" كل ما أحببته في هذه الحياة، لم أفقده كما يفقد الناس أشياءهم ، بل انتُـزع منّي انتزاعاً ، وأُجبرت على أن أمد يدي مودعاً ما كنت أتمنى أن أمدها إليه لأحتفظ به ، فكنتُ كلما أحببتُ شيئاً ، وضعتُ له في قلبي مكاناً لا يليق إلا بالبقاء ، ثم جاءت الأيام فأخذته وتركتني أمام مكانه الفارغ أتعلم كيف أعتاد غياباً لم أختره ، وكنتُ أقول بعد كل فاجعة سيهدأ القلب مع الأيام - وهدأ فعلااً - لكن ليس لأن الوجع انتهى ، بل لأن القلب أنهكته كثرة المقاومة فتعلم أن يسكن بجوار ألمه.
أنا لستُ ضعيفاً والله يعلم كم مرة وقفتُ في الموضع الذي كان يحق لي فيه أن أنهار ، ولكنني إنسان وهذه هي الحقيقة التي لا تنفع معها كل صلابة الدنيا ، للإنسان قلب مهما قويت عليه الأيام ، يبقى فيه شيء لا يقوى على الفقد.
أحياناً يغلبني حزني ، لا لأنني عاجز ولكن لأن ما فقدته كان عزيزاً إلى الحد الذي يجعل القوة نفسها تبدو خيانة له ، وأشدُ ما يؤلمني أنني لم أفقد الأشياء التي أحببتها مرة واحدة ، كل فقد أخذ معه قطعة مني ، حتى صرتُ بعد أعوام من الوداع ألتفت إلى نفسي فأجدني ما زلتُ هنا ، لكنني لا أعرف أين ذهب ذلك الرجل الذي كان يفرح بسهولة - ويطمئن بسهولة - ويحب دون أن يحسب حساب النهاية.
لقد علمتني الحياة درساً قاسياً ( أن بعض الأشياء لا تُمنح لنا لنملكها وإنما لنحبها فقط ، ثم نُبتلى بفقدها ) ، وما أقسى أن يكون الإنسان وفياً لما أحب ، بينما الحياة لا تكون وفيّه له.
لهذا لا تسألني لماذا أتعب أحياناً ، ولا تظن أن صمتي دليل نجاة ، فثمة أحزان لا تصرخ وإنما تستقر في قاع الروح وثمة دموع لا تنزل من العين لأنها أقدم من البكاء وأعمق منه.
أنا لا أبكي ما ذهب فقط ، أبكي نفسي التي ذهبت معه.
- وأعترف:
لم تعد تخيفني المصائب كما كانت ، الذي يخيفني الآن أن أحب شيئاً جديداً وأن أفتح له باب قلبي ثم يأتي يوم آخر فأُجبر على الوقوف عند الباب نفسه ، أراقبه وهو يرحل وأبتلع وجعي وأقول ( تم لا بأس )
أي ضريبة هذه التي يدفعها القلب حين يحب بصدق؟
أن يكون ثمن كل عزيز فيه جزء من روحه؟
وأن يصبح المرء من كثرة ما ودع خبيراً بالرحيل إلى الحد الذي يتمنى معه لو لم يحب أحداً ، لا كراهية للحب وإنما خوفاً من أن يعرف الفقد مرة أخرى؟
لقد رضيتُ بما كتب الله، وسأظل راضياً لكن الرضا لا يمحو الندبة.
- قد تُغلق بعضُ الأبواب ، ويبقى القلبُ وفياً لما وراءها".