اللهٌم كما أفسدوا علينا عبادتنا في شهرك الفضيل فأفسد عليهم معيشتهم
اللهٌم كما حرمونا السكينة والطمأنينة في رمضان حرم عليهم طعم الراحة واحرمهم هدوء البال
اللهٌم يا قوي يا عزيز يا من بيده ملكوت كل شيء
د. الغذامي: اللابس المتلبس – أبا المسك المتنبي، لا أبا الطيب!
هذه المقالة هي الرابعة في سلسلة القراءة النقدية لكتاب "اللابس المتلبس" للدكتور عبد الله الغذامي – حفظه الله – وهي امتداد لما سبق تثبيته من إشكالات منهجية تتعلق بطريقة اشتغال الكتاب على النص الشعري، وحدود الانتقال من القراءة إلى التأويل، ومن التحليل إلى الحكم، فإذا كانت المقالات السابقة قد انشغلت بالبنية العامة للمشروع فإن هذه المقالة تتقدم خطوة أبعد لتشتبك مباشرة مع التوريقات السابعة إلى العاشرة بوصفها نصوصًا قائمة بذاتها، لا مجرد شواهد ضمن سياق أكبر.
تنطلق هذه القراءة من وضع القارئ أولًا داخل نصوص التوريقات نفسها – بلغتها ومنطقها واستدلالها – ثم تمضي إلى محاسبتها محاسبة علمية تختبر تماسكها الداخلي ولزوم نتائجها عن مقدماتها وحدود ما تحتمله من تعميم وتمثيل.
ثم ماذا؟
ثم يقول الدكتور في التوريقة السابعة التي تُوّجت بـ" المتنبي (وهل هو نحن بصيغة مواربة)" ما يلي: "هل ينوب المتنبي عنا في التعبير عن تعالينا الذي نحاول مواربته فيتولى أبو الطيب إعلانه دون مواربة، وتشهد على ذلك استشهاداتنا بشعره النسقي وتبريرنا له، وها هو المتنبي يقول:
أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الله وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
ويُروى أنه قالها في صغره وقبل أن يعلو شأنه، وربما تُساورنا شكوكٌ في صحة هذه الرواية، ومهما كان عمره حينها أو صحتها فإن هذه الأبيات تترجم نسقية المتنبي وتكشفها؛ فالمتنبي مغروس في معادلة الأنا والآخر، حيث لا تستقيم حال الذات عنده إلا بمحو الآخر"، ثم يورد بيت المتنبي:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من سارت به قدمُ
ويقول: "وهذه حالة شعورية تجعل الذات مطلقةً ومتعاليةً وتجبر غيرها ليشهدوا أنهم أقل منها" ثم يقول: "ورغم ضعفه البيّن الذي تكشفه قصيدة (واحر قلباه)، واستجدائه البيّن في خطابه لكافور (أبا المسك) إلا أنه يعود ليعالج مَسكنته بسلاح النسق الفتاك (فليت دونك بيداً دونها بيدُ) أو أبياته القبيحة عن كافور (لا تشتري العبد.. إلخ) في تحول من مخاطبته بأبي المسك إلى رسمه في هيئة شخصية ممسوخة لا تستحق حتى أن تباع في سوق النخاسة".
ثم يتساءل: " والسؤال الحادُّ أمامنا هو: لماذا بعجبنا المتنبي...؟ هل لأنه يعبر عن نسقيتنا وتعالينا على الآخرين... أي أنه يمثل الشر الذي فينا ونظل نحاول تغطيته... أم أن شعرية المتنبي وجمالياته هي شفيعته عندنا لنغفر له زلاته...!!".
هذا النص إذا قُرئ قراءة تداولية يكشف منذ سطره الأول أن السؤال يُطرح بوصفه آلية توجيه؛ بمعنى أن الاستفهام هنا يحمّل القارئ افتراضًا مسبقًا مفاده أن هناك "تعاليًا" جمعيًا وأن الشاعر ينوب عنا في إعلانه وأن إعجابنا به علامة تواطؤ لا فعل تلقي، الاشكال هنا في بنية السؤال ذاته؛ إذ يُنقل العبء التأويلي من النص إلى القارئ، فتؤدي صياغة السؤال إلى دفع القارئ بما لم يُبرهن عليه بعد، أي أن السؤال نفسه مارس فعلًا تأويليًا مسبقًا ووجّه القارئ نفسيًا ومنهجيًا قبل أن يبدأ التحليل أصلًا.
ثم ينتقل الخطاب انتقالًا غير مُعلن من توصيف لغوي لشعر الفخر إلى توصيف نفسي أخلاقي للذات الشاعرة، ثم إلى تعميم ثقافي على "نحن" من غير التأكد من أن هذا الانتقال مقبول أو مبرر؛ فهو يفترض أن شعر الفخر إفصاحٌ نفسي مباشر وليس خطابًا نوعيًا له شروطه البلاغية والتاريخية، وكأن اللغة الشعرية تُلغى كصناعة وتُستبدل بوظيفة الاعتراف، وحتى القراءة النسقية – مهما اتسعت – تحتاج حدًّا أدنى من ضبط وظائف القول داخل نوعه، وإلا تحوّل النسق من أداة كشف إلى حكمٍ "عُلوي" يُسقط على النص. هنا – نصانيًا – يُنتزع البيت من سياقه الشعري الذي قيل فيه ويُعاد تأويله ضمن إطار أخلاقي عام، ثم يُطلب من القارئ أن يرى نفسه في هذا الإطار، وبهذا ينتقل النقد من تحليل النص إلى جعله ممثلًا لـ"الذات الجمعية" فهو لا يقوم على بناءٍ حجاجي متدرج بقدر ما يعتمد على جاذبية السرد وقوة الفكرة، فتأتي النتيجة أوسع مما تحتمله المقدمات المنصوص عليها.
ثم ماذا؟
ثم في التوريقة الثامنة "من فاتك الأسدي إلى فاتك التنمري" يكتب الغذامي: "لاحق فاتك الأسدي أبا الطيب المتنبي ليقتله... وهذه خاطرة جاءتني حين استمعت للفيديو الذي ظهر فيه الشاعر حيدر العبد الله... ووجوه التماثل ما بين حال المتنبي وحال حيدر العبد الله أن كليهما ضحايا لشعرهما (صوتهما) والتربص بهما صدر عن صيت وصوت كليهما، واختلفت حال حيدر، لأنه ظل مسيطراً على مجريات المعركة... غير أن حيدر العبد الله لم يسلم من غضب الجماهير التي استحلت أعراض القصائد ونسيت الشعرية...".
اللافت هنا أنه يصرّح منذ البداية بأنها "خاطرة" لكن هذه الخاطرة تُستثمر لاحقًا كـ"حجة ثقافية"؛ فالقياس الذي بناه بين مقتل المتنبي وتجربة الشاعر المعاصر حيدر العبدالله مع التنمر قائم على تماثل "سردي عاطفي" وليس تماثل نصي ولا تاريخي ولا بنيوي...
ما الذي يتيح وضع هاتين الحالتين في إطار واحد؟
وأيُّ تقاطعٍ فعلي في البنية أو السياق يسمح بإخضاعهما لقراءة واحدة؟
وهل يكفي التشابه الوجداني أو السردي لإقامة قياسٍ نقدي معتبر؟
عند تحليل النصين يتبيّن أن السياقين منفصلان تمامًا؛ فالمتنبي قتل في بنية عنف سياسي واجتماعي مسلح، بينما واجه حيدر عنفًا رمزيًا في فضاء رقمي حديث، ومع ذلك يُجمع الحدثان في سردية واحدة عنوانها "الفتك بالشاعر". ويظهر مسار القراءة أن هذا القياس يؤدي وظيفة تعزيزية لا تفسيرية؛ بمعنى أنه يُكرّس صورة الشاعر كضحية، ويقدّم الجماهير ككتلة واحدة غاشمة عبر الأزمنة. أما المنطق فيبيّن أن التشابه العاطفي لا ينتج لزومًا معرفيًا وأن الحكاية – مهما بلغت – لا تكفي لتأسيس نتيجة نقدية عامة.
