إعادة تعريف أخصائي المواهب
يشهد سوق العمل في المملكة العربية السعودية تحولًا جذريًا يعيد تشكيل قواعد إدارة الموارد البشرية من الأساس، في ظل تسارع التحول الرقمي، وتقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي نحو بناء اقتصاد معرفي أكثر مرونة وقدرة على المنافسة. في هذا السياق، تتراجع مركزية الوظيفة والمسمى الوظيفي، وتتقدم المهارة لتصبح اللغة الجديدة التي تُدار بها المؤسسات وتُبنى بها قراراتها الاستراتيجية.
هذا التحول يعيد صياغة طريقة تفكير المنظمات في رأس المال البشري؛ فلم يعد السؤال: من يشغل هذه الوظيفة؟ وإنما أصبح: ما المهارات التي نحتاجها اليوم؟ وما القدرات التي ستصنع تفوقنا في المستقبل؟ ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة تتجه فيها المنظمات نحو نماذج أكثر ديناميكية، تقوم على تحليل المهارات، وإعادة توزيعها، وربطها مباشرة بالأداء والقيمة المضافة.
وفي قلب هذا التحول، يتغير دور أخصائي الحصول على المواهب بشكل جذري. لم يعد هذا الدور مقتصرًا على سد الشواغر الوظيفية، وإنما أصبح دورًا استراتيجيًا يعيد هندسة منظومة القدرات داخل المنظمة. أخصائي المواهب اليوم يُعاد تعريفه بوصفه “مهندس مهارات”، يقرأ الإمكانات الكامنة، ويحلل مسارات التطور، ويصمم الربط بين احتياجات المنظمة الحالية والمستقبلية.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات إلى صميم قرارات الموارد البشرية، أصبح هذا الدور أكثر تعقيدًا وعمقًا. فالمطلوب لم يعد اختيار المرشح المناسب فقط، وإنما استشراف قدرته على التعلم، وإعادة التكيف، والنمو داخل بيئة عمل تتغير باستمرار. وهنا تتحول البيانات من أداة دعم إلى عنصر محوري في بناء خرائط مهارية دقيقة تقود قرارات التوظيف والتطوير معًا.
إن التحول الحقيقي الذي تعيشه المنظمات اليوم ليس تقنيًا فقط، وإنما تحوّل في العقلية. انتقال من إدارة الوظائف إلى إدارة المهارات، ومن منطق التوظيف إلى منطق بناء القدرات، ومن أدوار تشغيلية إلى أدوار استراتيجية تصنع المستقبل قبل أن يتشكل.
وفي هذا المشهد المتسارع، يبرز سؤال حاسم يعيد تعريف الدور بالكامل: هل أخصائي المواهب مستعد للانتقال من “إدارة الوظائف” إلى “هندسة المهارات وصناعة المستقبل”؟
أرى أن كتاب HIRE Purpose من الكتب الثمينة في مجال التوظيف، حيث يقدم منظورًا مختلفًا في التعامل مع فجوة المهارات، ويعيد تعريف التوظيف باعتباره استثمارًا في القدرة على التعلم وليس مجرد اختيار للخبرات الجاهزة.
لذلك أنصح بشدة المختصين والمهتمين بمجال اكتساب وإدارة المواهب بالاطلاع على هذا الكتاب، لما يقدمه من أفكار عملية يمكن أن تسهم في تطوير ممارسات التوظيف وبناء أنظمة أكثر مرونة واستدامة في التعامل مع احتياجات المستقبل.
هل تخبرنا مشاعر الموظفين بما لا تخبرنا به مؤشرات الأداء؟
تكشف نتائج تقرير "تهون" لحالة العافية النفسية في مكان العمل بالمملكة العربية السعودية عن قضية تستحق اهتمام القيادات والمنظمات على حد سواء. فعندما ترتفع مستويات القلق والضغوط النفسية والاحتراق الوظيفي، فإن الأمر لا يتعلق بمشاعر فردية معزولة، وإنما يعكس في كثير من الأحيان واقعًا تنظيميًا يحتاج إلى الفهم والمعالجة.
