Motoko Katakura
باحثة يابانية في الأنثروبولوجيا، اهتمّت في بعض أبحاثها بدراسة المجتمعات المحلية السعودية.
من أبرز أعمالها بحثها الميداني في وادي فاطمة بمنطقة مكة المكرمة، أواخر الستينات الميلادية.
وتظهر في الصور مرتديةً أزياء المنطقة التقليدية "الثوب المسدح والمحرمة والمدوّرة".
#مقال_الجمعة
كيف خسر العالم عقده النفسي مع الممارس الصحي؟
في ليلة باردة من ليالي شتاء تورنتو، أخذت صغيرتي إلى الطوارئ. كانت وقتها دون الثانية من عمرها، وتحتاج إلى سحب عينة دم لإجراء بعض الفحوصات. حاولت الممرضة أكثر من مرة، ثم توقفت وقالت بابتسامة:
"سأطلب زميلًا أكثر خبرة… لديه يدان سحريتان."
بعد دقائق دخل ممرض تبدو عليه ملامح آسيوية، وما إن نظر إلينا حتى قال:
"ما شاء الله… أنتم من السعودية؟"
أمسك بيد طفلتي بهدوء، ثم أدخل الإبرة من المحاولة الأولى.
فعلاً… كانت يداه سحريتين!
سألته وأنا أراقبه ينهي الإجراء:
أين كنت تعمل قبل أن تأتي إلى كندا؟
فقال:
"عملت أكثر من عشر سنوات في مستشفى الدوادمي… وأنا أحب السعودية"
شكرته وانصرف…
لكن شيئًا من تلك المحادثة بقي معي.
لم أفكر وقتها في هجرة الكفاءات، ولا في سياسات القوى العاملة الصحية، ولا في علم النفس التنظيمي. فكرت في سؤال أبسط:
إذا كانت هذه المهارة قد صُنعت هناك… فلماذا أصبحت تُستثمر هنا؟
ومن هنا تبدأ الحكاية…
فلسنوات طويلة كان السؤال الذي يشغل وزارات الصحة حول العالم: كيف نُخرّج عدداً أكبر من الأطباء والممرضين والممارسين الصحيين؟
فبُنيت الكليات، وزادت مقاعد التدريب، وتوسعت برامج الابتعاث والمستشفيات الجامعية، وكان الافتراض الضمني أن الإنسان متى دخل المهنة الصحية سيبقى فيها.
أما اليوم فقد تغير السؤال وأصبح:
كيف تجعلهم يريدون أن يبقوا؟
فالمستشفى يمكن بناؤه خلال سنوات، والجهاز الطبي يمكن شراؤه خلال أشهر، أما الإنسان الخبير فلا يمكن طلبه من شركة توريد.
الخبرة تحتاج وقتًا....
تحتاج آلاف المرضى، ومئات المناوبات، وقرارات صحيحة وأخرى تعلم منها صاحبها، ولحظات من الخوف والتردد، ثم قدرًا متراكمًا من الثقة.
ولهذا عندما يغادر ممارس صحي خبير، فأنت لا تفقد موظفًا فقط…
أنت تفقد سنوات.
وهنا لفتني مفهوم في علم النفس التنظيمي يسمى
العقد النفسي (Psychological Contract)
وهو عقد لا يُطبع، ولا يوقعه الموظف، ولا يوضع في ملفه الوظيفي. إنه الاتفاق الصامت الذي يتشكل بين الإنسان والمؤسسة التي يعمل فيها.
كأن الممارس يقول:
سأعطيكم وقتي، ومعرفتي، وسنوات شبابي، وجزءًا من صحتي. سأستيقظ حين ينام الآخرون، وأتحمل المسؤولية حين يتجنبها الآخرون، وأقف أمام الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا.
وفي المقابل، ماذا ستعطيني المؤسسة؟
ولأجيال طويلة كانت الإجابة واضحة نسبيًا: الأمان الوظيفي، والدخل الجيد، والمكانة الاجتماعية، والاحترام، والتطور المهني، والتقاعد الآمن.
لكن شيئًا تغير...