ثم ماذا؟
ثم التوريقة التاسعة " الإنسان الكامل الناقص" يقول الغذامي: " في كلمة مأثورة عن عبدالملك بن مروان أنه قال: (ما من أحدٍ إلا ويعرف عيب نفسه) ولكن الواقع البشري يشير إلى ميل النفوس لتصور الكمال فيها مقابل العيب في غيرها، وقد نرى بيت المتنبي الذي يقول:
ما أبعدَ العيبَ وَالنقصانَ عن شَرَفي
أنا الثُّريا وذانِ الشيبُ والهَرَمُ"
ويقول: " ولن نرى إنسانًا تستقر حاله على وضع واحد بين الخير والشر... وكلما زادت الرغبة في الكمال أعاقت السلوك الواقعي... على أن النقص هو المخزن الأكبر للمعرفة وللابتكارات... وكما قال الإمام الغزالي فميزة العقل هي في قدرته على كشف عجزه، على عكس دعوى المتنبي بقوله:
كَم تَطلُبونَ لنا عيباً فَيُعجِزُكُم
وَيَكرَهُ اللهُ ما تأتونَ والكَرَمُ"
تبدو هذه التوريقة إذا قُرئت وحدها أقرب إلى مقالة تأملية في الأخلاق والمعرفة، متماسكة في منطقها الداخلي، غير أن إدراجها في سياق الكتاب يمنحها وظيفة مختلفة؛ إذ تُستدعى لتؤدي دورًا تقابليًا مع المتنبي، ومن هنا تتجه القراءة إلى التعامل مع خطاب الفخر وكأنه دعوى معرفية مباشرة، فيُحمَّل المجاز وظيفة تقريرية لم يُنشأ لها. وفي هذا السياق يتحول الإقرار بقيمة الوعي بالنقص إلى معيار يُقاس به النص الفني، مع أن هذا الإقرار لا يستلزم منطقيًا إدانة الفخر، بقدر ما يكشف حدود قراءة تُسقِط معيارًا أخلاقيًا عامًا على نصٍّ ذي طبيعة فنية خاصة.
فهل هذا تحليل للنص في شروطه، أم إخضاعٌ له قسرًا لخدمة قراءة نقدية محددة سلفًا؟
ثم ماذا؟
ثم التوريقة العاشرة "نهايات المتنبي" يقول فيها الغذامي: " وقع المتنبي في نهايات مأساوية تحولت معها حياته إلى حال من الإخفاق والتشظي... وهذه كلها مما يراه الكل ويعمى عنه سيف الدولة... ثم يشتبك المتنبي برحلته الثانية... ثم عاد لموطنه الأصل العراق ولكنه لم يجد في العراق صاحباً مثل سيف الدولة... وهنا أصبحت حياته حياة استقرار بليد... ومن هنا عاد في رحلة لليأس ونهاية الآمال... وكانت آخر النهايات لبطل تراجيدي قتله شعره".
المسألة هنا لا تتعلق بتعدد القراءات بقدر ما تنحصر بنمط تفسيرٍ يُفضي إلى تبسيط تاريخي غير مُعلن؛ إذ تُعرض سيرة المتنبي في هذا المقطع ضمن خط سببي واحد مغلق، تُربط فيه الوقائع بخطاب الشاعر ربطًا مباشرًا وكأن التاريخ يتحرك وفق منطقٍ داخليٍّ واحد. هذا النوع من السرد لا يشتغل بوصفه تحليلًا للسيرة، إنما باعتباره إعادة تنظيم لها؛ تُستبعد فيه عناصر المصادفة وتُخفَّف فيه تشابكات السلطة والواقع، لصالح معنى واحد يُعاد تأكيده في كل منعطف. وبهذا "تُختزل" فكرة التاريخ نفسها، من فضاء مفتوح للأسباب المتداخلة إلى مسارٍ أحاديٍّ يُنتج معنى واضحًا، لكنه معنى يُكتسب على حساب التعقيد. هنا وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية؛ في تحويل حياة تاريخية كثيفة إلى مثالٍ تفسيريٍّ جاهز، يُريح الفهم بقدر ما يُفقِره.
ختامًا
إذا جُمعت هذه التوريقات الأربع من كتاب " اللابس المتلبس" في سياق واحد، فإن الإشكال المنهجي الذي يبرز هو تحوّل القراءة من تحليل للنص إلى تمثيل للذات الجمعية، ومن تفكيك النسق إلى تثبيت نسق بديل لا يقل صرامة.
النقد الثقافي هنا وهو يسعى إلى كشف الموارب ينتهي - من حيث لا يقصد - إلى إغلاق المعنى عند تأويل واحد ويعامل الشعر بوصفه وثيقة اعتراف لا فضاءً للتعدد .
ثم يُلح السؤال:
هل وظيفة النقد أن يكشف إمكانات النص، أم يختصرها في مرآة أخلاقية واحدة؟
ذلك هو الحد الفاصل بين قراءة تُغني الفهم، وقراءة تُنهيه.
والسؤال الأخير: ثم ماذا؟
د. الغذامي: اللابس المتلبس – أبا المسك المتنبي، لا أبا الطيب!
هذه المقالة هي الرابعة في سلسلة القراءة النقدية لكتاب "اللابس المتلبس" للدكتور عبد الله الغذامي – حفظه الله – وهي امتداد لما سبق تثبيته من إشكالات منهجية تتعلق بطريقة اشتغال الكتاب على النص الشعري، وحدود الانتقال من القراءة إلى التأويل، ومن التحليل إلى الحكم، فإذا كانت المقالات السابقة قد انشغلت بالبنية العامة للمشروع فإن هذه المقالة تتقدم خطوة أبعد لتشتبك مباشرة مع التوريقات السابعة إلى العاشرة بوصفها نصوصًا قائمة بذاتها، لا مجرد شواهد ضمن سياق أكبر.
تنطلق هذه القراءة من وضع القارئ أولًا داخل نصوص التوريقات نفسها – بلغتها ومنطقها واستدلالها – ثم تمضي إلى محاسبتها محاسبة علمية تختبر تماسكها الداخلي ولزوم نتائجها عن مقدماتها وحدود ما تحتمله من تعميم وتمثيل.
ثم ماذا؟
ثم يقول الدكتور في التوريقة السابعة التي تُوّجت بـ" المتنبي (وهل هو نحن بصيغة مواربة)" ما يلي: "هل ينوب المتنبي عنا في التعبير عن تعالينا الذي نحاول مواربته فيتولى أبو الطيب إعلانه دون مواربة، وتشهد على ذلك استشهاداتنا بشعره النسقي وتبريرنا له، وها هو المتنبي يقول:
أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الله وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
ويُروى أنه قالها في صغره وقبل أن يعلو شأنه، وربما تُساورنا شكوكٌ في صحة هذه الرواية، ومهما كان عمره حينها أو صحتها فإن هذه الأبيات تترجم نسقية المتنبي وتكشفها؛ فالمتنبي مغروس في معادلة الأنا والآخر، حيث لا تستقيم حال الذات عنده إلا بمحو الآخر"، ثم يورد بيت المتنبي:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من سارت به قدمُ
ويقول: "وهذه حالة شعورية تجعل الذات مطلقةً ومتعاليةً وتجبر غيرها ليشهدوا أنهم أقل منها" ثم يقول: "ورغم ضعفه البيّن الذي تكشفه قصيدة (واحر قلباه)، واستجدائه البيّن في خطابه لكافور (أبا المسك) إلا أنه يعود ليعالج مَسكنته بسلاح النسق الفتاك (فليت دونك بيداً دونها بيدُ) أو أبياته القبيحة عن كافور (لا تشتري العبد.. إلخ) في تحول من مخاطبته بأبي المسك إلى رسمه في هيئة شخصية ممسوخة لا تستحق حتى أن تباع في سوق النخاسة".
ثم يتساءل: " والسؤال الحادُّ أمامنا هو: لماذا بعجبنا المتنبي...؟ هل لأنه يعبر عن نسقيتنا وتعالينا على الآخرين... أي أنه يمثل الشر الذي فينا ونظل نحاول تغطيته... أم أن شعرية المتنبي وجمالياته هي شفيعته عندنا لنغفر له زلاته...!!".
هذا النص إذا قُرئ قراءة تداولية يكشف منذ سطره الأول أن السؤال يُطرح بوصفه آلية توجيه؛ بمعنى أن الاستفهام هنا يحمّل القارئ افتراضًا مسبقًا مفاده أن هناك "تعاليًا" جمعيًا وأن الشاعر ينوب عنا في إعلانه وأن إعجابنا به علامة تواطؤ لا فعل تلقي، الاشكال هنا في بنية السؤال ذاته؛ إذ يُنقل العبء التأويلي من النص إلى القارئ، فتؤدي صياغة السؤال إلى دفع القارئ بما لم يُبرهن عليه بعد، أي أن السؤال نفسه مارس فعلًا تأويليًا مسبقًا ووجّه القارئ نفسيًا ومنهجيًا قبل أن يبدأ التحليل أصلًا.