في بيئات العمل الحديثة، لم تعد المشاعر شأنًا شخصيًا منفصلًا عن الأداء المؤسسي. فالقلق قد يشير إلى غموض الأدوار أو تسارع التغييرات، والإحباط قد يكشف عن محدودية فرص النمو أو ضعف التقدير، والخوف قد يكون مؤشرًا على انخفاض مستويات الأمان النفسي والثقة داخل المنظمة.
ولهذا فإن المنظمات التي تكتفي بمتابعة مؤشرات الإنتاجية والجودة والنتائج المالية قد تفقد فرصة مهمة لفهم ما يجري داخلها بصورة أعمق. فقبل أن تتراجع مستويات الاندماج الوظيفي أو ترتفع معدلات الاستقالة أو تنخفض الإنتاجية، تظهر إشارات مبكرة في صورة مشاعر يعيشها الموظفون يوميًا.
إن أحد التحديات الإدارية المهمة اليوم يتمثل في قدرة القيادات على قراءة هذه المؤشرات الإنسانية والتعامل معها بوعي واهتمام. فالعافية النفسية لم تعد موضوعًا مرتبطًا برفاهية الموظف فقط، وإنما أصبحت عاملًا مؤثرًا في استدامة الأداء، والاحتفاظ بالمواهب، وتعزيز الابتكار، وبناء بيئات عمل أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
المؤشرات التشغيلية تخبرنا بما تحقق من نتائج، أما المشاعر السائدة داخل المنظمة فتخبرنا بما قد يحدث لاحقًا. ومن هنا تبدأ أهمية الإصغاء إلى صوت الإنسان داخل بيئة العمل قبل أن تتحول التحديات الصامتة إلى مشكلات يصعب احتواؤها.
أدعو الزملاء والزميلات إلى قراءة المقالة ومشاركة آرائهم وتجاربهم: https://t.co/JpJAb0e9FC
هل نواجه فعلًا نقصًا في المواهب… أم أننا لم نطوّر بعد طريقة رؤيتنا لها؟
في أحد الحوارات مع أحد المتخصصين في استقطاب المواهب، قال لي : "أصبح الوصول إلى الكفاءات المناسبة أكثر تعقيدًا، والسوق لم يعد كما كان."
تأملت هذه العبارة، لكن ما استوقفني لم يكن صعوبة الاستقطاب، وإنما سؤال آخر بدا أكثر أهمية:
هل أصبحت المواهب نادرة فعلًا... أم أن المنظمات ما زالت تبحث عنها بالطريقة نفسها، وفي الأماكن نفسها؟
هذا السؤال يتقاطع مع مقولة لافتة: "قد لا يبحث أصحاب العمل في الأماكن الصحيحة ." وهي ليست مجرد ملاحظة حول التوظيف، بل دعوة لإعادة التفكير في فلسفة استقطاب المواهب.
في بيئة الأعمال السعودية، يشهد سوق العمل تحولًا متسارعًا، وتظهر باستمرار مصادر جديدة للكفاءات والمهارات. ومع ذلك، لا تزال بعض المنظمات تعتمد على قنوات استقطاب تقليدية، وتمنح أولوية لسنوات الخبرة أو المسميات الوظيفية، بينما قد تغفل عن أفراد يمتلكون إمكانات استثنائية، وقدرة عالية على التعلم، واستعدادًا للنمو وصناعة الأثر.
إن المنظمات التي ستتمكن من بناء ميزة تنافسية مستدامة لن تكون بالضرورة تلك التي تستقطب أكثر المرشحين خبرة، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على اكتشاف الإمكانات قبل أن تتحول إلى إنجازات، وترى في المهارة، وقابلية التعلم، والقدرة على التكيف، مؤشرات لا تقل أهمية عن الخبرة السابقة.
لقد أصبح استقطاب المواهب وظيفة استراتيجية، تتجاوز شغل الوظائف الشاغرة إلى بناء رأس مال بشري قادر على مواكبة التحولات المستقبلية. وهذا يتطلب توسيع دوائر البحث، وإعادة تصميم معايير الاختيار، وبناء شراكات مع الجامعات، وبرامج التأهيل، والجمعيات المهنية، والمنصات التي تُنمّي المهارات، حيث تتشكل مواهب الغد.
ولعل السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي أن تطرحه كل منظمة اليوم هو:
هل نعاني من نقص في المواهب... أم أننا لم نطور بعد طريقة الوصول إليها؟
في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في غياب الكفاءات، وإنما في محدودية عدسة البحث عنها.
