عزيزتي نوال،
استشهد أبي وأمي في هذه الحرب، وهما على فراشهما في صباحٍ عادي. لم يكونا يحملان سلاحًا، ولم يشاركا في أي مواجهة، بل كانت حقيبة الدواء هي الشيء الوحيد الذي يحملانه.
قتلتهما إسرائيل كما قتلت آلاف الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء.
ومع ذلك، لم أشعر يومًا أن أبي وأمي ذهبا فداءً لشخص، ولا فداءً لاسم، ولا فداءً لدولة.
ما أؤمن به هو أنهما ذهبا فداءً لموقف ومبدأ، فداءً لفكرة الوقوف إلى جانب الحق ورفض الظلم وعدم الاستسلام له مهما كانت التضحيات.
وعندما يقول الناس "فدى إيران" أو "فدى فلان"، فهم لا يقصدون شخصًا بحد ذاته، بل ما يمثله بنظرهم من وقوف في وجه طغاة الأرض الذين يمارسون القتل والظلم بلا ذرة إنسانية أو رحمة. بالنسبة لهم، القضية أكبر من الأشخاص والأسماء، وأكبر من الحسابات السياسية الضيقة، بل هي موقف أخلاقي وإنساني في مواجهة مشروع يرونه قائمًا على القتل والاحتلال وإخضاع الشعوب بالقوة.
قد نختلف في السياسة، وقد نختلف في قراءة الأحداث، وهذا حق طبيعي للجميع.
لكن إذا كان كل هذا الدم، وكل هذا الدمار، وكل هذه المشاهد اليومية من قتل الأطفال والنساء والأبرياء لا تكفي لرؤية من هو الظالم ومن هو المظلوم، فهناك مشكلة تتجاوز السياسة بكثير وتمس إنسانيتنا نفسها.
الجنوب يباد لأنّه رفض الخضوع ويدمّر لأنّ أبنائه لا يركعون إلا لله .. رجاله يصارعون الشرّ بعزم الكربلائيّين .. ويهزؤون بالأعداء .. وبمن ظنّ يومًا أنّهم أصدقاء فما باعوه غير الوهم والكلام.
جبل عامل .. عيد الأضحى ٢٠٢٦
عندما تنتهي الحرب لا تنسوا حكايات من قضوا في الشوارع يبحثون عن حنفية ماء أو كسرة خبز أو سقفٍ يأويهم واصطادتهم مسيّرة معادية .. لا تنسوا من فضّل البقاء في منزله مخافة الذلّ في مدن الحضارة ومات في غارة حربيّة كي لا يتوسّل من لئيمٍ كيس إعاشة أو فرشة ..