جبل حرمون... هديّة الله للبنان
بقلم جورج حايك:
ما أكثر الجبال التي ترتفع على وجه الأرض، وما أقلّ الجبال التي ترتفع في قلب الإنسان.
وحرمون واحد من تلك الجبال التي لا تُقاس بالأمتار، بل بالرهبة. ليس صخرةً تراكمت فوق صخرة، ولا قمّةً تنافس الغيوم، بل فكرةٌ من أفكار الله، تجسّدت حجراً وثلجاً ونبعاً، ثم زُرعت على خاصرة لبنان ليبقى هذا الوطن مرفوع الرأس نحو السماء.
منذ فجر الخليقة، يقف حرمون هناك، لا يتحرّك ولا يشيخ، كأن الزمن هو الذي يمرّ من أمامه، لا هو الذي يمرّ في الزمن. رأى ممالك تولد وتموت، وإمبراطوريات تعلو ثم تنحني، وحدوداً تُرسم وتمّحي، لكنّه بقي واقفاً، لا يحمل سيفاً، بل يحمل الثلج؛ ولا يسكب ناراً، بل يسكب ماءً؛ ولا يعرف سوى لغة الصمت، لأنها اللغة الوحيدة التي تفهمها السماء.
ليس حرمون للبنان وحده، فهو سلسلة جبلية تمتد بين لبنان وسوريا والجولان، إلا أنّ الله شاء أن يجعل سفوحه الغربية والجنوبية تحتضن قرىً لبنانية تشرب من مياهه، وتنام في ظلّه، وتستيقظ كل صباح على وجهه الأبيض. وكأن تلك القرى لم تُبنَ عند الجبل، بل بُني الجبل ليكون سقفها وحارسها.
ويُعرف جبل الشيخ بعلوّه الذي يبلغ 2814 متراً فوق سطح البحر، لكنه في الحقيقة أعلى من ذلك بكثير؛ فالأرقام تقيس الحجر، أما الروح فلا يقيسها إلا الله.
ومنذ آلاف السنين، أدرك الإنسان أن في هذا الجبل سرّاً يتجاوز الطبيعة. لذلك قصده المؤمنون من مختلف الديانات، لا ليعبدوا الجبل، بل ليقتربوا من خالق الجبل. فكلما ارتفع الإنسان نحو السماء، شعر بأن الأرض تصغر، وأن الله يكبر في قلبه.
ولم يكن غريباً أن يحتل حرمون مكانة فريدة في الكتاب المقدس. فعندما أراد الملك داود أن يبحث عن صورة تشرح بركة الوحدة، لم يجد أجمل من ندى حرمون، فقال:
«مثل ندى حرمون النازل على جبال صهيون، لأن هناك أمر الرب بالبركة والحياة إلى الأبد.»
ما أجمل هذا التشبيه! فالندى لا يُسمع له صوت، لكنه يوقظ الحياة. كذلك المحبة؛ لا تصرخ، لكنها تغيّر العالم. وكما ينزل ندى حرمون بهدوء على الأرض العطشى، تنزل نعمة الله على القلوب المتواضعة، من غير ضجيج.
ولذلك لم يصبح حرمون في الكتاب المقدس رمزاً للارتفاع فقط، بل رمزاً للبركة أيضاً. فمن قمته تنحدر المياه، ومن اسمه تنحدر المعاني.
وفي نشيد الأنشاد يرتفع اسمه مرة أخرى:
«هلمّي معي من لبنان... من رأس شنير وحرمون.»
ولم يرَ آباء الكنيسة في هذه الكلمات مجرد وصفٍ لجبل، بل دعوةً إلى النفس البشرية كي تصعد من ترابها نحو نور الله، ولذلك رأوا فيها أيضاً صورةً للعذراء مريم، التي ارتفعت بطهارتها كما يرتفع حرمون فوق السحاب.
ولعلّ أجمل ما في مريم أنها تشبه الجبل؛ عظيمة من غير كبرياء، عالية من غير ضجيج، قريبة من السماء، لكنها لا تترك الأرض عطشى. ولذلك يبدو تمثال سيدة حرمون، القائم في أعالي كوكبا، وكأنه ليس حجراً منحوتاً، بل صلاةٌ واقفة، تستقبل أول شعاع للفجر، ثم توزّعه على القرى النائمة عند أقدام الجبل.
ويذهب عدد من الباحثين إلى أن جبل حرمون قد يكون الجبل الذي تجلّى عليه السيد المسيح أمام بطرس ويعقوب ويوحنا. ولسنا هنا أمام مسألة جغرافية بقدر ما نحن أمام معنى روحي؛ فالتجلّي لا يحدث في المكان المرتفع فحسب، بل في القلب المرتفع أيضاً. وما الجبال إلا مرايا تعكس ما يجب أن يكون عليه الإنسان عندما يقترب من الله.
ومن يدري؟ ربما اختار الله الجبال لأن الضجيج لا يصعد إليها بسهولة، ولأن الحقيقة تحبّ الصمت أكثر مما تحبّ الصخب.
وحرمون يعرف الصمت أكثر من أي جبل. فهو لا يتكلّم، لكنه يعلّم. لا يكتب الكتب، لكنه يفتح صفحات التأمل. يقف منذ آلاف السنين ناسكاً عظيماً، يصلّي بالثلج شتاءً، وبالينابيع ربيعاً، وبالنسيم صيفاً، وبألوان الغروب خريفاً.
إنه ناسك الطبيعة الكبير.
كل شيء فيه يرتفع إلى فوق: الصخور، والأرز، والنسور، والغيوم، والصلوات... حتى الإنسان، عندما يقف أمامه، يشعر أن في داخله شيئاً يريد أن يرتفع هو أيضاً.
ولذلك، لا تنتهي علاقة لبنان بحرمون عند حدود الجغرافيا. فبينهما عهدٌ أقدم من الخرائط. فمن هذا الجبل يشرب الجنوب ماءه، ومن هذا الجبل يستمد المؤمن صور البركة، ومن هذا الجبل يتعلّم اللبناني أن الشموخ الحقيقي ليس في أن تكون أعلى من الآخرين، بل في أن تبقى ثابتاً، مهما عصفت بك الرياح.
يقف حرمون اليوم كما وقف منذ بدء الخليقة؛ شيخاً أبيض اللحية، يحمل على رأسه تاجاً من الثلج، وفي قلبه خزائن المياه، وعلى كتفيه ذاكرة الأنبياء والقديسين. وما تزال الشمس كل صباح تُقبّل هامته قبل أن تشرق على سائر الجبال، كأنها تعرف أنه أول من يستحق النور.
ولعلّ الله، عندما فرغ من رسم لبنان، نظر إلى حرمون مبتسماً وقال في سرّه: هنا وضعتُ الجبل الذي يذكّر الإنسان بأن عينيه خُلقتا لتنظرا إلى السماء.