وكأنَّها رسالةٌ إلهيّةٌ تقولُ لنا إنَّ البهجةَ التي لا تعرفُ الدربَ للفقراءِ هي تعاسةٌ لقلوبِ مَن يظنّونَ أنَّهم أحياء.
وقبل أن تقعَ #مأساة_عائلة_يونس فقد وقعتِ الأمانةُ من عاتقِ الذين حُمِّلوا بها، - وعلى كلِّ مسؤولٍ له يدٌ فيما حدثَ لهذه العائلةِ، ويحدثُ لكثيرٍ غيرِها - أن يُعِدَّ عُدَّتَهُ لمساءلةِ الملكِ الديّانِ "يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلّا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ".
*دمعةٌ على باب الوطن*
بقلم: صالح بن ناصر المحروقي
إزكي / 19 نوفمبر 2025
في مساءٍ سبق اليوم الوطني بيومٍ واحد، تلقّى العمانيون خبراً لا يُحتمل، عائلةٌ كاملة من سبعة أفراد وُجدت بلا حياة في أحد بيوت العامرات، وقد مرّت أيامٌ قبل أن يكتشف أحدٌ غيابهم، حتى بدأت الأجساد تدخل مرحلة التحلل، وتحول البيت إلى صمتٍ ثقيل لا يحتمله قلب.
أعلنت الشرطة في بيانها الأولي أنّ الوفاة نجمت عن استنشاق غاز أول أكسيد الكربون من مولد كهربائي استخدمته الأسرة بعد انقطاع الخدمة عنها، وما تزال الملابسات قيد التحقيق، غير أنّ المعنى الذي يطل من خلف التفاصيل لا يحتاج إلى زمان طويل كي يظهر، لأنّ الحقيقة أشد وضوحاً من كل بيان.
استخدام المولد لم يكن رفاهيةً ولا خياراً سهلاً، بل كان آخر ما تملكه أسرة فقدت مصدر دخلها، وانقطعت عنها الكهرباء بعد عجزها عن السداد، فبحثت عن بديل، ولم تجد أمامها سوى حلٍّ يفتح باب الضوء ويغلق باب الحياة في الوقت نفسه.
الحدث هنا لا يُقرأ بوصفه خطأً فردياً أو حادثاً عارضاً، بل يُقرأ بوصفه جرحاً في ضمير دولةٍ غنية بالنفط والغاز والثروات المعدنية، ومع ذلك تموت فيها أسرةٌ بسبب فاتورة، ويقف فيها المواطن على حافة الخطر بينما يقف فوق أرض يُفترض أنها قادرة على أن تحميه وتكفيه.
آخر ما يليق بوطنٍ واسع الموارد أن يدفع عائلاته إلى هذه الزاوية الضيقة، وأن تتحول سياسات التقشف إلى عبء يهبط على الضعفاء قبل غيرهم، وأن يصبح الإصلاح المالي مطرقة تهوي على رأس من لا يملك سوى رزقه اليومي، بينما تستمر الموازنات في السير على أرقام لا ترى وجوه الناس.
لم يكن تأثير التوجيهات الاقتصادية الخارجية أمراً بعيداً عن المشهد، فهي التي دفعت الدولة إلى تقليص الدعم ورفع كلفة الخدمات، حتى صار المواطن يواجه فاتورة بعد فاتورة، وقراراً بعد قرار، دون أن يجد شبكة أمان توقف سقوطه، ودون أن يجد ذراعاً تمتد إليه في لحظة انكساره.
تتسع دائرة المسؤولية حين نرى أنّ الفساد الصامت يفتح الطريق أمام هذا الانهيار، وأن ضعف الإدارة وتراخي الرقابة سمحا لهذه الفجوة أن تكبر، حتى صار المواطن يشعر أنّ حياته معلقة بخيطٍ رفيع، وأنه لا يملك صون نفسه إذا تعطلت وظيفته أو انقطعت موارده.
والأب الذي فقد عمله لم يفقد مجرد راتب، بل فقد قدرته على حماية أسرته، وفقد القدرة على مواجهة فواتير تتراكم كالحجارة، فلم يجد مخرجاً، ولم يجد عملاً آخر، ولم يجد باباً يستقبله، فتحول العجز إلى مأساة، وتحول الليل إلى نهايةٍ لم يكن ينتظرها أحد.
والمشهد هنا يصبح أكثر مرارة حين ننظر إلى واقع السوق، فالوافد يجد عملاً ومساراً مستقراً، بينما المواطن الذي بُنيت البلاد لأجله لا يجد ما يسند حياته، وهذه ليست مقارنةً تهدف إلى العداء، بل إشارة إلى خللٍ عميق يفرض إعادة النظر في إدارة الموارد وفرص العمل.
ثم نصل إلى الجرح الاجتماعي الذي لا يقل ألماً، عائلةٌ كاملة تموت لأيام دون أن يفتقدها جار، أو يسأل عنها قريب، أو تنتبه إليها مدرسة، أو ينتظرها مسجد، وكأنّ الخيوط التي كانت تربط الناس انقطعت، وكأنّ البيوت أغلقت أبوابها على عزلة لا ترحم من يسقط داخلها.
غياب السؤال أخطر من غياب الكهرباء، لأن السؤال دليل حياة، وهو ما يكشف أنّ المجتمع أيضاً يمر بمرحلة من الانكماش العاطفي، وأنّ الروابط التي كانت تؤنس الوحدة وتمنح الناس قوة، باتت أقل قدرة على الامتداد إلى الآخرين، وهذا في ذاته نذير لا يجوز تجاهله.
ما جرى ليس حادثاً عابراً، بل إنذارٌ وطني يطرق أبواب الجميع، إنذارٌ يقول أنّ الخلل لا يختبئ في مكان واحد، بل يتوزع بين السياسات والاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية، وأنّ التغاضي عن هذا الحدث اليوم سيفتح الباب لأحداث أشد قسوة غداً.
تحتاج الدولة إلى بناء منظومة حمايةٍ حقيقية لا تترك المواطن وحده تحت ثقل الحياة, وإلى منع قطع الخدمات الأساسية عن الأسر العاجزة, وإلى مراجعة سياسات التقشف التي أثقلت الناس, وإلى إعادة الاعتبار للإنسان الذي هو أساس الوطن, فحياة المواطن ليست رقماً في دفاتر الموازنة، بل قيمةٌ لا يجوز أن تسقط من أجل فاتورة أو قرار.
ما أقساه من رحيل وما أعظمه من ابتلاء.
روح وريحان تظلل هذه العائلة الشهيدة ونسأل الله أن يعوضها برحمته وواسع لطفه جنان عرضها السموات والأرض .
#مأساة_عائلة_يونس
إذا صح ما يتداول عن أن سبب الحادث هو مولّد كهربائي لجأت إليه الأسرة بسبب انقطاع الخدمة، فهذه ليست مجرد واقعة عابرة… هذه مأساة أخلاقية قبل أن تكون فنية. وعلى كل مسؤول معني أن يشعر بثقل هذه الفاجعة على كتفيه، وأن يتحمل مسؤوليتها الأدبية أمام الله والمجتمع، فحياة الناس أمانة.