كلُّنا في كَبَد، ولكلٍّ منّا نصيبُه ومكابَدَتُه.
﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس﴾ فلا تحسَبَنَّ أحداً في الدنيا مقيماً في تعاسةٍ دائمة
ولا آخرَ مخلَّداً في سعادةٍ أبديّة. وحين تمدُّ عينيكَ لتتمنّى ما عند غيرِك من نِعَمٍ لم تُقسَمْ لك ...فاذكرْ أن تتمنّى كذلك نصيبَهم من الكَبَد، والكَدَر الذي قُسِمَ لهم وخُفِيَ عنك.
سلام على قلوب قرأت (وتلك الأَيام نداولها بين الناس) فأيقنت أنها أيام وليست شهوراً ولا أعواما و سترحل معها الآلام !
سلام على قلوب تدبرت (ولم أكن بدعائك رب شقيا) فأيقنت أن صاحب الدعاء لا يشقى أبداً !
ربي إن لك عباداً ينتظرون فرجاً قريباً فبشرهم وعباداً يسألونك الشفاء فعافهم و أنت أرحم الراحمين !!
إنما الصبر مركب، لا يركبه إلا الأقوياء.
أن تُجاهد نفسك على الرضا وقت الحزن، وعلى الشكر وقت المنع، وعلى الثقة وقت الخوف. هذه هي عبودية الصبر التي يُحبها الله ويرفع بها الدرجات.
ما أطال الله عليك البلاء إلا لأنه يرى في قلبك قدرة على التحمل لم يجدها في غيرك، فهو يصطنعك على عينه، ويُهيئك لمنزلة لا يصل إليها إلا أهل الصبر واليقين.
(فَكُلِي وَاشرَبِي وَقَرِّي عَينًا)
هذا النداء الإلهي لم يُوجَّه لامرأةٍ مرتاحة البال، بل للسيدة مريم وهي في أشدّ لحظات ضعفها الجسدي والنفسي، وتواجه مجهولاً قد يمسّ عرضها!
ومع ذلك يأمرها الله بالاطمئنان،
هنا درس يختصر الحياة: سلِّم تدبير الأقدار لله، واطمئن مهما كَبُر العبء…
﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾
And do not extend your eyes
منهجٌ ربّانيّ يُعلّمك ألّا تُقارن نفسك بالآخرين، وبما آتاهم الله من فضله؛ لأنّ لكلٍّ منهم نصيبه في الحياة.
فانطلاقُ البصر إلى ما عند الآخرين غفلةٌ عمّا أعطاك الله من نِعَم،
قد يكونون محرومين منها أو مفتونين فيها
حسن الخلق تاج لا يبلى ورحمة القلب كنز لا يفنى. فالمرء لا يعلو بما يملك بل بما يمنح ولا يوزن بما يجمع بل بما يزرع من ود وأثر جميل.
فليكن المرء كالغيث إذا مر أحيا وكالفجر إذا أقبل أضاء. وما أجمل إنسانا رق قلبه فاشتد أثره ولان طبعه فعلا قدره فذلك هو الغنى وإن قلّ المتاع.
قالﷺ:
" البر حسن الخُلُق "
"أثقل شيء في الميزان : الخلُق الحسن"
"استقم وليَحْسن خلقُك "
"أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقا"
"أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا "
" خياركم أحاسنكم أخلاقا "
" أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا"
" خير ما أعطي الناس خلق حسن"
صححها الألباني رحمه الله
لا تجعل صلاتك ثقلاً... بل اجعلها قرة عينك
كم هو مؤلم أن يُنادى للصلاة، فيتحرك الناس إليها بأقدامهم، بينما تبقى قلوب بعضهم بعيدة عنها. يدخل وقتها فيشعر أنها عبءٌ يريد التخلص منه، فيؤخرها، أو يؤديها مسرعًا، وكأنها دينٌ يريد إسقاطه عن نفسه، لا لقاءٌ ينتظره مع ربه.