ثم ينتقل الخطاب انتقالًا غير مُعلن من توصيف لغوي لشعر الفخر إلى توصيف نفسي أخلاقي للذات الشاعرة، ثم إلى تعميم ثقافي على "نحن" من غير التأكد من أن هذا الانتقال مقبول أو مبرر؛ فهو يفترض أن شعر الفخر إفصاحٌ نفسي مباشر وليس خطابًا نوعيًا له شروطه البلاغية والتاريخية، وكأن اللغة الشعرية تُلغى كصناعة وتُستبدل بوظيفة الاعتراف، وحتى القراءة النسقية – مهما اتسعت – تحتاج حدًّا أدنى من ضبط وظائف القول داخل نوعه، وإلا تحوّل النسق من أداة كشف إلى حكمٍ "عُلوي" يُسقط على النص. هنا – نصانيًا – يُنتزع البيت من سياقه الشعري الذي قيل فيه ويُعاد تأويله ضمن إطار أخلاقي عام، ثم يُطلب من القارئ أن يرى نفسه في هذا الإطار، وبهذا ينتقل النقد من تحليل النص إلى جعله ممثلًا لـ"الذات الجمعية" فهو لا يقوم على بناءٍ حجاجي متدرج بقدر ما يعتمد على جاذبية السرد وقوة الفكرة، فتأتي النتيجة أوسع مما تحتمله المقدمات المنصوص عليها.
ثم ماذا؟
ثم في التوريقة الثامنة "من فاتك الأسدي إلى فاتك التنمري" يكتب الغذامي: "لاحق فاتك الأسدي أبا الطيب المتنبي ليقتله... وهذه خاطرة جاءتني حين استمعت للفيديو الذي ظهر فيه الشاعر حيدر العبد الله... ووجوه التماثل ما بين حال المتنبي وحال حيدر العبد الله أن كليهما ضحايا لشعرهما (صوتهما) والتربص بهما صدر عن صيت وصوت كليهما، واختلفت حال حيدر، لأنه ظل مسيطراً على مجريات المعركة... غير أن حيدر العبد الله لم يسلم من غضب الجماهير التي استحلت أعراض القصائد ونسيت الشعرية...".
اللافت هنا أنه يصرّح منذ البداية بأنها "خاطرة" لكن هذه الخاطرة تُستثمر لاحقًا كـ"حجة ثقافية"؛ فالقياس الذي بناه بين مقتل المتنبي وتجربة الشاعر المعاصر حيدر العبدالله مع التنمر قائم على تماثل "سردي عاطفي" وليس تماثل نصي ولا تاريخي ولا بنيوي...
ما الذي يتيح وضع هاتين الحالتين في إطار واحد؟
وأيُّ تقاطعٍ فعلي في البنية أو السياق يسمح بإخضاعهما لقراءة واحدة؟
وهل يكفي التشابه الوجداني أو السردي لإقامة قياسٍ نقدي معتبر؟
عند تحليل النصين يتبيّن أن السياقين منفصلان تمامًا؛ فالمتنبي قتل في بنية عنف سياسي واجتماعي مسلح، بينما واجه حيدر عنفًا رمزيًا في فضاء رقمي حديث، ومع ذلك يُجمع الحدثان في سردية واحدة عنوانها "الفتك بالشاعر". ويظهر مسار القراءة أن هذا القياس يؤدي وظيفة تعزيزية لا تفسيرية؛ بمعنى أنه يُكرّس صورة الشاعر كضحية، ويقدّم الجماهير ككتلة واحدة غاشمة عبر الأزمنة. أما المنطق فيبيّن أن التشابه العاطفي لا ينتج لزومًا معرفيًا وأن الحكاية – مهما بلغت – لا تكفي لتأسيس نتيجة نقدية عامة.
ثم ماذا؟
ثم التوريقة التاسعة " الإنسان الكامل الناقص" يقول الغذامي: " في كلمة مأثورة عن عبدالملك بن مروان أنه قال: (ما من أحدٍ إلا ويعرف عيب نفسه) ولكن الواقع البشري يشير إلى ميل النفوس لتصور الكمال فيها مقابل العيب في غيرها، وقد نرى بيت المتنبي الذي يقول:
ما أبعدَ العيبَ وَالنقصانَ عن شَرَفي
أنا الثُّريا وذانِ الشيبُ والهَرَمُ"
ويقول: " ولن نرى إنسانًا تستقر حاله على وضع واحد بين الخير والشر... وكلما زادت الرغبة في الكمال أعاقت السلوك الواقعي... على أن النقص هو المخزن الأكبر للمعرفة وللابتكارات... وكما قال الإمام الغزالي فميزة العقل هي في قدرته على كشف عجزه، على عكس دعوى المتنبي بقوله:
كَم تَطلُبونَ لنا عيباً فَيُعجِزُكُم
وَيَكرَهُ اللهُ ما تأتونَ والكَرَمُ"
تبدو هذه التوريقة إذا قُرئت وحدها أقرب إلى مقالة تأملية في الأخلاق والمعرفة، متماسكة في منطقها الداخلي، غير أن إدراجها في سياق الكتاب يمنحها وظيفة مختلفة؛ إذ تُستدعى لتؤدي دورًا تقابليًا مع المتنبي، ومن هنا تتجه القراءة إلى التعامل مع خطاب الفخر وكأنه دعوى معرفية مباشرة، فيُحمَّل المجاز وظيفة تقريرية لم يُنشأ لها. وفي هذا السياق يتحول الإقرار بقيمة الوعي بالنقص إلى معيار يُقاس به النص الفني، مع أن هذا الإقرار لا يستلزم منطقيًا إدانة الفخر، بقدر ما يكشف حدود قراءة تُسقِط معيارًا أخلاقيًا عامًا على نصٍّ ذي طبيعة فنية خاصة.
فهل هذا تحليل للنص في شروطه، أم إخضاعٌ له قسرًا لخدمة قراءة نقدية محددة سلفًا؟
ثم ماذا؟
ثم التوريقة العاشرة "نهايات المتنبي" يقول فيها الغذامي: " وقع المتنبي في نهايات مأساوية تحولت معها حياته إلى حال من الإخفاق والتشظي... وهذه كلها مما يراه الكل ويعمى عنه سيف الدولة... ثم يشتبك المتنبي برحلته الثانية... ثم عاد لموطنه الأصل العراق ولكنه لم يجد في العراق صاحباً مثل سيف الدولة... وهنا أصبحت حياته حياة استقرار بليد... ومن هنا عاد في رحلة لليأس ونهاية الآمال... وكانت آخر النهايات لبطل تراجيدي قتله شعره".
المسألة هنا لا تتعلق بتعدد القراءات بقدر ما تنحصر بنمط تفسيرٍ يُفضي إلى تبسيط تاريخي غير مُعلن؛ إذ تُعرض سيرة المتنبي في هذا المقطع ضمن خط سببي واحد مغلق، تُربط فيه الوقائع بخطاب الشاعر ربطًا مباشرًا وكأن التاريخ يتحرك وفق منطقٍ داخليٍّ واحد. هذا النوع من السرد لا يشتغل بوصفه تحليلًا للسيرة، إنما باعتباره إعادة تنظيم لها؛ تُستبعد فيه عناصر المصادفة وتُخفَّف فيه تشابكات السلطة والواقع، لصالح معنى واحد يُعاد تأكيده في كل منعطف. وبهذا "تُختزل" فكرة التاريخ نفسها، من فضاء مفتوح للأسباب المتداخلة إلى مسارٍ أحاديٍّ يُنتج معنى واضحًا، لكنه معنى يُكتسب على حساب التعقيد. هنا وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية؛ في تحويل حياة تاريخية كثيفة إلى مثالٍ تفسيريٍّ جاهز، يُريح الفهم بقدر ما يُفقِره.
ختامًا
إذا جُمعت هذه التوريقات الأربع من كتاب " اللابس المتلبس" في سياق واحد، فإن الإشكال المنهجي الذي يبرز هو تحوّل القراءة من تحليل للنص إلى تمثيل للذات الجمعية، ومن تفكيك النسق إلى تثبيت نسق بديل لا يقل صرامة.
النقد الثقافي هنا وهو يسعى إلى كشف الموارب ينتهي - من حيث لا يقصد - إلى إغلاق المعنى عند تأويل واحد ويعامل الشعر بوصفه وثيقة اعتراف لا فضاءً للتعدد .
ثم يُلح السؤال:
هل وظيفة النقد أن يكشف إمكانات النص، أم يختصرها في مرآة أخلاقية واحدة؟
ذلك هو الحد الفاصل بين قراءة تُغني الفهم، وقراءة تُنهيه.
والسؤال الأخير: ثم ماذا؟
د. الغذامي: اللابس المتلبس – أبا المسك المتنبي، لا أبا الطيب!