دخلت الأجيال الجديدة سوق العمل وهي تحمل أسئلة إضافية:
هل سأعيش حياة خارج المستشفى؟
هل يعاملني مديري بعدل؟
هل لصوتي قيمة؟
هل أستطيع أن أقول إنني متعب دون أن يفسر ذلك على أنه ضعف؟
وهل تراني المؤسسة إنسانًا، أم عددًا من المرضى يمكنني معاينتهم؟
وهذه الأسئلة لا تعني أن الجيل الجديد أقل قدرة على الاحتمال. فهذا في ظني اختزال غير منصف.
فالجيل الجديد لم يرفض العمل، لكنه بدأ يرفض فكرة أن يكون الاحتراق الوظيفي شهادة إخلاص. ولم يرفض المسؤولية، لكنه بدأ يسأل عن الثمن النفسي الذي يدفعه مقابلها. ولم يتوقف عن حب المهنة، لكنه بدأ يفرق بين حب المهنة وقبول بيئة عمل تستنزفه باسمها.
ومن هنا بدأ العقد القديم يتصدع...
وفي علم النفس التنظيمي يوجد مفهوم أكثر تحديدًا يسمى
خرق العقد النفسي (Psychological Contract Breach)
ويحدث عندما يشعر الموظف أن المؤسسة لم تفِ بما كان يعتقد أنها وعدته به، حتى لو لم يكن ذلك الوعد مكتوباً.
ومن المهم أن ندرك أن الإنسان لا يستجيب لخرق هذا العقد بالاستقالة مباشرة.
يبدأ الأمر غالباً بتراجع الثقة، ثم يقل العطاء النفسي، ثم الانتماء، ثم الاستعداد لبذل الجهد الإضافي.
ولهذا فالاستقالة في كثير من الأحيان لا تكون بداية المشكلة…
إنها آخر سطر فيها...
والعمل الصحي تحديداً يحمل عبئاً لا يراه الناس كاملاً.
فنحن نرى الممارس الصحي أمام المريض، ولا نرى المناوبات الليلية، والقرارات التي يخشى صاحبها أن يخطئ فيها، والمسؤولية القانونية، وقلق الأسر، والرسائل بعد انتهاء ساعات العمل، والملف الإلكتروني الذي ينتظر استكماله بعد خروج آخر مريض.
وهنا حدث تحول آخر أكثر هدوءًا وأشد أثرًا...
كثير من الممارسين دخلوا المهن الصحية لأنهم أرادوا العمل مع الإنسان، ثم اكتشفوا أنهم يقضون جزءًا متزايدًا من يومهم مع النظام:
توثيق، ونماذج، وموافقات، وطلبات، ومراسلات، ومؤشرات أداء، واجتماعات.
حتى أصبح بعض الممارسين يقضي أمام الحاسب وقتاً أطول مما يقضيه أمام المريض الذي اختار الطب من أجله.
وكل واحدة من هذه التفاصيل تبدو صغيرة منفردة، لكنها حين تتكرر كل يوم تبدأ في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمهنة.
ومن هنا نفهم لماذا دخل مصطلح الاحتراق الوظيفي (Burnout) بقوة إلى الحديث عن العاملين في الصحة...
فالاحتراق أعمق من مجرد التعب...
المتعب قد يرتاح ويعود... أما المحترق وظيفيًا فقد ينام ثماني ساعات ثم يعود في الصباح وهو يشعر أن شيئًا في علاقته بالعمل لم يعد كما كان.
يؤدي المهمة، لكن طاقته العاطفية تتراجع. يبتسم للمريض، لكن الابتسامة تحتاج جهدًا أكبر. ويتخذ القرار، لكن شعوره بالمعنى يصبح أضعف...
ثم يأتي السؤال الخطير:
هل أستطيع أن أعيش بهذه الطريقة عشرين سنة أخرى؟
ومن هنا يبدأ الذهن بالبحث عن باب آخر.
مستشفى آخر.
مدينة أخرى.
دولة أخرى.
أو حتى مهنة أخرى.
ولهذا أصبحت القوى العاملة الصحية سوقاً عالمية شديدة التنافس.
