«الإنسان فصيحُ الشكوى، أعجميُّ الشكر، يُتقن عدَّ ما ينقصه، ويتلعثم أمام ما يملكه.
يشكو تأخّر أمنية، وينسى نعمًا جاءت دون أن يطلبها، يُحصي ما فقد، ويغفل عمّا بقي»
—سجيّة الإنسان
"وهذا ليلٌ سجى، أستغفرك ياربِّ إن نظرتَ إلى قلبي فلم يكن كما أردت، فإن حوى عثرةً فتلك منيّ، وإن ضمَّ خيرًا فذاك من فضلك، وإن وجدتُ فيه إحسانًا فذلك لطفُك بي، تجاوز ياربِّ عمَّا كان من ضعفي برحمتك، ومن خطئي بعفوك، ومن تقصيري بكرمك، فأنت أهلُ العفو والمغفرة.."
إنها تلك الأوقات التي تضيق عليَّ فيها الأرض بما رحبت وتضيق عليَّ نفسي.
أستغيث وأستجير بإسم الله الواسع، وأقلب نظري في السماء الواسعة الرحبة وأقول: يارب!
سبحانك الناس على كثرتهم يضيقون علينا الدُنيا،
وأنا ألجأ إلى رحاب سعتك ويدك الملأى التي لا تغضيها النفقة!
ذلك الإبتلاء الذي جعلك تتوارى عن أعين الناس وتذهب لله في دجى الليل، شاكيا وداعيا وراجيا
لم يكن عبثا بل كان رحمةً من اللّٰه ليقربك منه وكان رحمة من اللّٰه لينزع من صدرك حب الدنيا وزينتها وكان رحمة من اللّٰه ليرفعك منازل عنده، فاحمد اللّٰه لأنّك حتى في ابتلاءك تؤجر، ربك غني كريم
أتعبَّدُ إلى اللهِ بالمحاولاتِ،
ولا أملكُ شيئًا في هذه الحياةِ إلَّا أن أحاولَ!
أُخفِقُ تارةً، أصيبُ الأخرى،
أيأسُ مرةً، يزورُني الأملُ مرةً أخرى،
وهكذا تسيرُ الأمورُ، وتدورُ..
يا ربِّ،
تقبَّلها منِّي، وتقبَّلني."))
«فضائلك لا خصلةَ لكَ فيها؛ فهي مِنحٌ من الله تعالى لو مَنَحَها غيرَك لكان مثلك، وإنَّك لو وُكِلْتَ إلى نفسك لعجزتَ وهلكتَ؛ فاجعلْ بدلَ عُجبكَ بها حمدًا لواهبك إيَّاها وإشفاقًا من زوالها»
المواقف الصعبة تعلمك إن الرحلة فردية وأنك متمكن وقادر تعيش حياتك بقلب شجاع لايهاب فالأوجاع تعلمك إن لاتخاف وأن تواجه كل شيء مهما كان صعب عليك مواجهته المواقف الصعبة تعلمك أن تخيط جراحك وتقف من جديد بكل ثبات وبلا تردد وأن تكون متوكل على الله بلا يأس مهما حدث.
(من ضيق الاختيار؛ إلى سعة الافتقار).
وأنا أقلب بعض الملفات القديمة استوقفني هذا المنشور الذي جعلت الخاطرة تعليقًا عليه، وقفت عنده كثيرًا متأملًا جلال هذه الدعوة العظيمة: (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)؛ فلاح لي أن العبد عندما يدعو بها فإنه لا يسأل حاجة مسماة قد حدّها سياج عقله القاصر، وإنما يعرض فقره الذاتي على الغني الكامل في غناه، من لا تخفى عليه خافية، ويعلم عاقبة الأمور، فيقف بباب الجود عاريًا من كل شيء سوى ما يرجوه من خالقه جل في علاه.
فالخير مجهولٌ في جنسه وقدره، معلومٌ في مصدره وسحائبه، والنعمة مجهول موضعها ولكنها تُستمطر من العليم ببواطنها، فكم من حاجة تعلّقها القلب فكان فيها هلاكه وهو لا يشعر، وكم من حاجة هو في أشدِّ الفاقة إليها ولكنها خفيت عليه، فلم يهتد إلى سؤالها والدعاء بها، وكم من بُلغة يُظنُّ فيها صلاح الحال تغدو على نقيض ذلك إن زاد فيضها عن قدر الإصلاح، وأمور أخرى وأحوال يتيه فيها الفكر من حيث ظن كمال الخيرية في مطالبه التي يرجوها، فيفر العبد من ذلك كله إلى ظلال التفويض، وينزع من قلبه شوك التعلق بالمفقود، فيعظم فرحه بالخير الموجود، ثم لا ينكسر لفوات بُغية، لأنه يعلم أن الخير فيما يختاره رب البرية.
فليس الشأن أن تظفر بما تُحب، وإنما الشأن أن تُحب ما يختاره الله لك، وهذا التجرد هو عين ما نطق به وهيب بن الورد، عندما سئل عن الموت أو البقاء؛ أيهما أحب إليه؟ فقال: (أنا لا أختار شيئًا، أحبُّ ذلك إليّ، أحبّه إلى الله)، عندها اهتزت نفس سفيان الثوري أمام هذا الجواب، فقال: (روحانيّة، وربّ الكعبة)، وما الروحانيّة التي عناها سفيان إلا أن تتجرد النفس من تدبيرها، لتُحلِّق في فضاء الرضا والتسليم، فيستوي عندها العطاء والمنع؛ لأنه اختيار الله!
فمن عرف فقره؛ فرَّ إلى غنى خالقه، ومن أدرك قصور نظره؛ اتكل على كمال نظر الله له، فرضي بمواقع القدر رضا المسوق بحبّ، ثم لم يتخيّر على خالقه وإنما اطمئن لتدبيره، ووقف بعقله موقف المتأدب الذي لا يتعقّب تقديره، فهبت عليه بعدها نسائم الروحانية التي وصفها سفيان، وفُتح له باب من النعيم والسرور الذي لا يشبه نعيم الدنيا، وفقه شيئا من المعنى الذي وصفه عمر بن عبدالعزيز بقوله: (أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر)، وما ذكره عامر بن عبدالله بقوله: (أحببت ﷲ حبًّا سهّل عليَّ كل مصيبة، ورضَّاني في كل قضيَّة، فما أبالي مع حُبِّي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت)، قال ابن رجب: (من وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشه كله في نعيم وسرور).
ولا شك أن في مقام التفويض سرًّا من أسرار الجلال، وعتبة من عتبات النعيم المعجل، وعبوديّة حقّة يخلع العبد فيها عن كاهله مؤونة التدبير، ويلقي بمقاليد حيرته في واد من السكينة، فلا يعرف القلقُ مسلكًا إليه، والله المستعان!