هذه المقالة هي الرابعة في سلسلة القراءة النقدية لكتاب "اللابس المتلبس" للدكتور عبد الله الغذامي – حفظه الله – وهي امتداد لما سبق تثبيته من إشكالات منهجية تتعلق بطريقة اشتغال الكتاب على النص الشعري، وحدود الانتقال من القراءة إلى التأويل، ومن التحليل إلى الحكم، فإذا كانت المقالات السابقة قد انشغلت بالبنية العامة للمشروع فإن هذه المقالة تتقدم خطوة أبعد لتشتبك مباشرة مع التوريقات السابعة إلى العاشرة بوصفها نصوصًا قائمة بذاتها، لا مجرد شواهد ضمن سياق أكبر.
تنطلق هذه القراءة من وضع القارئ أولًا داخل نصوص التوريقات نفسها – بلغتها ومنطقها واستدلالها – ثم تمضي إلى محاسبتها محاسبة علمية تختبر تماسكها الداخلي ولزوم نتائجها عن مقدماتها وحدود ما تحتمله من تعميم وتمثيل.
ثم ماذا؟
ثم يقول الدكتور في التوريقة السابعة التي تُوّجت بـ" المتنبي (وهل هو نحن بصيغة مواربة)" ما يلي: "هل ينوب المتنبي عنا في التعبير عن تعالينا الذي نحاول مواربته فيتولى أبو الطيب إعلانه دون مواربة، وتشهد على ذلك استشهاداتنا بشعره النسقي وتبريرنا له، وها هو المتنبي يقول:
أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الله وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
ويُروى أنه قالها في صغره وقبل أن يعلو شأنه، وربما تُساورنا شكوكٌ في صحة هذه الرواية، ومهما كان عمره حينها أو صحتها فإن هذه الأبيات تترجم نسقية المتنبي وتكشفها؛ فالمتنبي مغروس في معادلة الأنا والآخر، حيث لا تستقيم حال الذات عنده إلا بمحو الآخر"، ثم يورد بيت المتنبي:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من سارت به قدمُ
ويقول: "وهذه حالة شعورية تجعل الذات مطلقةً ومتعاليةً وتجبر غيرها ليشهدوا أنهم أقل منها" ثم يقول: "ورغم ضعفه البيّن الذي تكشفه قصيدة (واحر قلباه)، واستجدائه البيّن في خطابه لكافور (أبا المسك) إلا أنه يعود ليعالج مَسكنته بسلاح النسق الفتاك (فليت دونك بيداً دونها بيدُ) أو أبياته القبيحة عن كافور (لا تشتري العبد.. إلخ) في تحول من مخاطبته بأبي المسك إلى رسمه في هيئة شخصية ممسوخة لا تستحق حتى أن تباع في سوق النخاسة".
ثم يتساءل: " والسؤال الحادُّ أمامنا هو: لماذا بعجبنا المتنبي...؟ هل لأنه يعبر عن نسقيتنا وتعالينا على الآخرين... أي أنه يمثل الشر الذي فينا ونظل نحاول تغطيته... أم أن شعرية المتنبي وجمالياته هي شفيعته عندنا لنغفر له زلاته...!!".
هذا النص إذا قُرئ قراءة تداولية يكشف منذ سطره الأول أن السؤال يُطرح بوصفه آلية توجيه؛ بمعنى أن الاستفهام هنا يحمّل القارئ افتراضًا مسبقًا مفاده أن هناك "تعاليًا" جمعيًا وأن الشاعر ينوب عنا في إعلانه وأن إعجابنا به علامة تواطؤ لا فعل تلقي، الاشكال هنا في بنية السؤال ذاته؛ إذ يُنقل العبء التأويلي من النص إلى القارئ، فتؤدي صياغة السؤال إلى دفع القارئ بما لم يُبرهن عليه بعد، أي أن السؤال نفسه مارس فعلًا تأويليًا مسبقًا ووجّه القارئ نفسيًا ومنهجيًا قبل أن يبدأ التحليل أصلًا.
ثم ينتقل الخطاب انتقالًا غير مُعلن من توصيف لغوي لشعر الفخر إلى توصيف نفسي أخلاقي للذات الشاعرة، ثم إلى تعميم ثقافي على "نحن" من غير التأكد من أن هذا الانتقال مقبول أو مبرر؛ فهو يفترض أن شعر الفخر إفصاحٌ نفسي مباشر وليس خطابًا نوعيًا له شروطه البلاغية والتاريخية، وكأن اللغة الشعرية تُلغى كصناعة وتُستبدل بوظيفة الاعتراف، وحتى القراءة النسقية – مهما اتسعت – تحتاج حدًّا أدنى من ضبط وظائف القول داخل نوعه، وإلا تحوّل النسق من أداة كشف إلى حكمٍ "عُلوي" يُسقط على النص. هنا – نصانيًا – يُنتزع البيت من سياقه الشعري الذي قيل فيه ويُعاد تأويله ضمن إطار أخلاقي عام، ثم يُطلب من القارئ أن يرى نفسه في هذا الإطار، وبهذا ينتقل النقد من تحليل النص إلى جعله ممثلًا لـ"الذات الجمعية" فهو لا يقوم على بناءٍ حجاجي متدرج بقدر ما يعتمد على جاذبية السرد وقوة الفكرة، فتأتي النتيجة أوسع مما تحتمله المقدمات المنصوص عليها.
ثم ماذا؟
ثم في التوريقة الثامنة "من فاتك الأسدي إلى فاتك التنمري" يكتب الغذامي: "لاحق فاتك الأسدي أبا الطيب المتنبي ليقتله... وهذه خاطرة جاءتني حين استمعت للفيديو الذي ظهر فيه الشاعر حيدر العبد الله... ووجوه التماثل ما بين حال المتنبي وحال حيدر العبد الله أن كليهما ضحايا لشعرهما (صوتهما) والتربص بهما صدر عن صيت وصوت كليهما، واختلفت حال حيدر، لأنه ظل مسيطراً على مجريات المعركة... غير أن حيدر العبد الله لم يسلم من غضب الجماهير التي استحلت أعراض القصائد ونسيت الشعرية...".
اللافت هنا أنه يصرّح منذ البداية بأنها "خاطرة" لكن هذه الخاطرة تُستثمر لاحقًا كـ"حجة ثقافية"؛ فالقياس الذي بناه بين مقتل المتنبي وتجربة الشاعر المعاصر حيدر العبدالله مع التنمر قائم على تماثل "سردي عاطفي" وليس تماثل نصي ولا تاريخي ولا بنيوي...
ما الذي يتيح وضع هاتين الحالتين في إطار واحد؟
وأيُّ تقاطعٍ فعلي في البنية أو السياق يسمح بإخضاعهما لقراءة واحدة؟
وهل يكفي التشابه الوجداني أو السردي لإقامة قياسٍ نقدي معتبر؟
عند تحليل النصين يتبيّن أن السياقين منفصلان تمامًا؛ فالمتنبي قتل في بنية عنف سياسي واجتماعي مسلح، بينما واجه حيدر عنفًا رمزيًا في فضاء رقمي حديث، ومع ذلك يُجمع الحدثان في سردية واحدة عنوانها "الفتك بالشاعر". ويظهر مسار القراءة أن هذا القياس يؤدي وظيفة تعزيزية لا تفسيرية؛ بمعنى أنه يُكرّس صورة الشاعر كضحية، ويقدّم الجماهير ككتلة واحدة غاشمة عبر الأزمنة. أما المنطق فيبيّن أن التشابه العاطفي لا ينتج لزومًا معرفيًا وأن الحكاية – مهما بلغت – لا تكفي لتأسيس نتيجة نقدية عامة.
ثم ماذا؟
ثم التوريقة التاسعة " الإنسان الكامل الناقص" يقول الغذامي: " في كلمة مأثورة عن عبدالملك بن مروان أنه قال: (ما من أحدٍ إلا ويعرف عيب نفسه) ولكن الواقع البشري يشير إلى ميل النفوس لتصور الكمال فيها مقابل العيب في غيرها، وقد نرى بيت المتنبي الذي يقول:
ما أبعدَ العيبَ وَالنقصانَ عن شَرَفي
أنا الثُّريا وذانِ الشيبُ والهَرَمُ"
ويقول: " ولن نرى إنسانًا تستقر حاله على وضع واحد بين الخير والشر... وكلما زادت الرغبة في الكمال أعاقت السلوك الواقعي... على أن النقص هو المخزن الأكبر للمعرفة وللابتكارات... وكما قال الإمام الغزالي فميزة العقل هي في قدرته على كشف عجزه، على عكس دعوى المتنبي بقوله:
كَم تَطلُبونَ لنا عيباً فَيُعجِزُكُم
وَيَكرَهُ اللهُ ما تأتونَ والكَرَمُ"
تبدو هذه التوريقة إذا قُرئت وحدها أقرب إلى مقالة تأملية في الأخلاق والمعرفة، متماسكة في منطقها الداخلي، غير أن إدراجها في سياق الكتاب يمنحها وظيفة مختلفة؛ إذ تُستدعى لتؤدي دورًا تقابليًا مع المتنبي، ومن هنا تتجه القراءة إلى التعامل مع خطاب الفخر وكأنه دعوى معرفية مباشرة، فيُحمَّل المجاز وظيفة تقريرية لم يُنشأ لها. وفي هذا السياق يتحول الإقرار بقيمة الوعي بالنقص إلى معيار يُقاس به النص الفني، مع أن هذا الإقرار لا يستلزم منطقيًا إدانة الفخر، بقدر ما يكشف حدود قراءة تُسقِط معيارًا أخلاقيًا عامًا على نصٍّ ذي طبيعة فنية خاصة.