فالعالم يعاني أصلاً نقصاً كبيراً في العاملين الصحيين، وفي الوقت نفسه تواجه كثير من الدول الغنية شيخوخة السكان، وارتفاع الطلب على الخدمات، واقتراب أعداد كبيرة من العاملين من سن التقاعد.
وتدريب طبيب أو ممرض متمرس يحتاج سنوات.
فما الحل الأسرع؟
أن تستقطب شخصاً أُعد بالفعل في مكان آخر.
ولهذا نجد أن نسبة معتبرة من الأطباء والممرضين العاملين في الدول المتقدمة تلقوا تدريبهم أو تعليمهم الصحي خارج الدولة التي يعملون فيها.
وهنا تصبح المسألة أكبر من قصة شخص وجد فرصة وظيفية أفضل.
فالدولة التي تستقطب ممارساً صحياً خبيراً تستقبل معه سنوات التعليم، وتكلفة التدريب، وخبرة المشرفين، والمستشفيات التي مارس فيها، والمرضى الذين ساهموا دون أن يعرفوا في صناعة حدسه السريري.
ولهذا لم تكن يدا ذلك الممرض في تورنتو سحريتين فعلًا.
لقد صنعتهما السنوات.
صنعتهما عشر سنوات في الدوادمي.
صنعتهما محاولات نجحت وأخرى تعلم منها. صنعهما أطفال بكوا حين أدخل الإبرة، وأمهات قلقن، وزملاء علموه، وحالات جعلته أكثر دقة في المرة التالية.
فالأيدي السحرية لا تولد فجأة. الأنظمة الصحية تصنعها ببطء… ثم قد تخسرها بسرعة.
والطبيب الخبير عندما يغادر لا يحمل شهادته فقط، وإنما يحمل حدسًا سريريًا تراكم عبر آلاف القرارات.
والممرضة المتمكنة لا تحمل رخصتها فقط، وإنما تحمل معرفة يصعب وضعها كاملة في كتاب. تعرف متى يبدو الطفل خائفًا، ومتى تكون الأم أكثر خوفًا منه، ومتى يحتاج المريض إلى شرح إضافي، ومتى يوجد شيء غير مريح في المشهد رغم أن الأرقام تبدو طبيعية.
وهذا النوع يسمى المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge).
وهي المعرفة التي تستطيع الكتب والبروتوكولات وصف جزء منها، بينما يتشكل جزء كبير منها فقط بالممارسة الطويلة.
ومع ذلك، فالهجرة لم تعد بين الدول وحدها.
هناك هجرة أكثر هدوءاً تحدث داخل القطاع الصحي نفسه.
طبيب ينتقل إلى شركة تقنية.
ممرض يترك الخط الأمامي للإدارة.
أخصائي يذهب إلى شركة تأمين.
وممارس يختار الاستشارات أو التعليم أو شركات الأدوية أو ريادة الأعمال.
قد يبقى هؤلاء داخل المنظومة الصحية بمعناها الواسع، لكن المريض يفقد وجودهم بجانبه.
وقد نكتشف يومًا أن المشكلة لم تكن في عدد أصحاب الشهادات…
إنما كانت في عدد الذين ما زالوا يريدون الوقوف عند سرير المريض.
والتعويض المالي العادل مهم دون شك، لكنه وحده لا يستطيع إعادة بناء عقد نفسي مكسور.
فالإنسان يعمل أيضًا من أجل الشعور بالعدل، والسيطرة على حياته، والانتماء، والتقدير، والنمو، والمعنى.
فقد يحتمل مناوبة صعبة إذا شعر أن زملاءه يحملون العبء معه. وقد يتحمل موسماً مرهقاً إذا عرف أن له نهاية... وقد يقبل ضغطاً مرتفعاً إذا وثق بقيادته... وقد يعطي المؤسسة أكثر مما تطلب منه إذا شعر أنها ستقف معه عندما يحتاج إليها.
لكن حين تصبح التضحية في اتجاه واحد، يعود السؤال القديم:
ماذا سأحصل في المقابل؟
ولهذا فالممارس الصحي لا يحتاج إلى أن نصفه دائمًا بالبطل.
