يقظة وغفلة ، قومة وسهوة، فمن تدارك واقع أمره صقلته الضراء وإلا قتلته، ورفعته السراء وإلا لفتته، لفتته عما هو فيه وما يُراد به، فالسرور والحزن قبض وبسط سائران متغيران كالليل والنهار، وسبحان من يغير ولا يتغير.
فابصر بقلبك إن ترم بخيامهم
وصلا ودع عنك الذي يتقلب
"ما زال يلاقي المرء من نفسهِ نُزوعًا إلى عاداتها ، ولو كانت العادات سرّ شقائها وظاهر بأسائها، فالدنيا خاطفة للمرء من نفسه، والنفس - إن راعيتها - قالت لا تراع
والمرء يشقيه الذي يعتاده كرها وينسى في غدٍ ميعاده
على أن اللذة والألم ليسا بطرفي نقيض في سرورها وحزنها ، وإنما الطرفان
الإنسان مشغول بما ينقصه، مَصدوف عن ما يملكه، لا ينتبه إلا إذا سُلبت من يديه نعمة يرفل فيها، ولو استقرأ زوال المُكتمل في حياته، لعرف فضل الله عليه، ووقر الإيمان في قلبه، وبه ارتقى سعيه، فلا يَغلب الشك يقينه، ولا السخط رضاه.
لو اجتمعت للمرء كل أشكال المواساة، وتنوّعت عليه ألوان السلوى، ما مسحت على قلبه يدٌ أحنُّ من يقينه بأن الأمر كله لله، وأنه في ظل عناية لا تخيب، وأن الله هو المتولّي لأمره، والكافي لهمّه، والسّاتر لضعفه.
لو كنتُ أعجَبُ مِن شيءٍ لَأعجَبَني
سعيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القدَرُ
يسعى الفتى لأمورٍ ليس يُدرِكُها
والنفسُ واحدةٌ والهمُّ منتشِرُ
والمرءُ ما عاش ممدُودٌ لهُ أملٌ
لا تنتهي العينُ حتى ينتهِي الأثرُ
- كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
وإن لحظةَ السَخطِ لتُعَكِّرُ سنواتٍ من الصبرِ كما يُعَكِّرُ الترابُ كأسَ الماء، وإنْ صفوَ القلب ليس يُدركُ إلا بالرضا، فإنْ كانَ قَدَرُ اللّه واقعًا لا محالةً فالأَجر بالرضا بالحكم، واللطفُ في حسنِ الظنٌ، والنجاةُ في التضرعِ والدعاء.
وإن الحكمةَ لتَخفى على العبدِ كُليةً حتى لم يعد أمامَهُ سبيلٌ إلا التسليم، وإن الدنيا لتضيقٌ بالعبدِ على رحابتِهَا حتى لم يعد فيهَا سَعَةً إلا بالله، وإنْ ما كَتِبَ فَي اللوحِ واقعٌ بالرضا أو بغيرِهِ والله وحدَه هو المعين، مَا شاءَ الله كانَ ولا رادْ لأمرِه.