المدير الجبان: حين يصبح التمسّك بكرسي المنصب شغله الشاغل
حين يصبح التمسّك بكرسي المنصب هو الشغل الشاغل للمدير، تنحرف بوصلته عن مصلحة العمل، وتتحرّك قراراته وفق أهوائه ومخاوفه وحساباته الشخصية؛ فيتحوّل المنصب في نظره من أمانةٍ ومسؤولية إلى مكسبٍ شخصي يطارده الخوف الدائم من فقدانه.
عندها يتهرّب من اتخاذ القرارات الجريئة التي تقتضيها مصلحة العمل، ويقدّم سلامته الوظيفية على كل اعتبارٍ مهني أو أخلاقي. يخشى المساءلة، فيفقد توازنه، ويلجأ إلى الصمت أو التسويف أو القرارات الرمادية؛ فيمشي بمحاذاة الجدار، ويترك المشكلات تتفاقم، والحقوق تتعطّل، والكفاءات تُهمَّش، ما دام ذلك يجنّبه تحمّل المسؤولية ويحفظ له موقعه.
ولا تقتصر آثار هذا السلوك على العمل، بل تمتد إلى المرؤوسين؛ فتتزعزع ثقتهم بقيادته، ويصبح وجوده مصدر تهديدٍ لاستقرارهم الوظيفي وصحتهم النفسية والاجتماعية. فالموظف الذي يرى مديره يتهرّب من القرارات الصعبة، ويتخلّى عنه عند الأزمات، يفقد الإيمان بعدالة المؤسسة، وتنطفئ في داخله جذوة الحماس والمبادرة والعطاء.
والمدير الجبان يظنّ أن التردّد والحذر المفرط يحميان منصبه، بينما هو في الحقيقة يقوّض مشروعيته، ويفرّغه من معناه القيادي، ويهيّئ الأرضية لمن هو أجدر منه. فالمنصب الذي يُحمى على حساب الواجب لا يعود أداةً لخدمة المصلحة العامة، بل يتحوّل إلى منفعةٍ شخصية، وتغدو المسؤولية فيه شكلًا وظيفيًّا منزوعًا من مضمونه الأخلاقي والمهني.
وهذا النمط من المسؤولين لا يسيء إلى العاملين فحسب، بل يضرّ بسمعة المنظمة ومكانتها وثقافتها وقدرتها التنافسية؛ لذلك يجب الحذر الشديد من إيكال المناصب القيادية إلى من يخشى فقدان الكرسي أكثر من خشيته ضياع الحقوق وفشل المؤسسة. فالقيادة ليست فنَّ البقاء في المنصب، بل شجاعةُ اتخاذ القرار، وتحملُ المسؤولية، وحمايةُ المصلحة العامة، ولو كان ثمن ذلك مغادرة الكرسي بكرامة.