الكلمة جميلة، لكنها تصبح خطرة عندما نستخدم البطولة لتبرير ما لا ينبغي للإنسان أن يتحمله أصلًا.
فالبطل في خيالنا لا يتعب، ولا يشتكي، ولا يمرض، ولا يحتاج إلى النوم.
أما الممارس الصحي فهو إنسان.
له أسرة، وجسد، وحياة، وقدرة محدودة على الاحتمال.
ولهذا فإن النظام الصحي الجيد لا يحتاج إلى أبطال خارقين كي يستمر.
إنه يحتاج إلى بيئة تجعل الإنسان الطبيعي قادراً على تقديم عمل استثنائي دون أن يدمر نفسه.
وهنا يأتي الحديث عن جداول عادلة، وعدد مرضى معقول، ومسارات مهنية واضحة، وتقنية تقلل العبء، ووقت كاف مع المريض، وقيادات تسمع، وشعور حقيقي بأن الخبرة لها قيمة.
فهناك مفارقة قاسية تقع فيها بعض المؤسسات وربما شهدتموها:
تقضي المؤسسة سنوات طويلة في صناعة الخبرة، ثم تنظر إلى صاحبها بعد ذلك باعتباره شخصًا مرتفع التكلفة يمكن استبداله بمن هو أصغر سنًا وأقل تكلفة.
وفي الوقت نفسه تنسى أن الخبرة التي تريد الاستغناء عنها هي نفسها التي جعلت المؤسسة أكثر أمانًا.
ولهذا عندما يغادر طبيب أو ممرض خبير،علينا أن نسأل كل هذا:
كم سنة خبرة خرجت من الباب؟
وكم ممارسًا أصغر سنًا كان يتعلم منه؟
وكم ذاكرة مؤسسية فقدناها؟
وكم سيستغرق النظام حتى يصنع شخصًا آخر بالمستوى نفسه؟
فالعدد يمكن تعويضه.
أما النضج المهني فيحتاج سنوات.
وفي تلك الليلة الباردة في تورنتو، لم أكن أفكر في شيء من هذا.
كنت أبًا سعيدًا لأن شخصًا ماهرًا استطاع أن ينهي معاناة طفلتي بسرعة.
لكن بعد سنوات أصبحت القصة تحمل عندي معنى آخر.
رجل تعلم في الدوادمي.
تراكمت خبرته هناك.
ثم حملها معه آلاف الكيلومترات.
وفي مستشفى بعيد، وفي ليلة لا يعرفها أحد، استفاد طفل سعودي من خبرة صُنعت في مستشفى سعودي صغير في حجمه، كبير في عطائه.
وهكذا تعمل حركة البشر بطريقة عجيبة.
المعرفة تسافر.
والخبرة تسافر.
والأيدي السحرية تسافر.
والأنظمة الصحية حول العالم تواجه اليوم أسئلة لم يعد من السهل تأجيلها:
كيف نبني مكانًا يجعل أصحاب الخبرة يرغبون في البقاء؟
كيف نجعل الطبيب الشاب يرى مستقبله داخل النظام؟
كيف نجعل الممرضة بعد عشرين عامًا من الخدمة أكثر رغبة في الاستمرار؟
كيف نحافظ على الأخصائي الذي أنفقنا سنوات في تدريبه؟
وكيف يستطيع الإنسان أن ينمو مهنيًا دون أن يكون ثمن هذا النمو أن يخسر نفسه؟
وفي ظني أن الدول التي ستنجح في الرعاية الصحية خلال العقود القادمة لن تكون بالضرورة التي تبني أكبر عدد من المستشفيات، ولا التي تشتري أحدث الأجهزة، ولا حتى التي تخرج أكبر عدد من الممارسين.
ستكون الدول التي تفهم شيئًا أبسط وأعمق:
أن البنية التحتية الحقيقية للنظام الصحي هي الإنسان الذي يعمل داخله.
وأن هذا الإنسان يحمل معه عقداً نفسياً غير مكتوب.