فهل هذا تحليل للنص في شروطه، أم إخضاعٌ له قسرًا لخدمة قراءة نقدية محددة سلفًا؟
ثم ماذا؟
ثم التوريقة العاشرة "نهايات المتنبي" يقول فيها الغذامي: " وقع المتنبي في نهايات مأساوية تحولت معها حياته إلى حال من الإخفاق والتشظي... وهذه كلها مما يراه الكل ويعمى عنه سيف الدولة... ثم يشتبك المتنبي برحلته الثانية... ثم عاد لموطنه الأصل العراق ولكنه لم يجد في العراق صاحباً مثل سيف الدولة... وهنا أصبحت حياته حياة استقرار بليد... ومن هنا عاد في رحلة لليأس ونهاية الآمال... وكانت آخر النهايات لبطل تراجيدي قتله شعره".
المسألة هنا لا تتعلق بتعدد القراءات بقدر ما تنحصر بنمط تفسيرٍ يُفضي إلى تبسيط تاريخي غير مُعلن؛ إذ تُعرض سيرة المتنبي في هذا المقطع ضمن خط سببي واحد مغلق، تُربط فيه الوقائع بخطاب الشاعر ربطًا مباشرًا وكأن التاريخ يتحرك وفق منطقٍ داخليٍّ واحد. هذا النوع من السرد لا يشتغل بوصفه تحليلًا للسيرة، إنما باعتباره إعادة تنظيم لها؛ تُستبعد فيه عناصر المصادفة وتُخفَّف فيه تشابكات السلطة والواقع، لصالح معنى واحد يُعاد تأكيده في كل منعطف. وبهذا "تُختزل" فكرة التاريخ نفسها، من فضاء مفتوح للأسباب المتداخلة إلى مسارٍ أحاديٍّ يُنتج معنى واضحًا، لكنه معنى يُكتسب على حساب التعقيد. هنا وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية؛ في تحويل حياة تاريخية كثيفة إلى مثالٍ تفسيريٍّ جاهز، يُريح الفهم بقدر ما يُفقِره.
ختامًا
إذا جُمعت هذه التوريقات الأربع من كتاب " اللابس المتلبس" في سياق واحد، فإن الإشكال المنهجي الذي يبرز هو تحوّل القراءة من تحليل للنص إلى تمثيل للذات الجمعية، ومن تفكيك النسق إلى تثبيت نسق بديل لا يقل صرامة.
النقد الثقافي هنا وهو يسعى إلى كشف الموارب ينتهي - من حيث لا يقصد - إلى إغلاق المعنى عند تأويل واحد ويعامل الشعر بوصفه وثيقة اعتراف لا فضاءً للتعدد .
ثم يُلح السؤال:
هل وظيفة النقد أن يكشف إمكانات النص، أم يختصرها في مرآة أخلاقية واحدة؟
ذلك هو الحد الفاصل بين قراءة تُغني الفهم، وقراءة تُنهيه.
والسؤال الأخير: ثم ماذا؟
د. الغذامي: اللابس المتلبس – أبا المسك المتنبي، لا أبا الطيب!
هذه المقالة هي الرابعة في سلسلة القراءة النقدية لكتاب "اللابس المتلبس" للدكتور عبد الله الغذامي – حفظه الله – وهي امتداد لما سبق تثبيته من إشكالات منهجية تتعلق بطريقة اشتغال الكتاب على النص الشعري، وحدود الانتقال من القراءة إلى التأويل، ومن التحليل إلى الحكم، فإذا كانت المقالات السابقة قد انشغلت بالبنية العامة للمشروع فإن هذه المقالة تتقدم خطوة أبعد لتشتبك مباشرة مع التوريقات السابعة إلى العاشرة بوصفها نصوصًا قائمة بذاتها، لا مجرد شواهد ضمن سياق أكبر.
تنطلق هذه القراءة من وضع القارئ أولًا داخل نصوص التوريقات نفسها – بلغتها ومنطقها واستدلالها – ثم تمضي إلى محاسبتها محاسبة علمية تختبر تماسكها الداخلي ولزوم نتائجها عن مقدماتها وحدود ما تحتمله من تعميم وتمثيل.
ثم ماذا؟
ثم يقول الدكتور في التوريقة السابعة التي تُوّجت بـ" المتنبي (وهل هو نحن بصيغة مواربة)" ما يلي: "هل ينوب المتنبي عنا في التعبير عن تعالينا الذي نحاول مواربته فيتولى أبو الطيب إعلانه دون مواربة، وتشهد على ذلك استشهاداتنا بشعره النسقي وتبريرنا له، وها هو المتنبي يقول:
أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الله وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
ويُروى أنه قالها في صغره وقبل أن يعلو شأنه، وربما تُساورنا شكوكٌ في صحة هذه الرواية، ومهما كان عمره حينها أو صحتها فإن هذه الأبيات تترجم نسقية المتنبي وتكشفها؛ فالمتنبي مغروس في معادلة الأنا والآخر، حيث لا تستقيم حال الذات عنده إلا بمحو الآخر"، ثم يورد بيت المتنبي:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من سارت به قدمُ
ويقول: "وهذه حالة شعورية تجعل الذات مطلقةً ومتعاليةً وتجبر غيرها ليشهدوا أنهم أقل منها" ثم يقول: "ورغم ضعفه البيّن الذي تكشفه قصيدة (واحر قلباه)، واستجدائه البيّن في خطابه لكافور (أبا المسك) إلا أنه يعود ليعالج مَسكنته بسلاح النسق الفتاك (فليت دونك بيداً دونها بيدُ) أو أبياته القبيحة عن كافور (لا تشتري العبد.. إلخ) في تحول من مخاطبته بأبي المسك إلى رسمه في هيئة شخصية ممسوخة لا تستحق حتى أن تباع في سوق النخاسة".
ثم يتساءل: " والسؤال الحادُّ أمامنا هو: لماذا بعجبنا المتنبي...؟ هل لأنه يعبر عن نسقيتنا وتعالينا على الآخرين... أي أنه يمثل الشر الذي فينا ونظل نحاول تغطيته... أم أن شعرية المتنبي وجمالياته هي شفيعته عندنا لنغفر له زلاته...!!".
هذا النص إذا قُرئ قراءة تداولية يكشف منذ سطره الأول أن السؤال يُطرح بوصفه آلية توجيه؛ بمعنى أن الاستفهام هنا يحمّل القارئ افتراضًا مسبقًا مفاده أن هناك "تعاليًا" جمعيًا وأن الشاعر ينوب عنا في إعلانه وأن إعجابنا به علامة تواطؤ لا فعل تلقي، الاشكال هنا في بنية السؤال ذاته؛ إذ يُنقل العبء التأويلي من النص إلى القارئ، فتؤدي صياغة السؤال إلى دفع القارئ بما لم يُبرهن عليه بعد، أي أن السؤال نفسه مارس فعلًا تأويليًا مسبقًا ووجّه القارئ نفسيًا ومنهجيًا قبل أن يبدأ التحليل أصلًا.
ثم ينتقل الخطاب انتقالًا غير مُعلن من توصيف لغوي لشعر الفخر إلى توصيف نفسي أخلاقي للذات الشاعرة، ثم إلى تعميم ثقافي على "نحن" من غير التأكد من أن هذا الانتقال مقبول أو مبرر؛ فهو يفترض أن شعر الفخر إفصاحٌ نفسي مباشر وليس خطابًا نوعيًا له شروطه البلاغية والتاريخية، وكأن اللغة الشعرية تُلغى كصناعة وتُستبدل بوظيفة الاعتراف، وحتى القراءة النسقية – مهما اتسعت – تحتاج حدًّا أدنى من ضبط وظائف القول داخل نوعه، وإلا تحوّل النسق من أداة كشف إلى حكمٍ "عُلوي" يُسقط على النص. هنا – نصانيًا – يُنتزع البيت من سياقه الشعري الذي قيل فيه ويُعاد تأويله ضمن إطار أخلاقي عام، ثم يُطلب من القارئ أن يرى نفسه في هذا الإطار، وبهذا ينتقل النقد من تحليل النص إلى جعله ممثلًا لـ"الذات الجمعية" فهو لا يقوم على بناءٍ حجاجي متدرج بقدر ما يعتمد على جاذبية السرد وقوة الفكرة، فتأتي النتيجة أوسع مما تحتمله المقدمات المنصوص عليها.
