قال الشافعي -رحمه الله-:
"وقد أثنى الله، تبارك وتعالى، على أصحاب رسول الله ﷺ، في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ، من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنَّاهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدِّيقين والشهداء والصالحين، هم أدَّوْا إلينا سنن رسول الله ﷺ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول اللهﷺ، عامًّا وخاصًّا، وعَزْماً وإرشاداً، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وًورع، وعقل"
"يا باغى الإحسان يطلب ربه * ليفوز منه بغاية الآمال
انظر إلى هدي الصحابة والذي * كانوا عليه في الزمان الخالي
واسلك طريق القوم أين تيمّموا * خذ يَمنة ما الدرب ذات شمال
تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى * سبل الهدى في القول والأفعال
درجوا على نهج الرسول وهديه * وبه اقتدوا في سائر الأحوال
نِعم الرفيق لطالب يبغى الهدى * فمآله في الحشر خير مآل
القانتين المخبتين لربهم * الناطقين بأصدق الأقوال
التاركين لكل فعل سيء * والعاملين بأحسن الأعمال
عملوا بما علموا ولم يتكلفوا * فلذاك ما شابوا الهدى بضلال
فهم الأدلة للحيارى مَن يَسر * بهداهم لم يخش من إضلال
وهم النجوم هداية وإضاءة * وعلو منزلة وبعد منال
يمشون بين الناس هوناً * نطقهم بالحق لا بجهالة الجهال
يحيون ليلهم بطاعة ربهم * بتلاوة وتضرع وسؤال
وعيونهم تجرى بفيض دموعهم * مثل انهمال الوابل الهطال
في الليل رهبان وعند جهادهم * لعدوهم من أشجع الأبطال
وإذا بدا عَلم الرّهان رأيتهم * يتسابقون بصالح الأعمال
بوجوههم أثر السجود لربهم * وبها أشعة نوره المتلالي"
#قصيدة_ابن_القيم
#الصحابة
ولا يعني هذا استمراء المعاصي واعتيادها في الخفاء، لكنّ الإنسان بطبعه ضعيف يزِلّ، والمؤمن كلما عصى تاب إلى الله تعالى واستغفره، ولا يزال هذا شأنه مهما عاد إلى المعصية عاد إلى التوبة.
(المجاهرة بالمعاصي خوفاً من النفاق)
هذه الشبهة انتشرت كثيرا في زماننا، فتدخل الفتاة إلى مجلس نساء محافظات بلباس عاري، ويدخّن الشاب أمام الناس، وتجتمع الأسرة لمشاهدة فيلم فيه من المحرمات ما فيه.
وربما لو تحدثتَ إلى أحدهم ونصحته لقالوا ابتلينا بهذا، ولو أظهرنا خلافه لصرنا منافقين.
وهذا من تلبيس إبليس، واستدراجه لنشر المحرمات وإشاعتها، وليزيد عبء آثار المعاصي على بني آدم، بما يحصل من اعتياد الناس لها، وتركهم إنكارها، والاقتداء بهم في فعلها.
قال تعالى: (ونكتبُ ما قدّموا وآثارهم).
وقد أمر الشارع بالستر على عباد الله، أفليست نفسك أولى أن تسترها؟
وحذّر النبي ﷺ من المجاهرة بالمعاصي فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ: "كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلا المجاهرين ، و إنَّ من الجِهارِ أن يعملَ الرجلُ بالليلِ عملًا ثم يُصبِحُ و قد ستره اللهُ تعالى فيقولُ : عملتُ البارحةَ كذا و كذا ، و قد بات يسترُه ربُّه ، و يُصبِحُ يكشفُ سِترَ اللهِ عنه".
والعافية هنا نوعان: عافية في الدنيا من كلام الناس وذمّهم وأذاهم، وعافية في الدين بأن يُرجى له أن يتوب فيقبل الله توبته ويمحو عنه سيئته ويعافيه من هذا البلاء.
والمجاهرة تكون بفعل الأمر المحرم أمام الناس عمداً، وتكون أيضا بفعله في الخفاء ثم التحدث به وإظهاره، كما في نص الحديث.
والأدب والحياء خلقان جميلان، وهناك من لا يعلم الناس أنه يدخن لشدة استخفائه، ورأيت من ابتليت ببعض اللباس المحرم فإذا حضرت بعض المجالس التي تعلم أن فيها امرأة تكره ذلك تسترت، وهذا من الأدب.
رغم أنه أعلمه إلاّ أنه لم يصبر..
(قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِیعَ مَعِیَ صَبۡرࣰا)؟!
(قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِی بِمَا نَسِیتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِی مِنۡ أَمۡرِی عُسۡرࣰا).
لا نعلم، وكم ننسى، وتأتي سورة الكهف لتذكّرنا كل أسبوع، ثم ننسى..
هذه السورة العظيمة تعلمنا ربوبية الله وملكه وحكمته وقضائه وقدره.
وأنّ أعظم ما تحتاجه في هذه الحياة هو الصبر، بل أمَرَك أن يكون صبرك جميلا،
فلا تسخط ولا تجزع ولا تتذمر ولا تشتكي ولا تلُم، وأحسن ظنك بربك.
(الكهف) سورة القضاء والقدر، فيها التسليم لعلم الله تعالى وحكمته، وفيها بذل السبب من اعتزال الفتنة في شأن الفتية، والسعي في الأرض في شأن ذي القرنين (فَأَتۡبَعَ سَبَبًا).
ثم يقول الله في ختامها بعد أن قصّ عليك أعاجيب قدَره:
(قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادࣰا لِّكَلِمَـٰتِ رَبِّی لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَـٰتُ رَبِّی وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدࣰا).
إنّها كلماته سبحانه وما الخلق إلا عبيدٌ له، يأتمرون بأمره قدَراً وشَرعاً.
وكما يستدل بربوبيته سبحانه على ألوهيته؛
فيستدل بقضائه وقدره، على ألوهيته سبحانه فقال في ختام السورة:
(قُلۡ إِنَّمَاۤ أَنَا۠ بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡ یُوحَىٰۤ إِلَیَّ أَنَّمَاۤ إِلَـٰهُكُمۡ إِلَـٰهࣱ وَ ٰحِدࣱۖ فَمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ رَبِّهِۦ فَلۡیَعۡمَلۡ عَمَلࣰا صَـٰلِحࣰا وَلَا یُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦۤ أَحَدَۢا).
لذلك كان الإيمان بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان التي ضلّ فيها أقوام وزلّوا.
فتدبرها كلّ أسبوع ليطمئن قلبك بالإيمان.
#سورة_الكهف
#القضاء_والقدر
تتجلّى مظاهر العبودية في الحجّ، بالاستسلام لله تعالى والانقياد له بالطاعة، كما أسلم إبراهيم -عليه السلام لربه- في عدة بلاءات حتى قال الله تعالى في مدحه: (وَإِبۡرَ ٰهِیمَ ٱلَّذِی وَفَّىٰۤ).
وأسلمت هاجر وابنه إسماعيل -عليهم السلام-؛ ومن عظيم الاستسلام يوم قال لابنه: (إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ)
فيجيب والده طاعة لله فيما ظاهره الهلاك:
( قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ)
بعكس ما ابتُلي به نبي الله نوح - عليه السلام- حين يدعو ابنه للنجاة فيقول:
(یَـٰبُنَیَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ)،
فيخالف أمر الله، ويعصي والده فيما ظاهره النّجاة: (قَالَ سَـَٔاوِیۤ إِلَىٰ جَبَلࣲ یَعۡصِمُنِی مِنَ ٱلۡمَاۤءِۚ)،
فنجا الأول: (وَفَدَیۡنَـٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ)،
وهلك الثاني: (وَحَالَ بَیۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِینَ)،
وقال تعالى: (قَالَ یَـٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَیۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَیۡرُ صَـٰلِحࣲۖ).
اللهم إنا نسألك العفو والعافية وحسن الاستسلام لك، فخذ بنواصينا للبرّ والتقوى، ومن العمل ماترضى.
🍃في الصحيحين أنّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يقولُ في دعائه: (اللَّهمَّ لكَ أسلَمتُ، وبكَ آمَنتُ، وعليكَ تَوكَّلتُ، وإليكَ أنَبتُ، وبكَ خاصَمتُ، اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بعِزَّتِكَ -لا إلَهَ إلَّا أنتَ- أن تُضِلَّني، أنتَ الحَيُّ الذي لا يَموتُ، والجِنُّ والإنسُ يَموتونَ).
(وَسَارِعُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ (133))
يأمر الله تعالى بالمسارعة إلى كلّ مغفرة منه سبحانه.
وطريقها التوبة من صغير الذنوب وكبيرها، والتوبة من الغفلة والتقصير؛ بالاستغفار، والأعمال الصالحات التي تمحو السيئات.
