وأنا أقلِّب دواوين الشعر الشعبي، تستوقفني بعض الأساليب البلاغية البديعة التي تدور على ألسنتهم!
مع أنَّ أكثرهم لا يعرفون مصطلحاتها البلاغية، ولا ضير في ذلك، فيكفي أنها بلاغة العرب ورثوها كابرًا عن كابر.
منها مثلا أنَّ العرب في لغتهم إذا وثقوا من شيءٍ سيحدث في المستقبل، حدَّثوك عنه بصيغة الماضي وكأنه قد وقع؛ لأن الماضي أثبت الأزمنة، فيستعيرونه للمستقبل الذي لم يأتِ بعد.
وهو ما يسميه البلاغيون:
بـ"إبراز المتوقع في صورة الواقع المتيقن" كما ذكر ذلك السكاكي والخطيب القزويني.
هذه لغة العرب، ونزل القرآن بهذه اللغة المعجزة، قال الله في كتابه:
"أتى أمرُ الله فلا تستعجلوه"
والمراد: يوم القيامة.
قال: "أتى" (فعل ماضٍ) وأراد المستقبل وهو يوم القيامة الذي لم يأتِ بعد! ولكن لأنه واقع لا محالة عُبر عنه بالماضي.
وجاء في سورة الزمر: "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ"
مع أنّ النفخ لم يقع بعد، ولكن عُبر عنه بالماضي لتحققه لا محالة.
ومن شواهده أيضا مطلع ألفية ابن مالك-رحمه الله - عندما استهل ألفيته بقوله:
قالَ محمدٌ هو ابْنُ مالكِ
أحمدُ ربي اللهَ خيرَ مالكِ
فبدأ بـ (قالَ) : فعل ماضٍ، مع أنه ما يزال في مطلعها ولم تكتمل بعد، ولكن لثقته بربه أنه سيوفقه لإتمامها؛ استخدم الفعل الماضي (قالَ) وأراد المستقبل، وكأنه قد انتهى من كتابتها، وهو للتو قد بدأ!
قال الإمام ابن عطية الأندلسي رحمه الله:
"وفائدة سوق الماضي في موضع المستقبل، الإشارة إلى أنه في الثبوت كالماضي الذي قد وقع"
والسيوطي-رحمه الله- أشار إلى هذا المعنى في ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان:
ومِنهُ ماضٍ لمُضَارِعٍ وُضِعْ
لكونِهِ مُحَقّقًا نَحو فَزِعْ
وأما شواهده في الشعر الشعبي فليست بالقليلة منها قول الشاعر الكبير سعد بن جدلان:
لا بغيت اسج ولَّا انبسـط ساعـه
(دق) قلبي من وراء حدْب الاضلاعي
يقول: "لا بغيت" أي: إذا أردتُ-في المستقبل- أن أسلى وأستأنس…، دقَّ قلبي!
وجاء بالفعل الماضي(دقَّ) وكأنه قد حدث في ماضٍ سَلَف وانتهى، مع أنه لم يأتِ بعد، ولم يقل: يدقُ قلبي. بل استخدم الماضي لأمر سيحدث في المستقبل،
مع أنه شاعر عامي لم يتعلم البلاغة، ولا يعرف مصطلحاتها ولكنها بلاغة السليقة العربية التي تجري على ألسنتهم.
رحم الله الشاعر وأموات المسلمين.
*أقف على مثل هذه الظواهر في الشعر الشعبي كثيرًا أثناء تقليب الدواوين بعضها أكتب عنه، وبعضها أضعه في الشواهد إلى حين.
لا تكاد تجد مشكلةً أدبية أو أسرية أو اجتماعية أو قرارات مصيرية ...إلخ
إلا ومنشؤها عندما تتحدث العاطفة ويصمت العقل.
فالقاتل إذا قَتَل فإنهم يرون قتلَهُ عدلًا وإنصافًا، ثم إذا أَبى ولي الدم عن التنازل، ونُفّذ القصاص، يلومونه لعدم تنازله.
تصفّق عواطفهم أولًا، والعقل يدفع الثمن آخرًا.
هذه الازدواجية في المواقف لا تمر مرور الكرام على النبيه، بل هو اختبارٌ للجلساء، يُحتفظ بنتائجه لمجلسٍ لا يُدعى إليه أهل العواطف.
بغض النظر مَن الأول ومَن الأخير، فعلى ملاك الإبل عامّة وعلى المشاركين في مسابقات النادي خاصّة أن يعلموا أنّ هذه البهائم لها ربٌّ تشكو إليه مَن سامها سوء العذاب، وأنّ الله يمهل ولا يهمل، ومَن استطاع أنْ يُفلت من أنظمة البشر فكيف سيُفلت من ربِّ البشر؟
وعقوبات البشر لا تساوي شيئا أمام عقوبة الله.
فقد عذّب الله امرأةً وأدخلها النار في هرّةٍ سجنتها حتى ماتت!