الاستدامة النفسية: مسار مهني يدوم ويتجدد
في عالم العمل الحديث، لم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى النجاح المهني فقط، لكن القدرة على الاستمرار فيه دون أن يفقد الإنسان توازنه النفسي وشغفه الداخلي. فكثير من المهنيين يحققون إنجازات متسارعة، لكنهم في المقابل يعيشون حالة من الاستنزاف الصامت، وكأن العمل الذي بدأ بالحماس والطموح تحول تدريجيًا إلى عبء نفسي مستمر.
ولهذا أصبح مفهوم “الاستدامة النفسية” من أكثر المفاهيم أهمية في النقاشات الإدارية الحديثة، لأنه لا يركز على الأداء اللحظي فقط، لكن أيضاً على قدرة الإنسان على الاستمرار في العطاء والتطور والنمو دون أن يتآكل من الداخل.
الأرقام العالمية اليوم تكشف حجم التحدي بوضوح. فتقرير “Gallup 2026” أشار إلى أن نسبة الموظفين المنخرطين فعليًا في أعمالهم عالميًا انخفضت إلى 20% فقط، وهي من أدنى المعدلات خلال السنوات الأخيرة، بينما تستمر مستويات التوتر والضغط النفسي في البقاء أعلى من مستويات ما قبل الجائحة. كما قدّرت الدراسة أن انخفاض الاندماج الوظيفي كلف الاقتصاد العالمي ما يقارب 10 تريليونات دولار نتيجة انخفاض الإنتاجية وفقدان الحافز المهني(Gallup, 2026a).
وفي السعودية، ورغم التحسن الملحوظ مقارنة بالمعدلات الإقليمية، إلا أن المؤشرات ما زالت تؤكد أهمية الاستثمار في الصحة النفسية المهنية. فبيانات Gallup الحديثة أظهرت أن 28% من الموظفين في المملكة يعانون من ضغوط يومية مرتبطة بالعمل، بينما أشار التقرير إلى أن 20% من العاملين يشعرون بالغضب أو الإنهاك النفسي بشكل متكرر خلال يوم العمل. وفي المقابل، فإن مستوى الاندماج الوظيفي في السعودية بلغ 26%، وهو أعلى من المتوسط الإقليمي، ما يعكس وجود فرصة حقيقية لبناء بيئات عمل أكثر استدامة وإنسانية(Gallup, 2026b).
ولعل اللافت أن التحدي لم يعد مرتبطًا فقط بكثرة ساعات العمل، لكن بطريقة العمل نفسها. فالكثير من الموظفين اليوم يعيشون حالة “العمل المستمر ذهنيًا”، حتى خارج أوقات الدوام، نتيجة الاتصال الدائم، والاجتماعات المتلاحقة، وضبابية الحدود بين الحياة والعمل، خصوصًا مع انتشار نماذج العمل المرن والهجين.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة، فإن الحديث عن الاستدامة النفسية أصبح ضرورة استراتيجية ترتبط بجودة الحياة، واستدامة الإنتاجية، وتحقيق مستهدفات التنمية الوطنية. فالمؤسسات القادرة على بناء بيئات عمل صحية وداعمة ستكون الأكثر قدرة على الاحتفاظ بالمواهب، وتعزيز الابتكار، وخلق ثقافة عمل قائمة على الثقة والانتماء، لا على الاستنزاف والخوف.
وفي المحصلة، يبقى السؤال الأهم: هل نبني مسارات مهنية تقوم على الإنجاز السريع فقط، أم نصنع بيئات عمل قادرة على حماية الإنسان نفسيًا وهو ينجح ويتطور؟ لأن النجاح الحقيقي ليس أن تصل بسرعة… لكن أن تستمر وأنت متزن، شغوف، وقادر على التجدد.
المراجع:
Gallup. (2026a). State of the global workplace report 2026. Gallup Inc.
https://t.co/Xx44jGx4f2
Gallup. (2026b). Global workplace data and employee engagement insights. Gallup Inc.
https://t.co/YxWbNlKq1v
ثقافة الاحتواء في بيئات العمل السعودية: من إدارة التنوع إلى صناعة التميز المؤسسي
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها بيئات العمل في المملكة العربية السعودية، لم يعد التميز المؤسسي مرتبطًا فقط بجذب الكفاءات أو تطوير الأنظمة والهياكل، وإنما أصبح مرتبطًا بصورة أعمق بقدرة المنظمات على ترسيخ ثقافة احتواء حقيقية تُحسن استثمار التنوع داخل فرق العمل وتحوله إلى قيمة مضافة مستدامة.
