ألومُ نفسي كثيرًا، وأعرف أنّني أظلمها، لكنّني لا أستطيع التوقّف، كأنّ داخلي قاضٍ لا يعرف الرحمة، ومحكمةٌ لا تؤجّل جلساتها، وحكمٌ صدر منذ زمنٍ بعيد وما زال يُنفَّذ في قلبي كل يوم .. أعود إلى الماضي مِرارًا، لا لأسترجع الذكريات فَحسب، بل لأُحاكمها.
أقلب الأعوام كما يُقلب المحكوم عليه ملف قضيته قبل تنفيذ الحكم، أبحث عن سطرٍ سقط من بين الصفحات، عن كلمةٍ لو قيلت في وقتها، عن دعاءٍ لو خرج من القلب بصدقٍ أكبر، عن زيارةٍ لو طالت دقائق إضافية، عن عناقٍ لو تأخر قليلًا، عن أي احتمالٍ صغيرٍ كان سيؤجل ذلك الوداع الأخير.
ومع ذلك، ما زلتُ أقفُ على باب الذكرى، كأنّ قلبي لم يفهم بعد أن الذين أحببتهم لن يعودوا، وأنّ جزءًا مني مضى معهم للأبد، تاركًا لي جسدًا يُكمل الحياة، وروحًا ما زالت عالقةً عند آخر وداع.
ألومُ نفسي كثيرًا، وأغضبُ منها أكثر، وأفتقدُ جزءًا كبيرًا رحل مع الراحلين دون عودة .. أغضبُ من القدر ولا أستطيع لومه، وأعاتبُ القضاء ولا أقدر على محاكمته، فأعودُ إليّ وحدي، كأنني المتهمُ الوحيد في كل ما حدث.
أحملُ ذنبًا لا أعرف اسمه، وأعتذر عن أشياء لم تكن يومًا بيدي، وأقضي أيامي أراجعُ اللحظات التي مضت، علّني أعثرُ على احتمالٍ صغيرٍ كان سيُبقيهم هنا .. لكنّ الحقيقة الأقسى، أنّ بعض الأقدار لا يُهزمها حبّ، ولا يؤخرها رجاء، ولا يردّها بكاء.
غير أن الفهم لم يُثمر في قلبي قبولًاً، وإنما تركني معلّقًا بين محبةٍ لا تقوى على ردّك إليّ، وعجزٍ لا يقوى على الرضا بِرحيلك، فلا أنا بلغت سكينة المُحبين، ولا أنا أفلتُّ مِن لوعة الفاقدين.
كلما ظننت أن الأيام قد روّضت شوقي لك، عاد الحنين أشدَّ رسوخًا، كأنه الوعد الأخير الذي تركته لي قبل الرحيل، فأعيش على ما أبقيته في داخلي من كلماتك، وابتساماتك، ودعواتك، كأنها ميراثٌ من نور، أستضيء به كلما أظلمت بي الطرق، وأستند إليها كلما أثقلتني الحياة.
في جملة إنقالت لي "الطريق السهل ولو طال" وأنا من يومها أفكر فيها على جميع الأصعدة ليش بأختار الطريق الطويل الأسهل كيف بأحس بلذة الوصول لما أنا عليه بكرا، ما في شيء يجي بدون ثمن القصير الأصعب فيه تضحيات لكن الطويل الأسهل فيه ضياع عُمر وممكن يكون على كثر طول الطريق ألقى الوجهه خطأ.
إلى الروحان اللتان فقدتهمَا في غضون أشهر قليلة ليس للفقد معنى بعدكما، مُنذ رحيلكما وأنا أحمل قلبي كشيءٍ نجى بِصعوبة، لكنهُ لم يعُد كما كان أبدًا .. ليس قنوطًا ولا جزعًا ولا وجلاً، ولكنه حزنٌ سكن الروح مِن أقصاها، أودعتكما الإله الذي هو أرحم الراحمين.
فأنت لا تزال في الطور الذي لا يُتيحُ لك أن تُدرك أنك بالإمكان أن تكون على هذا القدر من الحساسية دون أن تكون بهذه الهشاشة .
وفوق ذلك، أنت مقتنع بأن قصة حبك تتوقف على سوء تفاهم: إذا كانت هي فعلاً تحبك، فلأنها لا تعرفك حقّ المعرفة."
" هي قصّة حب لم تكن تترقّبها .. حب من أوّل نظرة على نحو غير متوقع، تواصَلَ بينكما عن طيب خاطر وألقى بك في عالم مجهولٍ إلى هذا الحين، لأنك مع كلِّ لحظة تمُرّ تصير أكثر عشقاً، ومعها تصير على هذه الدرجة من الهشاشة، وهو ما ترفضه بتاتاً،
مغلوبٌ في أمري، كل ما فيّ موارب، نصفُ حضور، ونصفُ غياب، نصفُ حلم لم يكتمل، ونصفُ كابوس لا ينتهي، نصفُ صوتٍ مُرتاب، ونصفُ صمتٍ يتهدّج، نصفُ ندمٍ لا يُقال، ونصفُ عذرٍ لا يُجاب.