ثم ماذا؟
ثم في التوريقة الثامنة "من فاتك الأسدي إلى فاتك التنمري" يكتب الغذامي: "لاحق فاتك الأسدي أبا الطيب المتنبي ليقتله... وهذه خاطرة جاءتني حين استمعت للفيديو الذي ظهر فيه الشاعر حيدر العبد الله... ووجوه التماثل ما بين حال المتنبي وحال حيدر العبد الله أن كليهما ضحايا لشعرهما (صوتهما) والتربص بهما صدر عن صيت وصوت كليهما، واختلفت حال حيدر، لأنه ظل مسيطراً على مجريات المعركة... غير أن حيدر العبد الله لم يسلم من غضب الجماهير التي استحلت أعراض القصائد ونسيت الشعرية...".
اللافت هنا أنه يصرّح منذ البداية بأنها "خاطرة" لكن هذه الخاطرة تُستثمر لاحقًا كـ"حجة ثقافية"؛ فالقياس الذي بناه بين مقتل المتنبي وتجربة الشاعر المعاصر حيدر العبدالله مع التنمر قائم على تماثل "سردي عاطفي" وليس تماثل نصي ولا تاريخي ولا بنيوي...
ما الذي يتيح وضع هاتين الحالتين في إطار واحد؟
وأيُّ تقاطعٍ فعلي في البنية أو السياق يسمح بإخضاعهما لقراءة واحدة؟
وهل يكفي التشابه الوجداني أو السردي لإقامة قياسٍ نقدي معتبر؟
عند تحليل النصين يتبيّن أن السياقين منفصلان تمامًا؛ فالمتنبي قتل في بنية عنف سياسي واجتماعي مسلح، بينما واجه حيدر عنفًا رمزيًا في فضاء رقمي حديث، ومع ذلك يُجمع الحدثان في سردية واحدة عنوانها "الفتك بالشاعر". ويظهر مسار القراءة أن هذا القياس يؤدي وظيفة تعزيزية لا تفسيرية؛ بمعنى أنه يُكرّس صورة الشاعر كضحية، ويقدّم الجماهير ككتلة واحدة غاشمة عبر الأزمنة. أما المنطق فيبيّن أن التشابه العاطفي لا ينتج لزومًا معرفيًا وأن الحكاية – مهما بلغت – لا تكفي لتأسيس نتيجة نقدية عامة.
ثم ماذا؟
ثم التوريقة التاسعة " الإنسان الكامل الناقص" يقول الغذامي: " في كلمة مأثورة عن عبدالملك بن مروان أنه قال: (ما من أحدٍ إلا ويعرف عيب نفسه) ولكن الواقع البشري يشير إلى ميل النفوس لتصور الكمال فيها مقابل العيب في غيرها، وقد نرى بيت المتنبي الذي يقول:
ما أبعدَ العيبَ وَالنقصانَ عن شَرَفي
أنا الثُّريا وذانِ الشيبُ والهَرَمُ"
ويقول: " ولن نرى إنسانًا تستقر حاله على وضع واحد بين الخير والشر... وكلما زادت الرغبة في الكمال أعاقت السلوك الواقعي... على أن النقص هو المخزن الأكبر للمعرفة وللابتكارات... وكما قال الإمام الغزالي فميزة العقل هي في قدرته على كشف عجزه، على عكس دعوى المتنبي بقوله:
كَم تَطلُبونَ لنا عيباً فَيُعجِزُكُم
وَيَكرَهُ اللهُ ما تأتونَ والكَرَمُ"
تبدو هذه التوريقة إذا قُرئت وحدها أقرب إلى مقالة تأملية في الأخلاق والمعرفة، متماسكة في منطقها الداخلي، غير أن إدراجها في سياق الكتاب يمنحها وظيفة مختلفة؛ إذ تُستدعى لتؤدي دورًا تقابليًا مع المتنبي، ومن هنا تتجه القراءة إلى التعامل مع خطاب الفخر وكأنه دعوى معرفية مباشرة، فيُحمَّل المجاز وظيفة تقريرية لم يُنشأ لها. وفي هذا السياق يتحول الإقرار بقيمة الوعي بالنقص إلى معيار يُقاس به النص الفني، مع أن هذا الإقرار لا يستلزم منطقيًا إدانة الفخر، بقدر ما يكشف حدود قراءة تُسقِط معيارًا أخلاقيًا عامًا على نصٍّ ذي طبيعة فنية خاصة.
فهل هذا تحليل للنص في شروطه، أم إخضاعٌ له قسرًا لخدمة قراءة نقدية محددة سلفًا؟
ثم ماذا؟
ثم التوريقة العاشرة "نهايات المتنبي" يقول فيها الغذامي: " وقع المتنبي في نهايات مأساوية تحولت معها حياته إلى حال من الإخفاق والتشظي... وهذه كلها مما يراه الكل ويعمى عنه سيف الدولة... ثم يشتبك المتنبي برحلته الثانية... ثم عاد لموطنه الأصل العراق ولكنه لم يجد في العراق صاحباً مثل سيف الدولة... وهنا أصبحت حياته حياة استقرار بليد... ومن هنا عاد في رحلة لليأس ونهاية الآمال... وكانت آخر النهايات لبطل تراجيدي قتله شعره".
المسألة هنا لا تتعلق بتعدد القراءات بقدر ما تنحصر بنمط تفسيرٍ يُفضي إلى تبسيط تاريخي غير مُعلن؛ إذ تُعرض سيرة المتنبي في هذا المقطع ضمن خط سببي واحد مغلق، تُربط فيه الوقائع بخطاب الشاعر ربطًا مباشرًا وكأن التاريخ يتحرك وفق منطقٍ داخليٍّ واحد. هذا النوع من السرد لا يشتغل بوصفه تحليلًا للسيرة، إنما باعتباره إعادة تنظيم لها؛ تُستبعد فيه عناصر المصادفة وتُخفَّف فيه تشابكات السلطة والواقع، لصالح معنى واحد يُعاد تأكيده في كل منعطف. وبهذا "تُختزل" فكرة التاريخ نفسها، من فضاء مفتوح للأسباب المتداخلة إلى مسارٍ أحاديٍّ يُنتج معنى واضحًا، لكنه معنى يُكتسب على حساب التعقيد. هنا وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية؛ في تحويل حياة تاريخية كثيفة إلى مثالٍ تفسيريٍّ جاهز، يُريح الفهم بقدر ما يُفقِره.
ختامًا
إذا جُمعت هذه التوريقات الأربع من كتاب " اللابس المتلبس" في سياق واحد، فإن الإشكال المنهجي الذي يبرز هو تحوّل القراءة من تحليل للنص إلى تمثيل للذات الجمعية، ومن تفكيك النسق إلى تثبيت نسق بديل لا يقل صرامة.
النقد الثقافي هنا وهو يسعى إلى كشف الموارب ينتهي - من حيث لا يقصد - إلى إغلاق المعنى عند تأويل واحد ويعامل الشعر بوصفه وثيقة اعتراف لا فضاءً للتعدد .
ثم يُلح السؤال:
هل وظيفة النقد أن يكشف إمكانات النص، أم يختصرها في مرآة أخلاقية واحدة؟
ذلك هو الحد الفاصل بين قراءة تُغني الفهم، وقراءة تُنهيه.
والسؤال الأخير: ثم ماذا؟
د. الغذامي: اللابس المتلبس – أبا المسك المتنبي، لا أبا الطيب!
هذه المقالة هي الرابعة في سلسلة القراءة النقدية لكتاب "اللابس المتلبس" للدكتور عبد الله الغذامي – حفظه الله – وهي امتداد لما سبق تثبيته من إشكالات منهجية تتعلق بطريقة اشتغال الكتاب على النص الشعري، وحدود الانتقال من القراءة إلى التأويل، ومن التحليل إلى الحكم، فإذا كانت المقالات السابقة قد انشغلت بالبنية العامة للمشروع فإن هذه المقالة تتقدم خطوة أبعد لتشتبك مباشرة مع التوريقات السابعة إلى العاشرة بوصفها نصوصًا قائمة بذاتها، لا مجرد شواهد ضمن سياق أكبر.
تنطلق هذه القراءة من وضع القارئ أولًا داخل نصوص التوريقات نفسها – بلغتها ومنطقها واستدلالها – ثم تمضي إلى محاسبتها محاسبة علمية تختبر تماسكها الداخلي ولزوم نتائجها عن مقدماتها وحدود ما تحتمله من تعميم وتمثيل.