ومن خلال العمل مع العديد من القيادات والفرق، يتكرر طرح سؤال محوري: لماذا تنجح بعض الفرق في تحقيق أداء مرتفع رغم اختلاف خلفيات أفرادها، بينما تتراجع فرق أخرى رغم امتلاكها كفاءات عالية؟ وغالبًا ما تكشف التجربة أن الفارق لا يعود إلى الأفراد بقدر ما يعود إلى طبيعة البيئة التنظيمية ومستوى الاحتواء داخلها.
فعندما يُدار التنوع بوصفه تحديًا إداريًا، تتحول الاختلافات إلى فجوات في التواصل وضعف في الانسجام وتراجع في جودة التعاون. في المقابل، عندما يُدار ضمن ثقافة احتواء ناضجة، يتحول التنوع إلى مصدر قوة يعزز الابتكار، ويوسع نطاق التفكير، ويرفع جودة القرارات.
وفي العديد من بيئات العمل في المملكة العربية السعودية، يتضح أن الفرق الأعلى أداءً ليست تلك المتجانسة، وإنما تلك التي تنجح في بناء بيئة يشعر فيها كل فرد بالتقدير، والإنصاف، وإتاحة الفرصة للمشاركة والتأثير، بغض النظر عن خلفيته أو تجربته.
وهنا يتجلى دور القيادة بوصفه عنصرًا حاسمًا؛ إذ لم تعد القيادة مقتصرة فقط على إدارة المهام أو متابعة الإنجاز، لكن أصبحت أيضاً مسؤولة عن بناء بيئة عمل احتوائية تُنظم الاختلاف، وتضمن العدالة في الفرص، وتعزز الأمان النفسي داخل الفريق. ومع تراكم التجارب التي تُرسخ ثقافة الاحتواء داخل المنظمات، تظهر نتائج واضحة تتمثل في ارتفاع مستوى الارتباط الوظيفي، وتحسن جودة التواصل، وزيادة المبادرة، ونضج أكبر في عمليات اتخاذ القرار.
وفي نهاية المطاف، لم تعد المنافسة بين منظمات المملكة تُحسم بحجم الموارد أو وفرة الكفاءات، وإنما بمدى قدرتها على بناء بيئات عمل ناضجة تحتضن التنوع وتديره بوعي واحتراف. فالمؤسسات التي تنجح في تحويل الاختلاف داخل فرقها إلى مصدر قوة وتكامل، هي ذاتها التي تمتلك القدرة على رفع الأداء، وتعزيز الاستدامة، وبناء تميز مؤسسي راسخ يمنحها تفوقًا مستدامًا في بيئة تنافسية متسارعة.
أدعو الزملاء والزميلات إلى قراءة المقالة ومشاركة آرائهم وتجاربهم: https://t.co/NBmCW5qAHA
ما واقع العافية النفسية في بيئة العمل في المملكة العربية السعودية؟
تشير نتائج تقرير “تهون” لحالة العافية النفسية في مكان العمل في المملكة العربية السعودية إلى مؤشرات بالغة الأهمية تستدعي اهتمام القيادات الإدارية وصناع القرار في بيئات العمل.
فقد أوضح التقرير أن أربعة من كل خمسة موظفين واجهوا خلال العام الماضي عرضًا واحدًا على الأقل مرتبطًا بالصحة النفسية، بما في ذلك القلق والضغط النفسي والاحتراق الوظيفي. وتعكس هذه النتائج واقعًا تنظيميًا يتجاوز الحالات الفردية، ليعكس طبيعة بيئات العمل الحالية وما تشهده من ضغوط متزايدة تستدعي مراجعة شاملة لأساليب الإدارة وثقافة العمل.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يتضح وجود فجوة بين ما تدركه إدارات الموارد البشرية وما يعيشه الموظفون فعليًا داخل بيئة العمل اليومية. ومع استمرار هذه الفجوة، تتأثر مستويات الثقة الداخلية، ويتراجع التواصل الفعّال، وينخفض مستوى الاندماج الوظيفي، وهو ما ينعكس تدريجيًا على الأداء المؤسسي واستقرار الكفاءات.
