نسيت شكل حياتي قبل الحرب ومش عارفة كيف رح يكون فيني اتأقلم بس عنجد تخلص وبطّل فكّر بسوداويّة، وانّه بأيّ لحظة ممكن نضطرّ نفلّ ونترك، كيف ممكن يرجع الواحد يحسّ بإستقرار؟
يعودون، كما دومًا..
أحباب قلبي، يعودون، أهلي وأصحابي، يعودون. أبناء الأرض، تينها وزيتونها والنسيم العليل فيها، في طريقهم إليها. تفتح الأرض ذراعيها لهم كما تفعل الأم حين ترى أبناءها بعد غياب، ويهتزّ الهواء فرحًا بعودتهم، كأن الأشجار نفسها كانت تنتظر هذا الموعد. يعودون، لا غرباء أنهكتهم الطرق، بل أصحاب دارٍ عرفتهم الحجارة وحفظت وجوههم النوافذ، فعادت الأشياء كلها إلى أماكنها، وعاد القلب إلى شيء من طمأنينته.
أراهم لا يمشون، بل تحوّلوا إلى طيور. تخفّفوا من أثقال الغياب، ومن غبار الطرق الطويلة، ومن تلك المسافات التي كانت تفصل بين القلب وما يحب. يهبطون على ترابهم كما تهبط الطيور على أعشاشها بعد موسمٍ قاسٍ من الترحال، فلا يسألون عن الطريق، لأن الطريق يسكنهم، ولا يبحثون عن البيت، لأن البيت ظلّ يحمل أسماءهم في صمته.
الحزن كبير، الألم يحتاج سنوات من التشافي والتعافي. الآن ينتهي الحزن الجمعي ويتجه كُلّ شخص إلى حزنه الخاص، إلى الموت والدمار. الآن الفرح والارتياح والحزن تعود إلى سياقاتها، إلى الناس العاديين، تعود لتكون أفراحًا وأحزانًا طبيعية، عادية، تعرف البرد الطبيعي والخوف الطبيعي والموت الطبيعي ربما، بغض النظر عن إرادات الطائرة والصاروخ والقاتل. الآن تتجه إلى الناس العاديين، هؤلاء الذين يعرفون الحقيقة، بغض النظر عما قاله صاحب ربطة العنق على شاشة ممولة أو في صحيفة تُريد كسر هذه الإرادة. الناس العاديون يعرفون لأنّهم ذاقوا طعم الظلم ومرارة الحرمان وتعب من أكل المشي حواف قدميه هرباً من الموت. هؤلاء العاديون يعرفون معنى الأرض ومفتاح الدار وخبز التنور تحت ظلال شجرة. يعرفون بقلبهم العادي معنى الحرية، التي لا تحتاج معجمًا ولا مباحث أو كتبًا لتفسيرها، بل تلك التي تُعرف بالغريزة أو الفطرة. أولئك، أصحاب البيت والألم، انظر إليهم، ماذا يقولون؟ تلك الحقيقة وحدها... لأنهم يعودون، كما دومًا.
وهي البلاد؛ نحن أولادها، وفي أزقّتها علقت ضحكاتنا وعلى حيطانها كتبنا أسماءنا. نحن الماء والهواء والشجر المغروس في أرضِها. فيها ركضنا وفيها وقعنا نتلمّس طريقنا. إنّها البلاد، فيها نضيع ونغضب، عليها نسخَط ونحتدّ، نضع دموعنا في حصّالات خوفًا من أيّام الجفاف؛ مع ذلك، هي البِلاد.