“مسرحيو الباحة بلا مسرح” ليست مجرد عبارة، بل حالة ثقافية تستدعي التوقف. إنها دعوة لإعادة النظر، ولإدراك أن الفن حين يُهمَّش، فإن المجتمع كله يخسر. فالمسرح ليس خشبةً فقط، بل هو صوت الإنسان حين يبحث عن ذاته…
الإنسان أصل التكليف،
وليس تابعًا للأدوات..
( ١ )
إنها مدرسة الإنسان..
حين يكون الصوت ميقاتًا، وتكون العين ميزانًا..
عندما جاءت الصلاة، لم يُستورد للنداء إليها ناقوسٌ من كنائس الروم، ولا بوقٌ من معابد اليهود، ولا طبل من طبول الوثنيين، بل ارتفع الأذان من قلب المدينة بصوت إنسان!
( ١٠ )
وفي هذا الاجتماع معنى، وفي هذا الاختلاف رحمة، وفي هذا الاجتهاد حياة.
مدرسة الإسلام لا تُقدِّس المادة،
ولا تُشيِّئ الإنسان ،بل تعيد له مكانه: شاهدًا، وصوتًا، وعينًا ترى الهلال، ثم تقول للناس: " صوموا " ..
وما أجمل أن يبدأ رمضان بصوت
إنسان، ويُثبت بهلالٍ رآه إنسان..
( ٩ )
كذلك لم يكن الحساب الفلكي هو الذي يُنشئ الشهر تعبّدًا، بل رؤية من إنسانٍ، يشهد بما رأى، ويصوم الناس على شهادته.
إنها فلسفة عميقة:
العبادة ليست انضباطًا كونيًا فحسب،
بل توازنٌ بين نظام الكون ونبض الإنسان..
الناس يتراءون الهلال، تختلف أعينهم، يتجادلون، يخطئون، ثم يجتمعون
( ٨ )
ليس المقصود إقصاء الفلك،
ولا إنكار دقته، بل فهم موقعه،
من سنن الله والشريعة ..
هو مُعين، لا مُؤسِّس،
هو شاهد، لا صاحب قرار تعبُّدي.
فكما لم يكن "الناقوس" معيار الوقت للصلاة في الإسلام، بل كان الأذان هو النداء من إنسانٍ لإنسان ،
( ٧ )
فالإنسان قد يُخطئ في رؤية الهلال، لكن خطأه داخل دائرة الاجتهاد، داخل أفق التكليف، داخل حدود :
" فاتقوا الله ما استطعتم" ..
أما أن يُلغى حضوره لأن الحساب أدقّ، فذلك نقلٌ لمركز الثقل من القلب إلى المرصد ، ومن الشهادة إلى الشاشة ..
( ٦ )
وحين قبل ﷺ شهادة الأعرابي في رؤية الهلال، كان يعلن أن التكليف مبني على الإدراك البشري الممكن، لا على الكمال الرياضي " المعصوم".!
في هذه المدرسة الفقهية الإنسانية، الخطأ وارد، لكنه خطأ بشري شريف، لا عبودية عمياء لآلة..!
( ٥ )
النجوم تجري بقوانين، والشمس والقمر بحسبان.. نعم، لكن الشريعة تُخاطِب الضمير الحيً، والإسلام لا يعادي العلم، لكنه لا يُسلِّمه وحده مفاتيح المعنى!
حين صار الأذان صوتَ إنسان، كانت الدلالة تقول: إن العلاقة بالله تمرّ عبر الكائن المكلَّف، وعبر الروح، لا عبر المعدن، ولا المادة
( ٤ )
...أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ »
فلما قال نعم، قُبلت شهادته،
وأُعلن الصيام.
المشهد ليس سذاجة أمام الفلك، ولا تجاهلًا للكون، بل ترتيبٌ للمكانة:
الفلك يُحسَب، لكن الإنسان يُؤتَمَن...
( ٣ )
هذه الروح نفسها تتجلّى في قصة هلال رمضان كل عام..
فمنذ جاء الأعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال.
لم يسأَل عن معادلاته، ولا عن أدواته، ولا عن رصده العددي أو الفلكي، ولكن سأله سؤالًا واحدًا يردّ الأمر إلى مركزه الأخلاقي:
«أتشهد أن لا إله إلا الله ؟
( ٢ )
قال النبي ﷺ، لأصحابه: «إنها لرؤيا حق»، وأمر بلالًا أن يرفع الأذان. لم يكن الأذان آلة ولا أداة، بل شهادة حيّة، يخرج بها الإنسان من صمته ليقول: الله أكبر.
الصوت للإنسان، والكلمة للإنسان، والوقت يُعلنه الإنسان..!