من أمس وأنا أفكر في هذه التغريدة، وفي بالي كلام كثير لدرجة إني راح أغلق الردود لأن النقاش في هذا الموضوع من الأشياء المتعبة.
لكن غالباً لو صادفك إنسان جاء وسألك هذا السؤال في أرض الواقع فلا تستخف بسؤاله حتى لو أنت مقتنع برد معين في خاطرك، لأن هذا السؤال مدخل لشيء سوداوي وعميق داخل نفس المتكلم.
قبل مدة وقعت على محاضرة لأحد المفكرين ولن أذكر اسمه حتى لا يتحول النقاش حول طرحه، كان يتكلم عن أسئلة المعنى التي تهبط على الإنسان وتختبر إحساسه بوجوده في هذا العالم.
ثم أورد كتابين لفهم هذه المعضلة، الأول للكاتب فيكتور فرانكل واسمه الإنسان والبحث عن المعنى، وكتاب ثاني لألبير كامو اسمه أسطورة سيزيف.
أما فيما يتعلق بالكتاب الأول وهو الكتاب الأكثر إيغالاً في تفاصيل الألم والكآبة والنظرة التشاؤمية، تقرأ الكتاب وتحس إنك تتابع فيلم رعب حقيقي.
فرانكل كان يوصف معسكرات الاعتقال والمحارق والجوع والبرد في معسكرات الاعتقال النازية، وكيف إن الواحد فيهم ينام هو ومجموعة يتغطون بلحاف واحد من شدة الزحمة والبرد.
في عز هذا الظلام وفي وسط كل هذا الألم اللي يخليك تصرخ من داخلك وين العدل، فرانكل لاحظ ملاحظة غريبة جداً. لاحظ إن السجين اللي كان يقدر يصبر وما يروح يرمي نفسه على الأسلاك المكهربة عشان ينتحر، ما كان بالضرورة هو الأقوى جسدياً لكن هو الشخص اللي عنده معنى يعيش عشانه. المعنى هذا هو اللي خلاه يتحمل أقصى درجات الظلم البشري.
أما بالنسبة للكتاب الثاني اللي هو أسطورة سيزيف عشان، كامو طرح فكرة العبثية من خلال أسطورة يونانية عن ملك تمت معاقبته بأنه يدفع صخرة لقمة الجبل، وكل ما يوصل للقمة تطيح الصخرة ويرجع يدفعها من جديد إلى ما لا نهاية.
كامو كان يشوف إن حياة الإنسان الخالية من الإيمان تشبه هذا العذاب بالضبط، بلا هدف وبلا عدل، والحل الوحيد في رأيه إن الإنسان يخادع نفسه ويصنع له أي معنى وهمي عشان يقدر يكمل يومه وما ينهي حياته.
طيب لو أخذنا الحياة بهذا الشكل المادي، بحدود بدايتها ونهايتها في هذه الدنيا، وبكل اللي نشوفه فيها من مصائب وأمراض وفقد وظلم وعبث، الإجابة المباشرة اللي بتنط في راس أي واحد هي لا، طبعاً الحياة مو عادلة. يعني أنت لو تقيس العدل باللي يحصل هنا بس راح تصاب بالجنون.
فيه كلام عجيب للإمام القرطبي وهو يفسر آية (لقد خلقنا الإنسان في كبد) سرد فيه قائمة طويلة من العذابات اللي تمر على الإنسان من يوم يولد وتُقطع سرته، مروراً بألم الأسنان والهموم والديون، لين يكبر وتضعف ركبته وصولاً لسكرات الموت. معنى كلامه أن هذه الحياة هي مسلسل متصل من التعب والمعاناة للكل.
زين وين العدل إذا كانت الدنيا كذا؟ الحياة بمفهومها الدنيوي المحدود ماهو مطلوب منها أصلاً تكون دار جزاء كامل. هي دار ابتلاء وممر، يعني طبيعي جداً تكون في كبد. بس الفكرة إن هذه الدنيا ليست هي القصة كاملة للمؤمن، وهذا اللي يفصلنا عن نظرة سيزيف العبثية.
فيه مشهد أخير وفيه يوم آخر يكتمل فيه ميزان العدل. المعاناة اللي تمر فيها، الظلم اللي تتعرض له، الألم اللي ينهش روحك وما أحد حاس فيه، هذا كله له وزن وله معنى وله حكمة عند إله عليم وخبير. لا توجد صخرة تدفعها عبثاً، ولا يوجد ألم يضيع هباءً.
يعني بمعنى أدق، العدل لا يُقاس بحدود سنوات عمرك القصيرة في هذه الأرض. العدل يكتمل لما تكتمل الصورة كلها وتفضي إلى الله، ووقتها راح تفهم حكمة كل دمعة نزلت منك.
ولذا لفتتني جملة عظيمة لدوستويفسكي انذكرت في ختام المحاضرة يقول فيها يوجد شيء واحد فقط يروعني وهو ألا أكون جديراً بآلامي. الخوف الحقيقي ليس من غياب العدل، ولكن من أن نخرج من هذه المعاناة بدون أن ترتقي أرواحنا وتكون فعلاً جديرة بهذا الامتحان.
عيناكِ هل تدرينَ ما عيناكِ
كوْنانِ لكن دونما أفلاكِ
هل تقبلينَ أعيشُ دمعاً فيهما ؟
وإذا بكيتِ تُعيدني كفّاكِ
إنّ الجمالَ من الشقاءِ فكلّما
زادَ الجمالُ تجاوزاً أشقاكِ