وانتصر النبي ﷺ للجمل الذي ذرفت عيناه عند رؤية النبي ﷺ واشتكى له قسوة صاحبه، وأنّه يُجيعُهُ ويُحمّله ما لا يطيق فأنصفه النبي ﷺ.
ولا أقصد بهذه الكلمة الإسقاط على فلان أو علّان، ولكنها نصيحة مشفق عليكم من النار، لأجل عَرَضٍ من الدنيا قليل، فاتقوا الله في هذه البهائم.
حياك المولى وبياك أخي محمد، وأسعد الله مساءك بالمسرات
سؤالي-وفقك الله- كان عن الهلالي القصير، في قولك في الكتاب:(والأخير-أي الهلالي القصير- من الصعوبة بمكان ولا يزن عليه في الخليج سوى ثلاثة شعراء)
وهذا العبارة أخرجت ما عدا هؤلاء الثلاثة مِن الشعراء الذين كتبوا على الهلالي القصير، وكأنه لا يُحسن الكتابة عليه في الخليج- على قولك- سوى هؤلاء الثلاثة فقط!
وأما تعليلك في التغريدة بالأكثرية في قولك:(هم أكثر الشعراء المعاصرين الذين وزنوا على الطرق الهلالي) فهذا التعليل غير مُلاقٍ لعبارة الحصر في الكتاب بقولك:(لا يزن عليه في الخليج سوى ثلاثة شعراء)!
والتعليل في التغريدة عن الهلالي عموما، وليس عن الهلالي القصير وهو محور الحديث! والهلالي عموما كَتب عليه شعراءُ كُثُر.
وأما تعليلك بالكثرة فَدعْنا مثلا نأخذ ديوان الشاعر مسلَّم البحيري (ذكريات الأمس) وقد قرأته سابقا وخرَّجتُ الديوان كاملا، ولم أجد فيه قصيدةً واحدة كُتبت على الهلالي القصير!
بل حتى الهلالي الطويل لا يوجد في الديوان سوى ثلاث قصائد واحدةٌ بَدْعٌ من صاحب الديوان واثنتان ردٌّ على شاعر!
فإذا كانت كثيرة أين هي عن الديوان؟
وأما ما يتعلق بضبط شعراء الشعبي للهلالي والخلط فيه، فلا يكاد يسلم منه أحد، بل حتى بعض من ذَكرتهم يخلطون أيضا، كقول البحيري في مطلع قصيدةٍ على الطويل، العروض:(مفاعلن) والضرب:(مفاعيلن) والمطلع مصرَّع:
يا مرحبا بك عدّ ما هل همّالي
أو عدّ ما لاح برقٍ بالسما العالي
صدر المطلع على: عولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
بينما العجز على البحر البسيط(الهجيني الطويل):
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعْلن
وليست المشكلة في (عولن) فهذه علة خرم ورخصة للشاعر وإن كانت قبيحة، ولكن الإشكال أن العجز خرج عن الوزن.
وكذلك في القصيدة نفسها قال في الصدر:
(لو كان ما بيني وبينك مَعَرفه)
وهذا الشطر وافق وزن المسحوب:
(مستفعلن مستفعلن فاعلاتن)
ويمكن تخريجه أيضا على ثالث الطويل مع علة الخرم:
(عولن مفاعيلن فعولن فعولن)
وليس على (مفاعلن) كأشطر الصدر.
وفي كل الأحوال-بارك الله فيك- نحن لسنا نتصيَّد الأخطاء على الشعراء ولكن أرى في عبارتك في الكتاب مصادرة لحقوق شعراء معاصرين كبار كالسديري مثلا؛ لأن الأجيال تفنى ويبقى المكتوب.
وكما تعلم-بورك فيك- أنّ استقراء الشعر الشعبي كله من الصعوبة بمكان على الباحث، ولكنْ حسبُنا ما نقف عليه، فإن كان لديك استقراء لعدد القصائد التي كُتبت على الهلالي القصير:
(فعولن مفاعيلن فعولْ فعولْ)
لكل شاعرٍ ممن ذكرتهم فأتحفنا به مشكورًا مأجورًا، ونحن سندين لك بالفضل والسبق في هذا الاستقراء، ولكي يعلم الدارسون لساحة الشعر الشعبي أنّ تفضيلك لهؤلاء الأفذاذ بُني على استقراء صحيح.
مع تقديري لمن ذكرتهم فلهم باع في الساحة يُحفظ لهم، غفر الله لهم وأحسن إليهم وإليك.
شاكرًا رحابة صدرك أخينا المبجَّل، وأنا على يقين أنك ستتقبلها بصدرٍ رحب، وجليل الاحترام ووافر التقدير لشخصك الكريم.
أخوك/ أبو محمد
اللهم أدعوك دعاءً لا أعرف كيف أرتبه ،
فأنت تبصر الفؤاد وتلمس حاجة قلبي بيدك
اللهم إيّاماً كما أحب، وحالاً إلى ما هو أفضل، وهماً لا يبقى قائماً في صدري وفرحةً ليس لها انتهاء .