وفي النهاية، لم تكن سنةً ونصف من الخسائر، بل سنةً ونصف من إعادة البناء. وما بدا في وقته ثقلًا، أصبح لاحقًا أحد أهم أسباب النضج، وبدايةً مختلفة لما هو قادم.
اليوم، لا أنظر إلى تلك الفترة بوصفها أصعب ما مررت به، بل بوصفها المرحلة التي غيّرت كثيرًا من القناعات، وأعادت ترتيب الأولويات، وقدّمت دروسًا لن تمنحها سنواتٌ من الهدوء.
"لا تُؤاخذ الأشياء بأول وجه تُريك ، فإن البدايات ليست إلا ستاراً تخفي وراءه الحياة حقيقتها ، وما جعل الله أسرار الخلق في مطالعهم بل بثها في خواتيمهم ، لتكون الأيام وحدها هي المفسّر الصادق لما عجزت عنه النظرة الأولى ، فكم من بداية أقبلت في هيئة الوحشة ، وكانت تضمر في قلبها ألفة لا تنقضي ، وكم من مطلع أشرق حتى خُيل للنفس أنه الوعد كله ، ثم انطفأ حين امتحنه الزمن فإذا به سراب يلمع أكثر مما يروي.
إن الخطأ ليس في الأشياء وإنما في استعجالنا فهمها ، فنحن نريد أن نحكم على البذرة وهي ما تزال حبة صامتة، ونقيس الفجر قبل أن يكتمل ضياؤه ، ونزن الإنسان بكلماته الأولى قبل أن تتكلم عنه مواقفه ، مع أن الحقائق لا تُولد كاملة وإنما تنمو كما تنمو الشجرة تبدأ خفية في أعماق الأرض ثم لا تزال تصعد بصمت حتى يراها الناس فيحسبون أن مجدها بدأ يوم ظهرت ، وما علموا أن عمرها الحقيقي كان تحت التراب ".