#أبو_بكر_الصديق
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نفعني مَالٌ قط ما نفعني مَالُ أبي بكر» ، فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن ما خطّتْه يدُك في حق نساء الأنصار رضي الله عنهن جرأةٌ فاجرة، وسقطةٌ شنيعة، واعتداءٌ سافرٌ على حرمات خير القرون؛ لم تكتفِ فيه بالجهل الفاضح بصنعة الحديث ولسان الآثار، حتى ركّبتَ فيه لفظ "الشؤم" والغمز اللئيم على فضليات الصحابيات اللاتي زكّاهن الله ورسوله من فوق سبع سماوات. إن هذا الصنيع تتبّعٌ خبيثٌ للعورات الموهومة، واقتطاعٌ مُغرضٌ لنصوص السنن لثلب جيلٍ طهّره الله، وبيانُ ضلال هذا المسلك وتهافته ظاهرٌ مقطوعٌ به من وجوه:
أولاً: رمي نساء الأنصار بالشؤم أو الحرمان جنايةٌ ومخالفةٌ لصحيح الآثار؛ فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ استقبل نساء الأنصار وصبيانهم فقام مُمثِلاً (أي قائماً منتصباً إكراماً لهم) فقال: « اللهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ »، وقال ﷺ: « آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ »، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: « نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ؛ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ »؛ فكيف يُنعت بالشؤم من هذا فضلُهن ومكانتهن؟
ثانياً: الأثر المروي في الامتناع من نكاحهن لغيرتهن مرسلُ الإسناد غير ثابتٍ موصولاً، وعلى فرض صحته؛ فليس فيه ذمٌّ لدينهن، وإنما الغيرة جِبلّةٌ وطبيعةٌ في النساء، وكان ﷺ صاحب أزواجٍ وضرائر، فكره أن تفضي غيرة إحداهن إلى ما يُحرجها أو يُثقل على قومها وهو الحريص على تأليف قلوبهم. والغيرة لم تخلُ منها نساء قريش؛ فقد قالت أم سلمة رضي الله عنها لما خطبها النبي ﷺ: « إِنِّي امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الغَيْرَةِ » فدعا الله لها، وغارت عائشة رضي الله عنها فكسرت الصَّحْفَةَ فقال ﷺ رفقاً بطبعها: « غَارَتْ أُمُّكُمْ »؛ فالغيرة طبعٌ لا يقدح في فضل صحابية.
ثالثاً: مراجعة نساء الأنصار لأزواجهن لم تكن نشوزاً ولا قلة دين، بل من باب المشاورة والمحاورة بالمعروف، كما صحّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الصحيح أنه قال: « وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ »، فسمّاه عمر «أدباً»، ولما ذكره لرسول الله ﷺ تبسّم وأقرّه.
رابعاً: أثر ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾ مسوقٌ لبيان رفع الحرج في هيئات الجماع رداً على أوهام اليهود في الجاهلية؛ فلمّا نزل القرآن أذعن الجميع لحكم الله، فإقحام هذا لثلم منازل فضليات الصحابيات طَعْنٌ خبيث، وغَمْزٌ قبيحٌ في صحابة رسول الله ﷺ، ومسلكٌ ينضح بضربٍ من بغض الأنصار الذي جعله النبي ﷺ آيةً بيّنةً على النفاق.
خامساً: الزعم بمشروعية الوضوء لإطفاء "الغيرة" قياساً على الغضب قولٌ لا أصل له؛ فالعبادات توقيفية، والحديث الوارد في الوضوء عند الغضب معلَّلٌ عند أئمة الحديث، فتعديته إلى الغيرة بمجرد الرأي باطلٌ ومحدث.
