في جوف الليل والناس نيام، يرتفع نداء الخفي إلى من لا تأخذه سنة ولا نوم.
فما من دمعة سقطت في سجود ولا زفرة خرجت من ضيق، إلا وعلمها الله وأحصاها.
إن الله يحب الملحين في الدعاء، ومن آوى إلى ركن ربه وجد كفاية تملأ نفسه ورحمة تغسل همومه وفضلا من لدنه كبيرا.
{إذ نادىٰ ربهُ نداءً خفيا}
تقول حزنتُ يوم أُغلق بابُ رزقي، وظننتُ أن فلانًا هو من أغلقه… حتى أيقنت أن الرزّاق هو الله.
فاستحييت أن أُخاصم سببًا، وأغفل عن تقدير الله مُسبِّب الأسباب.
فاطمأن قلبي، وسلّمت أمري لربي، وقلت:
اللهم لا مانعَ لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعت.
ومن عرف أن الرزق بيد الله… لم يُعلِّق قلبه بأحد
في هذا الوقت، تسقط كل الأقنعة والمجاملات التي فرضتها عليك ظروف العمل والناس طوال اليوم.
يتبقى فقط" أنت"في أصدق نسخة ونقاء.
استغل هذا الصفاء لتسأل نفسك:
ماذا تريد حقاً من هذه الدنيا الفانية؟ ستجد أن غايتك الأسمى هي قلب مطمئن يثق بأن مآله ورزقه عند ربه وحده{وأن إِلىٰ ربك المنتهىٰ}
فالأمل والرجاء كله لله؛ تحرّر من التذلل للناس.
والخوف والحذر كله من ذنبك؛ ركز على إصلاح نفسك بدلاً من الخوف من الظروف المحيطة.
....
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«لا يرجوَنَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنَّ عبدٌ إلا ذنبه».
📖|جامع المسائل.
«ووسّع لي في داري، يا ربّ»
أسال الله دائمًا أن يرزقني السعة، السعة في قلبي وفي عيني، أن يرزقني البصيرة لرؤية براح الكون، وألا يضيق عليَّ صدري ولا تتحدد رؤيتي فلا تبصر النعم والوسع في السماء والعالم."
سرد ابن القيم ما كان يفعله السلف لاستنزال الصواب عند الإفتاء، ثم قال:
«وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجرَّبنا نحن ذلك، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة..
والمعوَّل في ذلك كلِّه على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجُّه في الاستمداد من المعلِّم الأول».
أعلام الموقعين 5 / 176
(فائدة عقدية)
زيادة الإيمان تشمل تصديق القلب ويقينه.
ابن عباس
(إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم): المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه،ولا يصلّون إذا غابوا،ثم وصف المؤمنين فقال: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا) يقول: تصديقًا"
رواه الطبري
فضل التسبيح :
قرأت شيئا لفت نظري فأحببت أن أنوه عنه وأشاركه معكم حتى تعم الفائدة
قد تتبعت التسبيح في القرآن فوجدت عجبا، وجدت أن التسبيح يرد القدر. كما في قصة يونس عليه السلام
قال تعالى: " فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون "
يونس كان يقول في تسبيحه: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "
والتسبيح هو الذكر الذي كانت تردده الجبال والطير مع داود عليه السلام
قال تعالى: " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير "
التسبيح هو ذكر جميع المخلوقات
قال تعالى " ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض " …
ولما خرج زكريا عليه السلام من محرابه أمر قومه بالتسبيح
" فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا "
ودعا موسى عليه السلام ربه بأن يجعل أخاه هارون وزيرا له يعينه على التسبيح والذكر :
" واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا "
ووجدت أن التسبيح ذكر أهل الجنة
قال تعالى: " دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام "
والتسبيح هو ذكر الملائكة قال تعالى " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في اﻷرض"
حقا التسبيح شأنه عظيم وأثره بالغ لدرجة أن الله غير به القدر كما حدث ليونس عليه السلام
اللهم اجعلنا ممن يسبحك كثيرا ويذكرك كثيرا
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
هاتين الظاهرتين ( التسبيح والرضا النفسي )
لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرّت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سرّ هذا المعنى،وكيف يكون التسبيح في سائر اليوم سببًا من أسباب الرضا النفسي
يقول الحق تبارك وتعالى:
"وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها
ومن آنائ الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى"
لاحظ كيف استوعب التسبيح سائر اليوم قبل الشروق وقبل الغروب وآناء الليل وأول النهار وآخره
فماذا بقي من اليوم لم تشمله هذه الآية بالحثّ على التسبيح ثم نيل الرضا ؟!!.