ولو عرف القلب حقيقة الصلاة، لما وجد فيها إلا راحةً، ولما رأى فيها إلا نعمةً تستوجب الشكر.
فاشكر الله أن اختارك لتقف بين يديه، وأن أذن لك أن تناجيه، وأن فتح لك بابًا لو أغلق دونك، لضاقت عليك الأرض بما رحبت.
كم من إنسان يسمع الأذان فلا يتحرك قلبه، وكم من آخر حُرم الصلاة بمرض أو موت أو قسوة قلب، وأنت لا تزال تُدعى إليها في كل يوم خمس مرات، أفلا يستحق هذا أن تحمد الله؟
إن الصلاة ليست عبئًا ألقاه الله على عباده، وإنما هي رحمة أكرمهم بها، وغيثٌ ينزل على القلوب اليابسة، ونورٌ يبدد ظلمات النفس، ومأوىً يأوي إليه المؤمن كلما أثقلته الدنيا.
كل يوم تحمل همومًا لا يعلمها إلا الله...
همّ رزق، وهمّ أهل، وهمّ مستقبل، وهمّ ذنوب، وهمّ تقصير... ثم يدعوك ربك الرحيم قائلًا: تعال، قف بين يدي، واشكُ إليّ، وابثث همك لي، وسله من خزائني التي لا تنفد.
فأي رحمة أعظم من هذه؟
إن الناس إذا ضاقت صدورهم قصدوا أبواب الخلق، أما المؤمن فيعلم أن باب الله لا يُغلق، وأن أقرب ما يكون من الفرج وهو ساجد بين يدي مولاه.
ولهذا كان سيد الخلق ﷺ إذا اشتدت عليه أمور الدنيا، لم يهرب إلى متاعها، ولم يفتش عن لهوٍ ينسيه، بل كان يلجأ إلى الصلاة، ويقول:
«يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها».
رواه أبو داود وصححه الألباني.
تأمل هذه الكلمة العظيمة...
لم يقل: أرحنا منها، وإنما قال: أرحنا بها.
لأن الصلاة لم تكن عنده عبئًا، بل كانت راحة، وكانت أنسًا، وكانت لقاءً يشتاق إليه، وكانت قرة عين، كما قال ﷺ:
«وجُعلت قرة عيني في الصلاة». رواه النسائي وأحمد وصححه الألباني.
فإذا كانت الدنيا كلها قد جُعلت قرة أعين الناس في الأموال والمناصب والملذات، فقد كانت قرة عين رسول الله ﷺ في الوقوف بين يدي ربه.
فاسأل نفسك...
متى كانت آخر مرة دخلت فيها الصلاة مشتاقًا إليها؟
ومتى كانت آخر سجدةٍ بكيت فيها لأنك تشعر بقرب الله منك؟
ومتى قرأت الفاتحة وكأنك تسمع جواب ربك؟
إن أكثر ما يحرم العبد لذة الصلاة ليس كثرة الأشغال، وإنما غفلة القلب.
نقف بين يدي الله، بينما قلوبنا تجوب الأسواق، وتراجع الأعمال، وتفكر في الناس، فإذا سلمنا، لم ندرِ ماذا قرأنا، ولا كم ركعة صلينا.
ولو علمنا من نقف بين يديه، لاستحيينا أن ينصرف القلب عنه إلى غيره.
قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16].
وقال سبحانه:
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45].
فالصلاة لم تُشرع لتكون عبئًا، وإنما شُرعت لتكون عونًا، فمن جعلها ملجأه أعانه الله، ومن جعلها آخر اهتماماته، حُرم كثيرًا من خيرها.
واعلم أن الشيطان لا يفرح بشيءٍ كما يفرح حين يرى العبد يستثقل الصلاة، لأنها الصلة بين العبد وربه، فإذا ضعفت، ضعفت سائر الطاعات بعدها.