وكل يوم عمل إما أن يقويه أو يضعفه.
و كل مدير، وكل مناوبة، وكل قرار إداري، وكل موقف يشعر فيه الممارس بالتقدير أو الإهمال، يضيف سطرًا جديدًا إلى ذلك العقد.
حتى يأتي يوم يقرر فيه الإنسان بصمت:
سأبقى… أم سأرحل؟
ولذلك فإن العالم لن يستيقظ يومًا ليكتشف فجأة أنه فقد أطباءه وممرضيه وممارسيه الصحيين.
فلقد خسر شيئاً قبل ذلك بوقت طويل…
خسر عقده النفسي معهم
ومن يستطيع إعادة بناء هذا العقد لن يحتفظ بموظفيه فقط.
سيحتفظ بالخبرة، والذاكرة المهنية، والرحمة، والثقة، والمعنى.
وسيحتفظ قبل ذلك كله…
بالأيدي السحرية...
والله من وراء القصد،
النظر الى الطبيب انه موظف مخاطرة كبيره
لانه بيساطه ليس موظفا.
ولو كان موظفا لما كان هو الوحيد الذي ترفع قضايا التعويض ضده ،والسبب في رفع القضايا ضده هو انه صاحب قرار فني وليس موظفا منفذا للتوجيهات.
واقرب مايكون له هو القاضي الذي لايصح ان يحكم وهو قي حالة من الضغط النفسي او الجسدي لاتمكنه من اتخاذ القرار الصحيح.
كما ان تجربة المريض وسلامة المريض مهمة جدا فان تجربة الطبيب وسلامة الطبيب مهمة جدا.
المريض والطبيب رفقاء درب لايمكن لاحدهما ان
يرتاح والاخر متعب.
هناك توجه واضح في ضبط إنتاجية موظفي الدولة، بما في ذلك الممارسين الصحيين والمعلمين.
هذا توجه طيب لا شك.
لكن التطبيق تبنى استراتيجية مؤشرات الأداء الرقمية التشغيلية. وهنا المشكلة.
هناك دراسات كثيرة منشورة من عقود:
توضح أن الضبط الإداري الذي يعتمد على مؤشرات أداء رقمية تشغيلية: سيؤدي إلى مشاكل كثيرة.
أنصح بالاطلاع على وثيقة بريطانية مهمة صدرت في 14 يوليو 2026 عن المجلس الوطني للجودة (NQB)
عنوانها
إصلاح أدوات الإصلاح Reforming the Tools of Reform
يقدم المقال قراءة تحليلية للاستراتيجية العشرية للجودة للرعاية الممولة من الخدمة الصحية الوطنية (NHS) في إنجلترا، موضحاً التحول الفلسفي والتنظيمي في التعاطي مع مفهوم الإصلاح الصحي.
خلاصة الورقة:
إن التطوير الحقيقي والفرص الفعالة للإصلاح المؤسسي لا يتأتيان من إرهاق الممارسين والمؤسسات بمزيد من المؤشرات الرقمية أو متطلبات الامتثال الرقابي، بل يبدآن بـ «إصلاح أدوات ومؤسسات الإصلاح نفسها»؛ وذلك بتصحيح مسار المنظومة الرقابية، التي جعلت الجودة مجرد أداة تفتيش وضغط شكلي.
هذه الورقة تشير إلى ما هو معروف في الأدبيات الإدارية من عقود، من الأثر السلبي للمنظومة الرقابية الشكلية:
مثلا:
1. انحراف الهدف وسيادة "الاستيفاء الشكلي" (Goodhart's Law)
2. ظاهرة "حمى القياس" وإرهاق الكوادر (Measurement Fatigue)
3. الأثر المباشر لنهج "الأقل هو الأكثر" (Less is More)
لكن هذا لا يعني وجود بديل مضمون، فلا ضمانات في الإدارة.
لكن هناك مناهج رقابية أفضل.
من أشهرها:
لا تحاسب الممارس على التفاصيل الصغيرة، لأنها مرهقة له، وتضيع الوقت، وتهدر الكرامة، وتعطي أرقاما شكلية. اجعل تسجيل هذه الشكليات على عاتق التقنية والذكاء الصناعي، أو موظفين مساعدين.