وختاماً أقول: لقد ارتقيتَ مرتقىً صعباً، وجنيتَ على نفسك بجنايةٍ عظيمة حين تجرأتَ وأطلقتَ لسانك بالثَّلب والتنقص في حق نساء الأنصار رضي الله عنهن؛ فرميُك لهن بـ"الشؤم" والغمزُ في دينهن وأعراضهن ليس مجرد خطأٍ في الفهم، بل هو طعنٌ لئيمٌ، وجرأةٌ فاجرة، ومسلكٌ نفاقيٌّ مكشوف؛ فإن النبي ﷺ حسمها قاطعةً فقال: «آيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ»، وهن اللواتي استقبلهن ﷺ بنفسه قائماً ومقسماً: «واللهِ إِنَّكُنَّ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ».
فما كان ترك الزواج منهن حطّاً من شرفهن، بل إجلالاً لقدرهن وصيانةً لمكانتهن أن تُكدرها غيرةُ الضرائر، ولكنك عَمِيتَ عن لسان السنن وأدب الآثار، وتكلفتَ الباطل لتصطاد في أعراض خيرة نساء هذه الأمة.
فاتقِ الله، والزم غرزك، وكُفَّ لسانك عن صحابة رسول الله ﷺ؛ فلحومهم مسمومة، والاجتراء عليهم مهلكة، وحسبُك أنك حاربتَ قوماً أوجب الله ورسوله حبهم، وجعل غمزهم آية النفاق والضلال.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن من أصول الفقه والاتباع عند أئمة السنة والحديث ألا تُضرَب نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض، بل يُحمَل كل نص على موضعه ومورده الذي أراده الشارع؛ والاعتراض على فضل جنس العرب بحديث خطبة حجة الوداع: «ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، صادرٌ عن خلط ظاهر بين مقامين متباينين:
المقام الأول:مقام «الاستحقاق والجزاء وميزان الكرامة الأخروية عند الله» وهذا هو الذي جاء فيه الحديث المذكور وتنزلت فيه الآية المحكمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾فمراد النبي ﷺ قطْعُ كبرياء الجاهلية، وإهدار التفاخر بالأحساب والأنساب، وبيان أن مجرد النسب والعروبة لا يُنجي من عذاب الله ولا يُوجب ثواباً ولا يدخل صاحبه الجنة، بل الناس متكافئون في أحكام الشريعة وحدودها وتكاليفها، فلا مزية لعربي على غيره في قبول عمل أو مغفرة ذنب أو نيل منزلة إلا بالتقوى والعمل الصالح؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه»، فالعجمي التقي كـ سلمان الفارسي وبلال بن رباح الحبشي من سادات أولياء الله، والقرشي الهاشمي الكافر كـ أبي لهب «حَطَبٌ» في أسفل دركات الجحيم.
المقام الثاني:مقام «التمايز في أصل الخلقة واصطفاء الأجناس والمعادن» وهو شأن تفضيل جنس العرب على جنس العجم في الجملة لِما اختصهم الله به من الفطرة واللسان ومكارم الأخلاق وطيب المعدن، وهذا تفضيل للجنس على الجنس والنوع على النوع، لا تفضيل لكل فرد على كل فرد؛ وشاهده الصريح قوله ﷺ: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا»، وحديث الاصطفاء المجمع على صحته: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، والاصطفاء هو عين الاختيار والتفضيل
ومثل تفضيل جنس العرب على العجم كمثل تفضيل جنس الرجال على جنس النساء، فجنس الرجال مفضل شرعاً وكوناً، ومع ذلك فإن المعينة من النساء كـ مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء أفضل من ألوف الرجال، فثبوت الفضل للجنس لا يقتضي فضل كل معين من ذلك الجنس
ولذلك أجمع أئمة الصدر الأول من أهل الحديث والآثار كـ الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومن تبعهم على الإقرار بفضل العرب ومعرفة حقهم وسابقتهم، وشنعوا على بدعة الشعوبية الذين طعنوا في فضلهم واستدلوا بظواهر النصوص دون فقه؛ فالتفريق بين فضل المعدن والجنس في أصل الجبلة، وبين انحصار ميزان النجاة بالتقوى في الدار الآخرة، هو التحقيق الذي تنتظم به السنن وتأتلف به الآثار دون تناقض ولا اضطراب.