والمسارعة إلى جنة عظيمة الخلق واسعة الأرجاء.
ثمّ يذكر الله تعالى صفات المسارعين المتقين الذين أُعدّت لهم هذه الجنّة وهي:
- الإنفاق في السرّاء والضرّاء.
- كظم الغيظ.
- العفو عن الناس، وقد يحسنون لمن أساء إليهم، ومن باب أولى إحسانهم لمن لم يُسئ إليهم، والله يحبّ المحسنين.
- وإذا فعلوا فاحشة من كبائر الذنوب أو ظلموا أنفسهم بذنب صغير، ذكروا الله وعِلمَه بهم واطّلاعه عليهم وثوابه وعقابه، فاستغفروا لذنوبهم ولم يصرّوا على الذنب.
ثمّ يذكر الله تعالى جزاءهم الموفور، ويثني على هذا الجزاء الذي عملوا لأجله فنالوه.
يستغيث ربّه في كلّ أحواله، ثمّ إذا كشف الله كربه نسي فضل الله عليه، وأسرف على نفسه ولم يحفظ الفضل بالشكر واتباع الأوامر واجتناب النواهي.
وهذا التزيين والصرف مِن النفس ومن الشيطان، لذلك يحتاج الإنسان لأن يستمر في دعائه بأن يُوفّق للشكر وحُسن العمل.
وكم احتاج الإنسان لربه فدعا حيث لم تخلُ أيام من هذه الحاجة وهذا الدعاء، فهل يذكر كلّ ما فرّج الله عنه؟ كيف وهو الناسي حالة اضطراره؟
والأدهى أن ينسب تلك النّعمة والعافية إليه، قال تعالى: (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِى فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[الزمر:٤٩].
(اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)
اختصارٌ لحياتين
ومآلين
مع سبب أحدهما، ويدلّ مفهوم المخالفة على الآخر
وإجابةٌ على شُبهةٍ بكلمةٍ، وجملة توكيدٍ تُفيد فيضاً من المعاني.
"بلى
سيرجع
ويجازيه على كلّ شيء
إنّ ربه كان به بصيرا"
ثمّ يُقسم على ما سبق، فوالله لتتبدلنّ الأحوال
ويسعد مَن شقي لله، ويتعس ذلك العاصي.
ولا يخلو مِن صَبر النّفس على المكاره؛
قال الله تعالى بعد ذلك: (وَجَزاهم بِما صَبروا جَنّةً وحريرا(١٢)).
ثمّ يشرعُ في بيان النّعيم المُقيم إلى قوله: (إنّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا(٢٢)).
قال الشافعي: (وددتُ أنّ الناس تعلّموا هذا العلم ولا يُنسب إليّ شيء منه أبدًا؛ فأوجر عليه ولا يحمدوني).
عجبي كيف يصل بَشر إلى هذه الدرجة من الإخلاص.
#الإخلاص
إنّه الحُبّ والرّجاء، والخوف
فتكتفي بعلم محبوبك، وترجو عظيم جزائه، والخوف يجعلك تفتدي بكلّ شيء.
قال الله تعالى عن الأبرار: (إنّا نخافُ من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً)
بعد قوله:(ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً (٨) إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا)
(كي نسبحك كثيرا( 33) ونذكرك كثيرا)
تعليل الطلب في الدعاء، تكرر في أدعية الأنبياء.
وهذا من أدب الدعاء؛ وهو مِن آداب الطلب عند الناس.
أمّا البلاغة في هذه الآيات فقد بلغت منتهاها.
فسؤالٌ وتعليلٌ وتمجيد وإجابة وامتنان وقدَرٌ ولطفٌ وحكمةٌ وتوجيه وتأديب وتطمين..
كتابٌ صغير الحجم، عظيم النّفع، فيه عرضٌ لسنن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم من استيقاظه إلى منامه؛ يصلح للتوزيع؛ وللعرض في المجالس؛ أرى أن يوضع بجوار حصن المسلم، لكبير فائدته، حيث سهّل للناس الاقتداء بنبيهم ﷺ وذكّرهم بالسُنّة.
عن أسامة بن زيد: (كنت رديف النبي ﷺ بعرفات، فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى)
"فيه مشروعية رفع اليدين عند الدعاء في عرفة، فأبقى ﷺ إحدى يديه مرفوعة واستخدم اليد الأخرى للحاجة،
وفي رفع اليدين تذلل وإظهار فقر، وفي الحديث:👇