الموت تجربة غريبة لا يمكن للعقل البشري استيعابها
لأنه وبكل بساطة شئ لم يحدث من قبل للشخص الحي، ولا يوجد شخص توفى وعاد ليحكي لنا ماحدث، حتى في أحلامك حين تأتي لحظة الوفاة في الحلم مثل السقوط من مكان مرتفع أو الاصطدام بسيارة مسرعة
واللهِ ما كنتُ أُحبُّ أن أراكَ في هذا الموقف يا شيخ!
كان يكفيكَ أن ترضى بالقُعود عن النُّصرة في أشرف المعارك، فلمَ جمعتَ على القُعود التَّخذيل؟!
وكان يكفيكَ أن تختارَ خصماً لا تُعيَّرُ بخصومته، فلِمَ عمدتَ إلى أهلِ الثُّغور، فكيفَ بكَ إذا كان يوم القيامة، ووقفتَ وإيَّاهم بين يدي الله، هم بدمائهم وأشلائهم، وأنتَ بلسانكَ وكلامكَ!
وكان بالإمكان أن يسعكَ الصمتُ كما وسعكَ في منكراتٍ وانحرافاتٍ كثيرة رأيتها وسكتَّ عنها!
هل أنكرتَ على مُطبِّعٍ تطبيعه، أما حرَّكَ فيكَ شيءٌ وأنتَ ترى الأيدي الملطخة بدماء دينك تُصافَحُ؟!
هل أنكرتَ حين كان يُستضافُ الأسدُ في القمم وهو الآتي من دمشق حاملاً في رقبته دماء نصف مليون مسلم؟!
هل أنكرتَ برقيات العزاء التي أرسلتها كل حكوماتنا بلا استثناء في فقد الرَّئيس الإيرانيِّ؟!
لم تُنكرْ لأنَّ بعض الإنكار مكلف!
واللهِ ما كنتُ أُحبُّ أن أراكَ أنتَ وإيدي كوهين فينا على صعيدٍ واحد!
غفرَ اللهُ لكَ!
رمضان يحلُّ على غزة، وما بقي فيها بيتٌ لم يُهدم، ولا قلبٌ لم يكسره الحصار، ولا روحٌ إلا وقد جاهدت الموتَ جهاد الأبطال، ومع ذلك تراهم يستقبلونه كما تستقبل الأرضُ المطر، فيعلقون الزينة على أشباه البيوت، وينيرون الشوارع من وهج قلوبهم، ويعدّون ما تيسّر من طعامٍ لا ليملأ البطون، بل ليملأ النفوس برحمة التكافل، فقد علموا أن رمضان لا يُقام بالمآكل، ولكن بما يطعمُ القلبَ من صبرٍ واحتساب.
ما أعجبَ هذا الشهرَ! يجيءُ كلَّ عامٍ بأمرٍ جديد، فهو في السلم طمأنينةُ القلوب، وفي الحرب صلابةُ النفوس، وفي غزة هو الصيامُ والجهادُ معًا، فإذا كان لغيرهم شهرَ العبادة، فهو لهم شهرُ العبادة والصبرِ والثبات، شهرُ القيامِ على أنقاض المساجد، والصلاةِ في ميادين القتال، والجهادِ تحت سماءٍ لم تُبقِ لهم من الأمنِ إلا ما أوعزته القلوبُ إلى ربّها في سجودٍ طويل.
رمضانُ هو امتحانُ الروح، فمن لم يفقَه حكمتَه في السلمِ لم يفهم معناه في البلاء، ومن لم يزدد فيه إيمانًا في الرخاء، فلن يدرك كيف يكون سندًا في الشدة.
أهل غزة اليوم يُعيدون للناس معنى هذا الشهر، إذ لم ينسوا حقَّه وهم في الجراح، ولن يغفلوا عن قيامه وهم في الهدم، ولن يتركوا صيامه وهم في الجهاد، فإذا سألتَ عن رمضان، فلا تسأل عنه في القصورِ العامرة، ولكن ابحث عنه حيث السقفُ هو السماء، والفرشُ هو التراب، والبيت هو الخيمة، والأنينُ هو التهجد، والمقاومةُ هي الصلاة، فهناك تجد رمضان في صورته التي أرادها الله.
كان النبيﷺ يعلم أنه أعظم مخلوق خلقه الله، وانه سيدخل الجنة، وانه سيد ولد آدم وإمام كل الانبياء، ومع ذلك كان يغضب من اصحابه اذا كانوا جالسين وقاموا عند رؤيته، وكان يغضب اذا ناداه احد بسيدنا، واذا جلس مع اصحابه يأتي الغريب ولا يعرفه من بينهم.
أفلا تصلون على النبي الامين المتواضع.