وفي هذا الإطار، تصبح الصحة النفسية في بيئة العمل عنصرًا أساسيًا في استدامة الأداء المؤسسي، وليست مجرد مبادرة داعمة أو ممارسة اختيارية. فالموظف الذي يعمل تحت ضغط نفسي مستمر أو في بيئة تفتقر إلى الأمان النفسي يفقد تدريجيًا قدرته على الإبداع، وتضعف لديه الرغبة في المبادرة، ويتراجع مستوى ارتباطه بالمنظمة.
كما أن تعزيز العافية النفسية يتطلب تحولًا أعمق في الثقافة التنظيمية، يبدأ من تطوير وعي القيادات بأهمية الإنصات الفعّال، ويمتد إلى بناء حوار مفتوح، وينتهي بتهيئة بيئة عمل آمنة تتيح للموظفين التعبير عن التحديات دون خوف من الوصمة أو التقييم السلبي.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المملكة العربية السعودية، يبرز الاستثمار في العافية النفسية كأحد أهم محركات جودة الحياة في العمل، وعنصرًا محوريًا في رفع كفاءة الأداء في القطاعين العام والخاص، حيث لم يعد نجاح المنظمات يقاس فقط بكفاءة أنظمتها، وإنما بقدرتها على تمكين الإنسان ودعمه نفسيًا ومهنيًا.
وفي ضوء ذلك، يظل السؤال الأكثر عمقًا وتأثيرًا حاضرًا بقوة: إلى أي مدى يشعر الإنسان داخل المنظمة بأنه مفهوم، ومقدَّر، ومُستمع إليه؟
من المبادرات إلى الأثر: إعادة التفكير في الرفاه الوظيفي
في سياق التحولات المتسارعة التي تشهدها منظمات المملكة العربية السعودية، ومع تصاعد الاهتمام بجودة الحياة الوظيفية، أصبح الحديث عن الرفاه الوظيفي حاضرًا بقوة في استراتيجيات الموارد البشرية، وفي المبادرات المؤسسية، وفي برامج تطوير بيئات العمل. ومع ذلك، فإن قراءة الواقع التنظيمي تكشف أن التحدي لم يعد في إطلاق المبادرات بقدر ما أصبح في عمق تأثيرها داخل الثقافة اليومية للمنظمات.
ففي عدد من الجهات، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، يتم تصميم برامج متقدمة للعافية الوظيفية وتجربة الموظف، تتضمن مبادرات للصحة النفسية، ومرونة العمل، وتحسين بيئة العمل. غير أن الأثر الفعلي لهذه الجهود يظل متفاوتًا، خاصة عندما تُدار بعض البيئات بأساليب قيادية تقليدية تعتمد على الضغط المرتفع، والرقابة الدقيقة، وضعف التمكين، وغياب التقدير المستمر. وهنا تتشكل فجوة واضحة بين “ما يُعلن” و“ما يُعاش” داخل بيئة العمل.
ومن هذا المنطلق، يتضح أن التحدي الجوهري في منظمات المملكة العربية السعودية لا يرتبط بغياب برامج الرفاه الوظيفي، وإنما يرتبط بدرجة نضج الممارسة القيادية داخل المنظمة. فالموظف في البيئة السعودية الحديثة لم يعد يتأثر فقط بالمبادرات المؤسسية، وإنما أصبح أكثر حساسية لطبيعة العلاقة مع القائد المباشر، ولأسلوب التواصل، ولمستوى العدالة، ولدرجة الأمان النفسي الذي يشعر به أثناء أداء عمله اليومي. لذلك فإن الرفاه الحقيقي لا يتشكل في وحدات الموارد البشرية فقط، وإنما يُبنى داخل سلوك القيادة اليومية.
وفي ظل التوجهات الحديثة في عمليات الأفراد وتجربة الموظف في المنظمات في المملكة العربية السعودية، بدأت بعض المنظمات الرائدة تدرك أن دور القيادة لم يعد يقتصر على إدارة الأداء وتحقيق المستهدفات التشغيلية، وإنما امتد ليشمل بناء تجربة عمل إنسانية متكاملة. فالقائد الفعّال اليوم هو من يستطيع تحقيق النتائج، وفي الوقت ذاته يخلق بيئة عمل تقوم على الثقة، والاحترام، والتقدير، والأمان النفسي، مما ينعكس بشكل مباشر على رفع مستويات الاندماج الوظيفي والإنتاجية والاستدامة.
