مضت الأيام.. الأسابيع.. الأشهر.. وها هي السنة الخامسة للتو قد أنقضت.. ١٨٢٥ يوم بعد فقد شقيقي الغالي #محمد_عصام_الخميس رحمه الله… سقا الله تلك الليالي التي جمعتنا بك.. مضت على عجل وسرعة وكأننا لم نقضيها عقوداً طوال.. سلام عليك في الغياب كما كنت سلاماً في الحضور..
قال رسول الله ﷺ: “كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون.”
وإن وقع يومًا خطأ في حق أحد، فنسأل الله المغفرة، ونسأله أن يرزق القلوب صفحًا وسماحًا.
فالله يعلم أن القصد ما كان أبدًا أذى.
📍في مثل هذا اليوم قبل ٤ سنوات:
تلقينا النبأ الأصعب .. والخبر الذي انشطرت بحلوله الحياة الى شطرين: قبل رحيل أخي محمد وبعد رحيل محمد "رحمه الله".
فلا أحد يحضرك لفاجعة رحيل من كنت تتناول معه الفطور صباحاً إلى الأبد. ولعل هذه هي المفارقة دائماً أن اليوم الذي ستتغير فيه حياتك إلى الأبد، يبدأ كيوم عادي تماماً .. ترتدي ثوبك المألوف .. تأكل فطورك المعروف .. كل شيء من حولك يبدو هادئاً وديعاً .. نسمة الهواء .. حركة السيارات.. صوت المارة .. أخبار الراديو .. لا سحب ولا رعد ولا برق ينبؤ باقتراب وقوع العاصفة.
ثم تصطدم فجأة بقاع بئر سحيق لم تقرأه أقدامك .. ماذا ستفعل بحضرة كل هذا الفراغ؟ كيف ستبتلع كل هذه الأسئلة؟ كيف ستطفئ نار الشوق ولوعة الغضب؟ كيف ستتعامل مع سيرته وذكرياته وأحلامه ومتعلقاته؟
سيعلمك الجميع طوال حياتك كيف تمتلك الأشياء لن يعلمك أحد ماذا تفعل حين تفقدها!
كيف تبكي كل كلمة لم تقلها .. وترثي كل شعور لم تعبر عنه .. لتعيش طويلاً في فضاء المساومة .. ماذا لو؟ وربما كان يجب ..
هذه هي الحياة .. متقلّبة متغيرّة وهشة .. تعتقد أنك بنيت قواعد راسخة في مركزها الثابت.. وتنسى أنك جرم صغير ينبتُ على هامش تاريخها الطويل اللامبالي.
رحلة فقد محمد وضعتنا أمام قواعد الحياة ونواميس الكون مرة أخرى .. كدرس صعب هربنا منه طويلاً .. لا شيء مضمون مهما بدا الأمر كذلك .. جميعنا نعيش على ضفاف هذه البحيرة الغامضة التي يدعونها «الحياة» ولا ندري متى تسري مراكبنا بلا عودة.
لا تنتظر طويلاً أن تعيش .. لا تنتظر طويلاً أن تعبر .. قل كلمتك .. واتبع حدسك .. وافهم درسك.
وإلى الشقيق الحبيب الغالي محمد .. كل ١١ فبراير وأنت الذكرى الأصعب والأعذب .. وأنت صاحب الحضور الصاخب والغياب الأكثر صخباً .. كل عام وأنت أنيس حواراتنا رغم الألم .. ونور دواخلنا رغم الانطفاء ..جليس سمراتنا .. ورفيق وجباتنا .. وملهم قراراتنا .. وصدى أشواقنا.
أبشرك، بأن دعواتنا لك لم تتوقف وحديثنا عنك لم ينطفئ .. مازلنا نستحضر جمال فكرك وشجاعة رأيك ووضوح مواقفك .. أنت هنا وهناك .. معنا وبيننا .. رفيق أيامنا وأحلامنا وأصدق صلواتنا وأعمق دعواتنا.
رحمك الله وأكرم نزلك ورفع درجاتك وجعلك مكرماً منعماً في رحاب جناته بصحبة والدي عصام وجميع موتى المسلمين.
الحلم ياتيني بزولك و اراعيه
وفي كل حلم اقوم قبل اتحفاه
واعشق سميك في البزارين و ادعيه
واقبل خـطـاه الا اخطى و اتلقاه
واسمـك يروعني اذا مرّ طاريه
واحب ملقوفٍ يسـولف وطراه
وصلك يخيط الصدر والبعد يفريه
ويابري حالي كان صديت برياه
📍لماذا نسافر؟
«نسافرُ حتّى نبتعدَ عن المكان الذي أنجبَنا ونرى الجهةَ الأخرى من الشروق. نسافر بحثاً عن طفولاتنا، عن ولادات لم تحدث. نسافر لتكتمل الأبجديّاتُ الناقصة. ليكونَ الوداع مليئاً بالوعود. لنبتعدَ كالشَّفَق يرافقُنا ويودِّعُنا. نمزّق المصائر ونبعثر صفحاتها في الريح قبل أن نجد – أو لا نجد – سيرتنا في كُتُب أخرى.
نسافر نحو المصائر غير المكتوبة. نسافر لنقولَ للّذين التقيناهم إنّنا سنعود ونلتقي بهم. نسافر لنتعلّم لغة الأشجار التي لا تسافر. لننزعَ عن وجوه الغرباء أقنعةَ الغُربة. لنُسِرَّ للعابرين بأنّنا مثلهم عابرون وبأنّ إقامتَنا مُوَقَّتة في الذاكرة والنسيان. بعيداً عن الأمّهات اللواتي يشعلن شمعةَ الغياب، ويرقِّقن قشرة الوقت كلّما ارتفعت أيديهنّ إلى السماء.
نسافر حتّى لا نرى أهلنا يشيخون، ولا نقرأ أيّامهم على وجوههم. نسافر في غفلة من الأعمار المبدَّدة سَلَفاً. نسافرُ لنبلّغَ الذين نحبُّهم أنّنا لا نزال نُحبّ، وأنّ البُعدَ لا يقوى على دهشتنا، وأنّ المنافي لذيذة وطازجة كالأوطان. نسافر حتّى إذا ما عدنا إلى أوطاننا أحسسنا أنّنا مهاجرون في كلّ مكان. هكذا بغتةً، ننفضُ عن أجنحتنا الشرفات المشرَّعة على الشمس والبحر.
نسافر حتّى لا يعودَ ثمّة فرقٌ بين هواء وهواء، بين ماء وماء، بين سماء وجحيم. نهزأُ من الوقت. نجلسُ وننظرُ إلى المدى. نرى الأمواج تتقافزُ كالأطفال. يمضي البحرُ أمامنا بين سفينتَين، واحدة ترحل، وأُخرى من ورق في يد طفل.
نسافر لنخدعَ الموت، فنتركه يتعقَّبُنا من مكان إلى آخر. ونظلُّ نسافر إلى أن لا نجدَ أنفسنا في الأمكنة التي نسافرُ إليها. لنضيعَ فلا يعثر علينا أحد.»
الأديب اللبناني عيسى مخلوف