وفي خاتمة سورة الحجر:
"ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين"
فانظر كيف أرشدت هذه الآية العظيمة إلى الدواء الذي يُستشفى به من ضيق الصدر!! والترياق الذي تستطبّ به النفوس !!.
فسبحوا الله الواحد الأحد الذي لا إله غيره ، رب السموات والأرض ورب كل شئ.
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
مجرات تسير، وخلايا تولد وتموت في ذات اللحظة داخل جسدك، وأنت تبحث عن الآيات في آفاق بعيدة! الكون الأكبر انطوى في تفاصيلك، ونبضك شاهد صامت على عظمة الصانع.
رحلتك الحقيقية تبدأ من الداخل، حين تكتشف أنك أعظم كتاب مفتوح للتدبر.
زلَّةُ العالِم فتنةُ العالَم؛ فمُحِبُّه ينتصرُ له، ومُبغضُه يبغي عليه، ومن لا يعرفُهُ يتيهُ بين المحبِّ والمبغض، وسواء السَّبيل ألَّا تُتبعُ زلَّته، ويُبيَّنُ غلطه، وتُحفظُ رتبته، ويُحسَّنُ القولُ فيه لما عُرِف عنه مِنَ الخير.
(وأنا اخترتك فاستمع لما يُوحى)
حين يختارك الله لتتلو الوحي وتقرأه وتحفظه وتعمل به فاعلم أنه قد اصطفاك.
ولِتعلَمَ أن القضية قضية اختيار واجتباء، تأمَّل في مشارب الناس حولك:
ذاك شغلته الدنيا، وذاك شغله المال، وآخر شغلته السهرات..
بينما أنتَ تكرر الآية تلو الآية لترسِّخها في صدرك.
هذه دُنيا، لا مجال فيها للكمال والرّاحة (دائمًا)، قد لا تصل إلى ما تمنّيت رغم أنك قدمت كلّ مالديك، ووهبت أشياء كُثر لا تهبها عادة لأيّ شيء، يكفيك فقط أنك بذلت كلّ شيء، النّهايات غيب، وعالمُ الغيب أحكمُ الحاكمين، فانعم عينَا.
يُستفاد من قوله ﷺ: (صدقك وهو كذوب)؛ أن الحق لا يكون باطلًا إذا تكلم به أهل الباطل!
وفي "حلية الأولياء" عن عمران بن مسلم:
إن الحكمة لتكون في قلب المنافق تتلجلج، فلا يصبر عليها حتى يلقيها؛ فيتلقاها المؤمن، فينفعه الله بها!
العارفون بِربهم لا يستعجلون جزع قلوبهم
أمام حظوظهم الفائتة!
يقول الإمام ابن الجوزي :
" تفكّرتُ في قول شيبان الراعي لسفيان الثوري: «يا سفيان، عُدَّ مَنعَ الله إياك عطاءً منه لك، فإنّه لم يمنعك بُخلاً، إنّما منعك لُطفًا»
فرأيتُه كلامَ مَن قد عرف الحقائق! ".
لم يحمل سليمان عليه السلام سيفاً ليُخضع الشياطين، ولم يبذل جهداً لترويض الرياح أو تعلم لغة الطير؛ فكيف سيطر بشريّ على عوالم تفوق قدراته وتُضمر له العداء؟
السر لم يكن في امتلاك (الأسباب) ، بل في كلمة واحدة ختم بها دعاءه: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
هنا يكمن الفارق العظيم بين (الرزق) و(الهِبة) :
الرزق قد يتطلب منك سعياً وأدوات لمعالجة الأمور، أما (الهِبة) فتكسر كل قوانين المنطق.
الهِبة عطاءٌ بلا مقدمات وبلا أسباب دنيوية، وببركة اسم (الوهّاب) تحول ألدّ الأعداء (الشياطين) إلى خدم يبنون ويغوصون، وسُخّرت قوى الطبيعة لأمر بشر.
- لا تقاتل أزماتك المستعصية ومخاوفك الكبرى بأدواتك المحدودة؛ إذا انعدمت أسبابك، ارفع حاجتك لـ (الوهّاب) وتعبّده بأسمائه الحسنى؛ فمن سخّر الجن لسليمان ليخدموه دون معركة، قادرٌ على أن يُطوّع لك أقسى ظروفك لتخدمك وأنت في مكانك.