وتذكر أن أول ما يُحاسب عليه العبد يوم القيامة هو الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت خاب وخسر.
فلا تؤدها على عجل، ولا تجعل همك أن تنتهي منها، بل اجعل همك أن تقبل فيها على الله بقلبك قبل جوارحك.
قف عند كل تكبيرة وكأنك تلقي الدنيا خلف ظهرك.
واقرأ القرآن وكأن الله يخاطبك.
واركع بذلٍ، واسجد بانكسار، وأكثر في سجودك من الدعاء، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
واعلم أن كل سجدةٍ ترفعك درجة، وتمحو عنك خطيئة، وتغسل عن قلبك صدأ الغفلة، وأنك ربما خرجت من صلاةٍ واحدة وقد تبدلت همومك سكينة، وضيقك سعة، وخوفك طمأنينة.
فيا من أثقلته الدنيا...
لا تترك باب الراحة.
ويا من كثرت ذنوبه...
لا تهجر باب المغفرة.
ويا من يبحث عن السكينة في كل مكان...
ستبقى تفتش طويلًا حتى تجدها حيث وجدها رسول الله ﷺ: في الصلاة.
فإذا سمعت النداء، فلا تقل: بقي عليّ أن أصلي.
بل قل: جاء موعد اللقاء.
جاء موعد الراحة.
جاء موعد مناجاة من بيده كل ما أرجو، وكل ما أخاف، وكل ما أحتاج.
نسأل الله أن يجعل الصلاة قرة أعيننا، ولذة قلوبنا، وأن يرزقنا فيها الخشوع، وحضور القلب، ولذة المناجاة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يبعثنا يوم القيامة مع أهل الصلاة والخشوع.
(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنَا)
هذا الخطاب الإلهي لم يوجه لامرأة خالية الذهن مرتاحة البال، بل لامرأة كانت تواجه موقفاً عصيباً، وتنتظر مصيراً قد يعرضها للقذف والتكذيب، وهي في قمة ضعفها الجسدي بعد مخاض مؤلم.ومع ذلك، يأمرها الله أن تسكن وتفرح!هنا مدرسة نفسية عظيمة؛ لو عشناها بصدق، لسقطت كل هموم المقادير، ولعلمنا أن الأقدار الخارجة عن إرادتنا تدبيرها عند الله وحده❤️
﴿يُدَبِّرُ الأَمرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرضِ ثُمَّ يَعرُجُ إِلَيهِ فى يَومٍ كانَ مِقدارُهُ أَلفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ﴾
حسن تدبيره سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى صغر تفكير العبد، لا ترسم طريق الفرج والإستجابة لله وتقول كيف ستُفرج وكيف ستأتي الإستجابة!
دع الأمر للكبير ❤️
بشارة لك
احتفظ بهذة البشارة ستعود إليها قريبا بإذن الله
وأنت تدعو الله، تيقّن أنه يسمع دعاءك، ويعلم ما في قلبك، ويختار لك الخير بحكمته ورحمته. وإن تأخرت الإجابة، فلا تظن أن دعاءك ضاع؛ فربما ادّخر الله لك ما هو خير، أو صرف عنك من السوء ما لا تعلم.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾
الخِيرة فيما يختاره الله، فما يختاره لك هو الخير، وإن جاء على خلاف رغباتك. فالله سبحانه أعلم بما يصلحك، وأرحم بك من نفسك، وكل أقداره تجري بحكمة ورحمة، وإن خفيت عليك أسبابها.
ثق بتدبير الله، وأحسن الظن به، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. فما من أمرٍ قدّره الله إلا وفيه خير، عاجلًا أو آجلًا، تدركه اليوم أو بعد حين.
فلا تيأس، ولا تقنط، واجعل قلبك مطمئنًا بوعد الله، فإن الخير كل الخير فيما اختاره الله لك.