للطيران امتدَّ للاقتصاد أيضًا، فالتحوُّلات الكبرى في أسواق العالم، والتجارة الدوليَّة، والآفاق غير المسبوقة للسياحة والاستثمار، والمؤتمرات العالميَّة والمعارض الدوليَّة، كلُّها أسهم في نموِّها الطيرانُ الذي أضحى بنيةً تحتيَّةً للثقافة البشرية، ومحركًا رئيسًا للتطوُّر. صحيح، ربَّما يكون للطيران وجهٌ عسكريٌّ قاتمٌ في بعض الأوقات، لكن في المقابل له وجوه جميلة لا تُحصى، وإشراقات مضيئة في طريق الحضارة ومدِّ جسور التواصل بين أطراف الكوكب.
إنَّ الطيران اختصارٌ لتاريخ الإنسان وبحثه عن أحلامه الكبرى: الحرية، والانطلاق، والفكرة المدهشة "أن يضع الكرة الأرضيَّة في جيبه الصغير وهو يبتسم فوق السحاب".
غيَّر الطيران علاقة الإنسان بالزمن، لم يَعُد الوقت مرتبطًا بالشروق والغروب، بل تمدَّد مع أرقام البوابات وجداول الرحلات، أصبح للمسافات قياسات سائلة، فأنت قد تستيقظ في الرياض صباحًا وتتناول غداءك في لندن، ثم تزور في المساء معرضًا بباريس، هذه الكبسولة الزمنيَّة همَّشت المسافات، وجعلت الإنسان أكثرَ إدراكًا للفضاءات التي يعيش بها، وأقلَّ انحيازًا لدوائره الصغرى، حتى اللغة تغيَّرت، فمطار ورحلة وإقلاع وغيرها كثير، صارت جزءًا من الوعي اليومي للبشر، وتسللت إلى آدابهم وفنونهم، فأصبح الطيران استعارةً للحياة ذاتها بين قدوم ورحيل.
الطيران جعل العالم أكثرَ التئامًا، مع أنَّه سبَّب لنا شتاتًا طوعيًّا ننغمس فيه بنشوةٍ ونحن مطمئنون بأنَّ الرجوع دائمًا ممكن، وأنَّ السماء ستظلُّ تحمل العائدين.