عن الخيال.
يمنحنا الخيال الفرصة لتصوُّر إمكانات جديدة؛ إنه منصَّة انطلاق جوهرية لجعل آمالنا تتحقق. يحفز إبداعنا، ويخفف مللنا، ويسكن آلامنا، ويعزز لذتنا، ويثري علاقاتنا الأكثر حميمية. عندما يُسحب الناس بشكل قهري ومستمر إلى الماضي، إلى آخر مرة شعروا فيها بالمشاركة الشديدة والعواطف العميقة، فإنهم يعانون فشلا في الخيال، وفَقْدًا في المرونة العقلية.
من دون خيال لا يوجد أمل، ولا فرصة لتصوُّر مستقبل أفضل، ولا مكان نقصده، ولا هدف نصل إليه.
والبحر عظيم ، والشاعر هو الذي يشعر بعظمته وجلاله ، ويرى في صفحته الرجراجة صور الأمم التي طواها، والمدن الي محاها، والدول التي أبادها، وهو باق على صورته لا يتغير ولا يتبدل، ولا يبلى على مر العصور والأيام .
قيل لأعرابي: هل تُحدِّثُ نفسَك بدخول الجنة؟
فقال: واللهِ ما شككتُ قطُّ أني سوف أخطو في رياضها، وأشرب من حياضها، وأستظل بأشجارها، وآكل من ثمارها، وأتفيأ بظلالها، وأترشف من قلالها، وأستمتع بحورها في غرفها وقصورها.
فقيل له: أفبحسنةٍ قدَّمتها، أم بصالحةٍ أسلفتها؟
فقال: وأيُّ حسنةٍ أعلى شرفًا، وأعظمُ خطرًا من إيماني بالله تعالى، وجحودي لكل معبودٍ سوى الله تبارك وتعالى؟
فقيل له: أفلا تخشى الذنوب؟
فقال: خلق الله المغفرةَ للذنوب، والرحمةَ للخطأ، والعفوَ عن الجرم، وهو أكرمُ من أن يعذب محبيه في نار جهنم.
فقيل له: إن الرجاء قد غلب عليك.
فقال: إنما أعرف ربًّا كريمًا، وعد فأوفى، وأعطى فأجزل، وعفا فتفضل، وما ظني بربي إلا خيرًا.
فكان الناس إذا ذُكر لهم حديث الأعرابي حسن ظنهم بالله، ورجوا رحمته، ولم يقنطوا من فضله.
- البصائر والذخائر لأبي حيّان التوحيدي،
إن كنت تعلم أنك قد أخذت على الدهر عهدًا أن يكون لك كما تريد في جميع شئونك وأطوارك، وألا يعطيك ولا يمنعك إلا كما تحب وتشتهي، فجدير بك أن تطلق لنفسك في سبيل الحزن عنانها كلما فاتك مأرب، أو استعصى عليك مطلب. وإن كنت تعلم أخلاق الأيام في أخذها وردها، وعطائها ومنعها، وأنها لا تنام عن منحة تمنحها حتى تكر عليها راجعة فتستردها، وأن هذه سنتها وتلك خلتها في جميع أبناء آدم، سواء في ذلك ساكن القصر وساكن الكوخ، ومن يطأ بنعله هام الجوزاء، ومن ينام على بساط الغبراء، فخفف من حزنك، وكفكف من دمعك، فما أنت بأول غرض أصابه سهم الزمان، وما مصابك بالبدعة الطريفة في جريدة المصائب والأحزان.
أنت حزين؛ لأن نجمًا زاهرًا من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينيك نورًا، وقلبك سرورًا، وما هي إلا كرة الطرف أن افتقدته فما وجدته، ولو أنك أجملت في أملك لما غلوت في حزنك، ولو كنت أنعمت نظرك فيما تراءى لك لرأيت برقًا خاطفًا ما تظنه نجمًا زاهرًا، وهنالك لا يبهرك طلوعه فلا يفجعك أفوله.
أسعد الناس في هذه الحياة من إذا وافته النعمة تنكر لها، ونظر إليها نظرة المستريب بها، وترقب في كل ساعة زوالها وفناءها، فإن بقيت في يده فذاك، وإلا فقد أعد لفراقها عدته من قبل.
لولا السرور في ساعة الميلاد ما كان البكاء في ساعة الموت، ولولا الوثوق بدوام الغنى ما كان الجزع من الفقر، ولولا فرحة التلاقي ما كانت ترحة الفراق.
_ مصطفى لطفي المنفلوطي من كتاب النظرات.