ثم ماذا؟
ثم يقول الدكتور في التوريقة السابعة التي تُوّجت بـ" المتنبي (وهل هو نحن بصيغة مواربة)" ما يلي: "هل ينوب المتنبي عنا في التعبير عن تعالينا الذي نحاول مواربته فيتولى أبو الطيب إعلانه دون مواربة، وتشهد على ذلك استشهاداتنا بشعره النسقي وتبريرنا له، وها هو المتنبي يقول:
أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الله وَما لَم يَخلُقِ
مُحتَقَرٌ في هِمَّتي كَشَعرَةٍ في مَفرِقي
ويُروى أنه قالها في صغره وقبل أن يعلو شأنه، وربما تُساورنا شكوكٌ في صحة هذه الرواية، ومهما كان عمره حينها أو صحتها فإن هذه الأبيات تترجم نسقية المتنبي وتكشفها؛ فالمتنبي مغروس في معادلة الأنا والآخر، حيث لا تستقيم حال الذات عنده إلا بمحو الآخر"، ثم يورد بيت المتنبي:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا
بأنني خير من سارت به قدمُ
ويقول: "وهذه حالة شعورية تجعل الذات مطلقةً ومتعاليةً وتجبر غيرها ليشهدوا أنهم أقل منها" ثم يقول: "ورغم ضعفه البيّن الذي تكشفه قصيدة (واحر قلباه)، واستجدائه البيّن في خطابه لكافور (أبا المسك) إلا أنه يعود ليعالج مَسكنته بسلاح النسق الفتاك (فليت دونك بيداً دونها بيدُ) أو أبياته القبيحة عن كافور (لا تشتري العبد.. إلخ) في تحول من مخاطبته بأبي المسك إلى رسمه في هيئة شخصية ممسوخة لا تستحق حتى أن تباع في سوق النخاسة".
ثم يتساءل: " والسؤال الحادُّ أمامنا هو: لماذا بعجبنا المتنبي...؟ هل لأنه يعبر عن نسقيتنا وتعالينا على الآخرين... أي أنه يمثل الشر الذي فينا ونظل نحاول تغطيته... أم أن شعرية المتنبي وجمالياته هي شفيعته عندنا لنغفر له زلاته...!!".
هذا النص إذا قُرئ قراءة تداولية يكشف منذ سطره الأول أن السؤال يُطرح بوصفه آلية توجيه؛ بمعنى أن الاستفهام هنا يحمّل القارئ افتراضًا مسبقًا مفاده أن هناك "تعاليًا" جمعيًا وأن الشاعر ينوب عنا في إعلانه وأن إعجابنا به علامة تواطؤ لا فعل تلقي، الاشكال هنا في بنية السؤال ذاته؛ إذ يُنقل العبء التأويلي من النص إلى القارئ، فتؤدي صياغة السؤال إلى دفع القارئ بما لم يُبرهن عليه بعد، أي أن السؤال نفسه مارس فعلًا تأويليًا مسبقًا ووجّه القارئ نفسيًا ومنهجيًا قبل أن يبدأ التحليل أصلًا.
ثم ينتقل الخطاب انتقالًا غير مُعلن من توصيف لغوي لشعر الفخر إلى توصيف نفسي أخلاقي للذات الشاعرة، ثم إلى تعميم ثقافي على "نحن" من غير التأكد من أن هذا الانتقال مقبول أو مبرر؛ فهو يفترض أن شعر الفخر إفصاحٌ نفسي مباشر وليس خطابًا نوعيًا له شروطه البلاغية والتاريخية، وكأن اللغة الشعرية تُلغى كصناعة وتُستبدل بوظيفة الاعتراف، وحتى القراءة النسقية – مهما اتسعت – تحتاج حدًّا أدنى من ضبط وظائف القول داخل نوعه، وإلا تحوّل النسق من أداة كشف إلى حكمٍ "عُلوي" يُسقط على النص. هنا – نصانيًا – يُنتزع البيت من سياقه الشعري الذي قيل فيه ويُعاد تأويله ضمن إطار أخلاقي عام، ثم يُطلب من القارئ أن يرى نفسه في هذا الإطار، وبهذا ينتقل النقد من تحليل النص إلى جعله ممثلًا لـ"الذات الجمعية" فهو لا يقوم على بناءٍ حجاجي متدرج بقدر ما يعتمد على جاذبية السرد وقوة الفكرة، فتأتي النتيجة أوسع مما تحتمله المقدمات المنصوص عليها.
ثم ماذا؟
ثم في التوريقة الثامنة "من فاتك الأسدي إلى فاتك التنمري" يكتب الغذامي: "لاحق فاتك الأسدي أبا الطيب المتنبي ليقتله... وهذه خاطرة جاءتني حين استمعت للفيديو الذي ظهر فيه الشاعر حيدر العبد الله... ووجوه التماثل ما بين حال المتنبي وحال حيدر العبد الله أن كليهما ضحايا لشعرهما (صوتهما) والتربص بهما صدر عن صيت وصوت كليهما، واختلفت حال حيدر، لأنه ظل مسيطراً على مجريات المعركة... غير أن حيدر العبد الله لم يسلم من غضب الجماهير التي استحلت أعراض القصائد ونسيت الشعرية...".
اللافت هنا أنه يصرّح منذ البداية بأنها "خاطرة" لكن هذه الخاطرة تُستثمر لاحقًا كـ"حجة ثقافية"؛ فالقياس الذي بناه بين مقتل المتنبي وتجربة الشاعر المعاصر حيدر العبدالله مع التنمر قائم على تماثل "سردي عاطفي" وليس تماثل نصي ولا تاريخي ولا بنيوي...
ما الذي يتيح وضع هاتين الحالتين في إطار واحد؟
وأيُّ تقاطعٍ فعلي في البنية أو السياق يسمح بإخضاعهما لقراءة واحدة؟
وهل يكفي التشابه الوجداني أو السردي لإقامة قياسٍ نقدي معتبر؟
عند تحليل النصين يتبيّن أن السياقين منفصلان تمامًا؛ فالمتنبي قتل في بنية عنف سياسي واجتماعي مسلح، بينما واجه حيدر عنفًا رمزيًا في فضاء رقمي حديث، ومع ذلك يُجمع الحدثان في سردية واحدة عنوانها "الفتك بالشاعر". ويظهر مسار القراءة أن هذا القياس يؤدي وظيفة تعزيزية لا تفسيرية؛ بمعنى أنه يُكرّس صورة الشاعر كضحية، ويقدّم الجماهير ككتلة واحدة غاشمة عبر الأزمنة. أما المنطق فيبيّن أن التشابه العاطفي لا ينتج لزومًا معرفيًا وأن الحكاية – مهما بلغت – لا تكفي لتأسيس نتيجة نقدية عامة.
ثم ماذا؟
ثم التوريقة التاسعة " الإنسان الكامل الناقص" يقول الغذامي: " في كلمة مأثورة عن عبدالملك بن مروان أنه قال: (ما من أحدٍ إلا ويعرف عيب نفسه) ولكن الواقع البشري يشير إلى ميل النفوس لتصور الكمال فيها مقابل العيب في غيرها، وقد نرى بيت المتنبي الذي يقول:
ما أبعدَ العيبَ وَالنقصانَ عن شَرَفي
أنا الثُّريا وذانِ الشيبُ والهَرَمُ"
ويقول: " ولن نرى إنسانًا تستقر حاله على وضع واحد بين الخير والشر... وكلما زادت الرغبة في الكمال أعاقت السلوك الواقعي... على أن النقص هو المخزن الأكبر للمعرفة وللابتكارات... وكما قال الإمام الغزالي فميزة العقل هي في قدرته على كشف عجزه، على عكس دعوى المتنبي بقوله:
كَم تَطلُبونَ لنا عيباً فَيُعجِزُكُم
وَيَكرَهُ اللهُ ما تأتونَ والكَرَمُ"
تبدو هذه التوريقة إذا قُرئت وحدها أقرب إلى مقالة تأملية في الأخلاق والمعرفة، متماسكة في منطقها الداخلي، غير أن إدراجها في سياق الكتاب يمنحها وظيفة مختلفة؛ إذ تُستدعى لتؤدي دورًا تقابليًا مع المتنبي، ومن هنا تتجه القراءة إلى التعامل مع خطاب الفخر وكأنه دعوى معرفية مباشرة، فيُحمَّل المجاز وظيفة تقريرية لم يُنشأ لها. وفي هذا السياق يتحول الإقرار بقيمة الوعي بالنقص إلى معيار يُقاس به النص الفني، مع أن هذا الإقرار لا يستلزم منطقيًا إدانة الفخر، بقدر ما يكشف حدود قراءة تُسقِط معيارًا أخلاقيًا عامًا على نصٍّ ذي طبيعة فنية خاصة.