إذن كيف أحاسب الممارس؟
حاسبه على:
الحد الأدنى من مؤشرات الانضباطية
مؤشرات الأثر النهائي (Clinical Outcomes) المعبرة فعلياً عن صحة المريض.
تأصيل المعايير السريرية (مثل معايير NICE): بدلاً من ربط الجودة بالإدارات أو الأشخاص، تُربط الجودة بالمسارات العلاجية الموحدة؛ بحيث مهما تغيرت الهياكل الإدارية أو اندمجت الوزارات والهيئات، يظل المسار العلاجي للمريض ثابتاً ومحمياً.
وهذا التوجه فيه ميزة مهمة جدا:
ينقل ثقل اللوم من الممارس الفرد إلى المنظومة كاملة. الجميع يشعر أنه مطالب بالوصول إلى المستهدفات الحقيقية، التي تنعكس فعلا على صحة المرضى.
والآن مع الذكاء الصناعي أصبح هذا ممكنا.
لا تطالبه بأرقام شكلية كثيرة مرهقة. ولكن قل له سنقيس مدى استفادة المرضى منك. كم مريض تحسن؟ كم مريض تعافى؟ كم مريض تدهورت صحته؟
ولن نلقي عليك اللوم وحدك، بل سنستعمل هذه المخرجات لتحسين الوضع. والمنظومة كاملة تتحمل المسؤولية.
هذا تغيير جذري في ثقافة بيئة العمل.
تبقى مسألة الطاقة الاستيعابية:
الوزارة عليها ضغط مرضى، فتريد أن تستفيد من كل دقيقة من الممارس الصحي.
هذا حقها. لكن كيف؟
تضع معادلة: الكم والكيف.
مثلا: مطلوب من الطبيب معاينة 200 مريض في شهر (مثلا). تمام. لكن نضيف جودة المخرجات الصحية.
ثم مع التجربة يتبين الرقم الذي يجمع بين العدد والجودة.
ختاما: لا يوجد في الإدارة الصحية منهج إداري مضمون. لكن المنهج المرهق للفريق يجب أن يتوقف.
مع التحية لجهود الجميع
@FahadAlJalajel@SaudiMOH@CGCSaudi
The authors of a new Perspective write that the more capable an AI copilot appears, the more likely clinicians are to offload tasks to it, eroding skills required for detecting its errors. Crew resource management can help overcome this “automation paradox.” Read the Perspective by R.-E.E. Abdulnour (@BageLeMage) et al.: https://t.co/enUolR1FEb
هل هذا مكتب فلان؟
قلت له: لا، هو في المكتب المجاور، لكنه غير موجود الآن، تفضل اجلس، ربما يأتي بعد عشر دقائق.
تقدم ثم قال: شكراً لك.
انحنى ببطء مردداً…يالله، ثم جلس.
هنا قدحت في رأسي صورة أستاذي التونسي الشاب قبل عشرين سنة بالتمام والكمال.
فقلت له:
حياك الله يا شيخ.
سألته: هل أنت الأستاذ عمر الزائري؟
التفت إلي وقال:
إيش كون؟
هل أنت من طلابي؟
عرفته تماماً، هو أستاذي الذي قرّب المسافة بيني وبين قصيدة التفعيلة، وهو الذي فتح لي مصراع الأدب العربي بعيداً عن العَلَمين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وهو الذي فتح لي باب الأدب المغاربي.
نظرت إليه، وتذكرت صورته حين قدم إلينا بـ”التي شيرت” و”الجنز”، تذكرت زهرة شبابه وحيويته، وقربه إلى أعمار بعض الزملاء في الفصل. لقد غيرت العشرون عاماً من حركاته وسكناته، وحتى نظراته.
قال لي: شكون أنت يا ابني؟
قلت له: أنا كنت في أول مقعد، في أول فصل، في أول سنة، وأول مدرسة تباشر بها عملك في السعودية.
كأنه بدأ يستعيد مشوار العمر.