أنت تُحاسَبُ على ما تفعله باختيارك وإرادتك وكسبك، لا على ما غُيِّبَ عنك في اللوحِ المحفوظ؛ فإنّ كتابةَ اللهِ لمقاديرِ الخلائقِ مبنيةٌ على سابقِ علمهِ الأزلي المحيطِ بكل شيء، وليست قهرًا يلجئك إلى المعصية أو يسلبك الاختيار
فاللهُ جلّ جلاله علمَ قبل خلقِ السماواتِ والأرضِ ما ستختاره وتعمله، فكتبَ ما علمه، وجعل لك مشيئةً وقدرةً تفعل بهما ما تختاره، ومشيئتك تابعةٌ لمشيئته وخلقه سبحانه
ثم إنك حين تُقدم على المعصية أو تترك الواجب، تُقدم عليها وأنت جاهلٌ تماماً بما كُتِبَ لك في اللوح المحفوظ، ولا تشعر بأي قوةٍ خارجيةٍ تقهرك وتلزمك بالذنب رغماً عنك، بل تفعله بقصدك ووعيك وشهوتك؛ فلماذا تسلك طريق الشر باختيارك، فإذا حوسبت عليه اعتذرت بالغيب الذي لم تكن تعلمه؟! ولماذا لا تسلك طريق الطاعة وتقول: «سأفعله لأنه مقدورٌ ومكتوبٌ لي»؟!
ولقد أقام الله عليك الحجة التامة بأن ميزك بالعقل، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجةٌ بعد الرسل؛ فلو كان القدر حجةً تعفيك من الحساب لما كان لإرسال الرسل والأمر والنهي أي معنى
والدليل الفطري والواقعي القاطع أنك في أمور دنياك ورزقك لا تتكل على المقدر المكتوب؛ فرزقك وأجلك مكتوبان كالجنة والنار تماماً، ومع ذلك لا تجلس في بيتك جائعاً وتقول إن كان مقدراً لي الشبع فسأشبع دون أكل، بل تسعى وتعمل وتأخذ بالأسباب
ولو اعتدى عليك أحدٌ في بدنك أو مالك أو عرضك محتجاً بأن الله قد كتب ذلك عليه وقدره في اللوح المحفوظ، لما قبلتَ عذره قط ولطالبتَ بعقابه ومحاسبته
فكيف تحتج بالقدر على رب العالمين في ترك أوامره ومواقعة نواهيه، وترفض أن يحتج به غيرك إذا ظلمك وسلبك حقوقك؟!
ولهذا لما سأل الصحابةُ النبيَّ ﷺ هذا السؤالَ نفسَه: « أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ »، قال لهم النبي ﷺ القول الفصل: « اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ »
فأمر بالعمل لأن الله ربط النتائج بالأسباب، وجعل الإيمان والطاعة سبباً للجنة، والمعصية سبباً للنار، فالعبد مأمورٌ بالشرع ومحاسبٌ ومثابٌ ومعاقبٌ على كسبه وفعله، لا على ما استأثر الله به من سرّ القدر.
قال ابن مسعود رضي اللّٰه عنه:
والذي لا إله غيره ما أعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيراً من حٌسن الظن بالله، والذي لا إله غيره لا يٌحسن عبدٌ بالله الظن إلا أعطاه اللّٰه ظنه، ذلك بأن الخير في يده.
- حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا
عن نافع بن جبير رضي الله عنه :
أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﷺ : " ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل : باسم الله. ثلاثا، وقل سبع مرات : أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر ".
📚رواه مسلم 2202
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما :
أنه كان يكره أن يقول الرجل إني كسلان ويتأول هذه الآية :
{ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى }
[ ابن أبي حاتم في التفسير٦١٣٩ ]
قال التابعي زر بن حبيش : كنا نعرض المصاحف على عبدالله بن مسعود ( رضي الله عنه )
فسأله رجل من ثقيف فقال :
يا أبا عبد الرحمن : أيُّ الأعمال أفضل ؟
قال ابن مسعود : الصلاة , ومن لم يصل , فلا دين له .
[ مصنف ابن أبي شيبة 7719 ]