فهل هذا تحليل للنص في شروطه، أم إخضاعٌ له قسرًا لخدمة قراءة نقدية محددة سلفًا؟
ثم ماذا؟
ثم التوريقة العاشرة "نهايات المتنبي" يقول فيها الغذامي: " وقع المتنبي في نهايات مأساوية تحولت معها حياته إلى حال من الإخفاق والتشظي... وهذه كلها مما يراه الكل ويعمى عنه سيف الدولة... ثم يشتبك المتنبي برحلته الثانية... ثم عاد لموطنه الأصل العراق ولكنه لم يجد في العراق صاحباً مثل سيف الدولة... وهنا أصبحت حياته حياة استقرار بليد... ومن هنا عاد في رحلة لليأس ونهاية الآمال... وكانت آخر النهايات لبطل تراجيدي قتله شعره".
المسألة هنا لا تتعلق بتعدد القراءات بقدر ما تنحصر بنمط تفسيرٍ يُفضي إلى تبسيط تاريخي غير مُعلن؛ إذ تُعرض سيرة المتنبي في هذا المقطع ضمن خط سببي واحد مغلق، تُربط فيه الوقائع بخطاب الشاعر ربطًا مباشرًا وكأن التاريخ يتحرك وفق منطقٍ داخليٍّ واحد. هذا النوع من السرد لا يشتغل بوصفه تحليلًا للسيرة، إنما باعتباره إعادة تنظيم لها؛ تُستبعد فيه عناصر المصادفة وتُخفَّف فيه تشابكات السلطة والواقع، لصالح معنى واحد يُعاد تأكيده في كل منعطف. وبهذا "تُختزل" فكرة التاريخ نفسها، من فضاء مفتوح للأسباب المتداخلة إلى مسارٍ أحاديٍّ يُنتج معنى واضحًا، لكنه معنى يُكتسب على حساب التعقيد. هنا وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية؛ في تحويل حياة تاريخية كثيفة إلى مثالٍ تفسيريٍّ جاهز، يُريح الفهم بقدر ما يُفقِره.
ختامًا
إذا جُمعت هذه التوريقات الأربع من كتاب " اللابس المتلبس" في سياق واحد، فإن الإشكال المنهجي الذي يبرز هو تحوّل القراءة من تحليل للنص إلى تمثيل للذات الجمعية، ومن تفكيك النسق إلى تثبيت نسق بديل لا يقل صرامة.
النقد الثقافي هنا وهو يسعى إلى كشف الموارب ينتهي - من حيث لا يقصد - إلى إغلاق المعنى عند تأويل واحد ويعامل الشعر بوصفه وثيقة اعتراف لا فضاءً للتعدد .
ثم يُلح السؤال:
هل وظيفة النقد أن يكشف إمكانات النص، أم يختصرها في مرآة أخلاقية واحدة؟
ذلك هو الحد الفاصل بين قراءة تُغني الفهم، وقراءة تُنهيه.
والسؤال الأخير: ثم ماذا؟
سبقت شِقوتي؛ وُلِدتُ مثقفًا.
كان من الممكن أن أولد ابن تاجر عطارة، فأتقن وزن الحلبة بالكيلو، وأحسب المكسب على حبّة البركة، وأكتشف أن الدنيا كلها تُقاس بميزانين لا ثالث لهما: الربح والخسارة. كان من الممكن أن أكون ابن سياسي ديموقراطي، أتمرّن منذ نعومة أظافري على فنون الخطاب النبيل، وأتقن تدوير الزوايا وتلميع الفشل، وأجمع في خطابي الواحد بين وعود الفجر وخيبات المساء، ثم أنام في سلام على رصيد من التصفيق. كان من الممكن أن أكون ابن مقاول، وأتعلم منذ الصغر أن "الأساسات" لا تُرى، فلا مانع من الغش فيها، ما دامت الواجهة مثالية، والسقف يتريث بالانهيار حتى يُنسى من بناه.
لكنني، ويا حسرة القلب، وُلدت مثقفًا.
فما المثقف؟ هو ذاك الكائن البائس الذي يتحرك في الحياة على استحياء، رأسه مثقل بالمكتبات، وجيبه مليء بالفراغ، لا يجيد سوى الكلام، ولا يُطلب منه سوى الصمت، يعرف كل شيء عن سقوط الأندلس، ولا يملك ثمن رحلة ثقافية إلى البلد المجاور، يكتب عن قيمة الإنسان، ولا يجد من يعيره كرامة "إعادة النشر"، يعيش مؤمنًا بأن الكلمة قد تُغيّر العالم، بينما يتغير هو كل يوم أمام العجز بمعناه المادي، ويزداد قبحًا كلما ازداد وعيًا.
المثقفون لا يُورّثون، ولا يُصاهرون، ولا يُستشارون في أمر جلل، إنهم صوت في الريح، لا يسمعه إلا من يحمل ذات اللعنة، تجدهم يتزاوجون فيما بينهم، لا حبًا، بل لأن العالم قد أجمع على نبذهم، فلا خيار لهم إلا التسلية بأفكار بعضهم البعض، وحين يرزق أحدهم بولد، يهمس في سره: "اللهم اجعله لاعب كرة، أو على الأقل، صاحب مطعم بخاري"، لكن الطامة أن الولد نفسه يُبدي منذ صغره ميلاً إلى الكتب، فيُغمض الأب عينيه ويقول: "سقيت من لعنتي يا بني، ولم يكن لنا عزاء سواك".
المثقف يحيا كأنه في عزاء دائم، لا يضحك دون سبب ثقافي، ولا يبكي إلا حين يقرأ شيئًا لا يفهمه، لا يعرف كيف يطلب زيادة في أجره، لكنه قادر على شرح نظرية فائض القيمة عند ماركس وهو في منتصف أكله، لا يجيد اقتحام القلوب، لكنه يتقن تحليل أسطورة إيروس في الميثولوجيا الإغريقية، ويثبت صحة وجود قيس ليلى في الثقافة العربية الخالدة، تسأله عن الطعام، فيجيبك بمقطع من رواية، تسأله عن الزواج، فيستشهد بكلمات ابن سبعين، تسأله عن الواقع، فيحدثك عن سجن عباس العقاد... تسأله عن الراتب، فيصمت! فصاحب المكتبة أعلم.
تخيل أن تعيش عمرك كاملًا وأنت تعرف أن سقراط مات مسمومًا لأنه أزعج المدينة بأسئلته، وأن المعري قضى عمره يلعن الناس والدهر والقدر، وأن المتنبي طعنته أبياته قبل أن تطعنه السيوف، وأن ابن اللبانة أوفى الأوفياء يزور خليله الأديب الشاعر في المنفى، ثم تأتي وتعتقد، ولو للحظة، أن مصيرك سيكون مختلفًا؟ لا، بل ستموت مثلهم يا مسكين، على قارعة الحياة، محاطًا بالكتب، منسيًا كفقرة في كتاب لم يُقرأ... رحم الله الدكاترة زكي مبارك.
المثقفون لا يُخلَّدون، بل يُؤرشفون. يدخلون خزائن الغبار، يُذكرون في الندوات لا في الأغاني، وتُكتب عنهم الدراسات لا الأغلفة، ويُبكى عليهم لأسباب نحوية لا عاطفية. نحن مخلدون! ربما، ولكن في أرفف المكتبات، وإن حالفك الحظ بعد ذلك في "ويكيبيديا".
وها أنا، بكل ما فيّ من لعنة، أكتب لك هذه الكلمات، لا طمعًا في ثناء، ولا رجاءً في خلاص، بل لأن لعنة الثقافة تسري في دمي، وتحثني على الكتابة كما يكتب المحكوم عليه ليثبت أنه كان حيًّا ذات فكرة. ستقرأني، ثم تمضي، وسأظل أنا هنا، على ذات المقعد، أدوّن مزيدًا من الإدانات لحياة لم تخترني، ولم أطلبها، ولكنها اختارتني لأكون... مثقفًا.
ولكن يا لها من سعادة.
لن أُورّث لولدي مال التاجر، ولا نفوذ السياسي، ولا دهاء المقاول، ولا عقارات للورثة، بل سأُورّثه ديوان المتنبي، وأغاني أبي الفرج، وعقدًا لا يشبه عقد "خالصة" ولكنه عقد ابن عبدربه الفريد، وتاسوعات أفلوطين. سأترك له مكتبة لا تفتح الأبواب، بل العقول، وسأورّثه الغنيمة الكبرى همّ البحث ووجع السؤال.