قلت له: أنا الطالب الذي كنت تتوقع مني الإجابة كاملة في امتحان النصف الأول من عام (١٩٨٤)، بيد أنك تفاجأت بورقتي، ورسبتني لأول مرة، لكنك عذرتني حين علمت أن جدري الماء “العنقز” كان سبباً في عدم قدرتي على أداء الامتحان.
أهاااا… تكون العربي الصغير؟
هكذا كان يناديني.
نعم، أستاذي، أنا ذلك الصغير الذي تطلب منه أن يأتي لك بأصابع الطباشير من غرفة الوكيل، والذي كنت تقول له: إذا استمريت على هذا الخط، سأمنحك ثمانية من ثمانية. وكم كنت آسفاً أنني لم أستمر، ولذا حصلت على سبعة أو سبعة ونصف من ثمانية، لا علينا المهم أنني أنا العربي الصغير الذي كان يعاني من "الديسلكسيا" لكنك كنت تحب سماع الشعر من لسانه، وربما قدمته على أقرانه، رغم أن من بينهم من هو أغزر منه علماً وأكثر منه حفظاً، العربي الصغير وليس العربي الأخير، الذي كان يبادلك قصاصات قصائد غازي القصيبي وحمزة شحاته بقصائد ابن زيدون وولاّدة بنت المستكفي.
* الصورة المرفقة 👇 قبل ذلك العام بأربع سنوات.
الليل والفقر والقمر..
عام (١٤٠٣هـ) الموافق (١٩٨٣م) نما إلى علمنا ونحن طلاب في المرحلة الابتدائية، أن وزارة المعارف تعاقدت مع خمسين معلماً تونسياً، وبعد عام من هذا العقد ارتأت الوزارة أن التجربة ناجحة، فأكملت مشوارها بالتعاقد مع خمسمائة معلم تونسي في العام الذي يليه. كان نصيب مدرستي في العام الأول أستاذاً لمادة الرياضيات اسمه محمد بلخيرية، وفي السنة الثانية (١٤٠٤هـ) الموافقة لعام (١٩٨٤م) وفد إلينا مدرسان تونسيان آخران، هما أستاذ العلوم (حسناوي)، وأستاذ اللغة العربية الشاب عمر زائري.
كان هذا الأستاذ الأخير ضليعاً في علوم اللغة العربية، كان صغير السن وأقلَّ خبرةً من مواطنيه السابقين، لكنه كان متمكناً وعاشقاً للغة بني يعرب. فحين وجد منهج كتاب النصوص لدينا مقتصراً على عدد معين من الأناشيد، كأنشودة (سل صفحة الأيام تنبئك عن إقدامي)، ترك لنا متسعاً من الوقت بعد إتمام المنهج، ليمنحنا قطعاً شعرية وقصائد نثرية؛رغبة منه في تنمية عقولنا -وربما قلوبنا- من ملكة التذوق الأدبي، منحنا في البداية نصوصاً لعدد من الشعراء والكُتّاب العرب، لكنه اختار لنا ذات مرة قصيدتين فصيحتين؛ الأولى من شعر التفعيلة (الشعر الحر)، والثانية من الشعر العمودي.
كانت القصيدة الأولى للشاعر التونسي الميداني بن صالح، التي تحمل عنوان (قرط أمي). أما القصيدة الثانية فكانت للشاعر التونسي أيضاً جعفر بن ماجد، وعنوانها (رثاء القمر)، وهي التي ألقاها شاعرها بعد المشهد الصاخب والحدث المرتقب عام (١٩٦٩م)، حين هبط “أرمسترونغ” ورفاقه على سطح القمر أمام شاشات التلفزة العالمية.
كانت قصيدة (قرط أمي) حزينة، تحكي كفاح أرملة تغزل الصوف لتطعم يتيمها وتنفق على تعليمه.
ضرب الزمن ضرباته، وكبر هذا الطفل اليتيم، وأصبح شاعر تونس الأول، وفازت قصائده بجوائز ومحافل عربية كبيرة. وكان من أجمل وأروع هذه القصائد قصيدة (قرط أمي)، التي عبّر فيها الشاعر عن قصة والدته مع الفقر، وحرصها على تعليم صغيرها اليتيم، من خلال مغزلها الذي طالما سهرت الليالي وهي تحيك به ملابس أبناء القرية، ومن عوائده تسد رمق طفلها، وتؤمن مصروفه المدرسي.
في هذه القصيدة صوّر الميداني بن صالح ليلة الفراق، حين مدت أمه يدها لتناوله قرطها الأخير تحت ضوء فانوس منزلهم القديم، وتودع ابنها الذي عزم على شد رحاله من القرية ليكمل دراسته في العاصمة تونس. مشهد درامي سجله الميداني بن صالح وهو يقول:
ورنتْ لي،
ودموع العين تجري
…خذه يا ابني،
إنّه ذخري الأخير
لك، يا كنزي الكبير.
إنّ هذا القرط من كدّ يميني
إنّ أسلاكه من نور عيوني
وتجاعيد جبيني
فأنا بالأمس
قد كنت أجاهد
كان لي زند وساعد
أنا أطفأت به ألف خلالة
وملايين المراود
القصيدة حزينة، تحكي قصة الشاعر مع أمه الأرملة الفقيرة. وحتماً لن تجدها كاملة في محركات البحث الرقمية، إلا في روابط “اليوتيوب”، لذا فمازالت غائبة عن المنصات المعنية بعلوم الأدب والشعر والنثر العربي. ولولا أننا حفظناها في صغرنا لما استطعت أن أجد لها نسخة كاملة.
أتذكر جيداً حين نشرت صحيفة الجزيرة قصيدة غازي القصيبي الشهيرة (رسالة المتنبي الأخير إلى سيف الدولة)، تحلقنا أنا وإخوتي حول أخي (فواز) وهو يتمايل طرباً مع أبيات غازي، ويردد معه:
يا سيدي في القلب جرح مثقل
بالحب يلمسه الحنين فيُسكبُ
يا سيدي والظلم غير محببٍ
أما وقد أرضاك فهو مُحبَّبُ
حينها دار حديث طويل بيننا، ورحت أستعرض شاعريتي أمام إخوتي بقصيدة (قرط أمي) التي حفظتها في ذلك الأسبوع.
وفي شهر رجب من ذلك العام، قبل أن يودعنا أستاذنا العروبي الشاب، قدم لنا تحليلاً فنياً لقصيدة (رثاء القمر) للشاعر جعفر بن ماجد. ولأننا مفتونون بالشعر العمودي فقد طربنا مع هذا الشاعر، وهو يصف حال القمر بعد أن وطئته -إن صحت الأخبار- قدم أول إنسان يهبط على سطحه الخالي، واصفاً وجه القمر بقوله:
غريب على سطح السحاب كئيب
له من هموم الساهرين نصيب
يراجع أحلام السنين كأنه
جبين بدا في عارضيه مشيب
ويذكر أياماً له كان أمناً
بعيداً عن الإنسان وهو قريب
وشاهد من مروا وما كان منهم
وأمرهم فينا رآه عجيب
وظل أنيس الحائرين كأنه
خبير بأسرار القلوب طبيب
كان هذا الأستاذ الشاب يقربني إليه، ويطلب أن أساعده في رصد درجات زملائي الطلاب. كان يثق بحبي للعربية، ويمنحني الدرجة الكاملة في النصوص، وكان هو رائد فصلنا. لكننا افترقنا مطلع عام (١٤٠٥هـ) الموافق (١٩٨٥م)، لانتقالي إلى مدرسة قرب منزلنا في نفس الحي.
وتبع هذا الانتقال فراق طويل، حيث ضرب الزمن ضرباته، وتخرجت من الجامعة، والتحقت بالقطاع الخاص، ثم انتقلت إلى القطاع العام. وهناك، أثناء تواجدي في مكتبي، دخل عليَّ رجل في العقد السادس من عمره، بلباس سعودي مكتمل الأركان، سلّم ثم قال:
يتبع 👇
#اليوم_العالمي_للقمر