وعلاوة على ذلك، فإن التحول الثقافي في سوق العمل السعودي، وتنامي حضور الكفاءات الشابة، وتزايد التوقعات المتعلقة بجودة الحياة المهنية، كلها عوامل تدفع المنظمات إلى إعادة النظر في نمط القيادة السائد. فبيئة العمل التي تعتمد على الاستنزاف والضغط المستمر لم تعد قادرة على المنافسة في سوق عمل يتجه بسرعة نحو المرونة والتمكين والإدار القائمة على التعامل الأنساني.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مستقبل الرفاه الوظيفي في منظمات المملكة العربية السعودية لن يُحسم عبر عدد المبادرات أو البرامج، وإنما عبر مستوى التحول في ثقافة القيادات الإدارية ذاتها. فكلما ارتقى القائد في وعيه الإنساني والإداري، وتعززت ممارساته القائمة على الثقة والتقدير والإنصاف، أصبح الرفاه الوظيفي واقعًا ملموسًا لا مجرد مبادرة تنظيمية. لأن المنظمات الأكثر استدامة في النهاية ليست تلك التي تُطلق برامج أكثر، وإنما تلك التي تُمارس قيادة أكثر نضجًا وإنسانية.
أسطورة ندرة المواهب "العثور على موظفين جيدين أمر صعب."
هذه العبارة تتكرر كثيرًا على ألسنة بعض القيادات ومديري التوظيف في منظمات المملكة. غير أن خبراء استقطاب المواهب ينظرون إليها من زاوية مختلفة؛ إذ يرون أن التحدي لا يرتبط بندرة الكفاءات بقدر ما يرتبط بكفاءة منظومة التوظيف في تعريف المواهب، وجذبها، وتقييمها.
في أحد مشاريع استقطاب المواهب مع جهة في القطاع شبه الحكومي، كان الانطباع الأولي أن السوق لا يوفر مرشحين ذوي جودة عالية. ومع ذلك، وعند تحليل رحلة التوظيف بشكل شامل، بدءًا من تصميم الوظائف وصولًا إلى قرار التعيين، ظهرت فجوة واضحة بين تصور الاحتياج وآليات التنفيذ.
في المرحلة الأولى، لوحظ أن تعريف “الموظف الجيد” كان عامًا إلى حد كبير، حيث يركز على المؤهلات والخبرة دون ترجمة دقيقة لسلوكيات الأداء أو مخرجاته المتوقعة. ووفقًا لتقارير McKinsey وSHRM، فإن غياب تعريف سلوكي ومقاس للأداء الوظيفي يُعد من العوامل الجوهرية التي تؤثر على جودة قرارات التوظيف، حتى في الأسواق التي تتمتع بوفرة في الكفاءات.
وعند الانتقال إلى مرحلة المقابلات، كان الاعتماد الأكبر على التقييم الانطباعي، حيث تلعب مهارات العرض والتواصل دورًا محوريًا في تشكيل القرار. في المقابل، لا يتم دائمًا دعم هذا التقييم بأدوات أكثر دقة مثل نماذج العمل أو التقييم القائم على المحاكاة، وهو ما يؤدي إلى فجوة بين “جاذبية المرشح في المقابلة” و”قدرته الفعلية على الأداء”.
وفي سياق موازٍ، يبرز عنصر الاستقطاب بوصفه عاملًا حاسمًا في جودة النتائج. إذ تعتمد العديد من المنظمات على الإعلانات الوظيفية التقليدية كمصدر رئيسي للمرشحين، في حين أن الممارسات العالمية الحديثة تشير إلى أن أصحاب الأداء العالي غالبًا لا يكونون في حالة بحث نشط، وإنما يتم الوصول إليهم عبر الاستقطاب الاستباقي، وبناء الشبكات المهنية، وتفعيل الإحالات الداخلية، إلى جانب تطوير العلامة الوظيفية للمنظمة.
ومع ذلك، وفي السياق السعودي تحديدًا، يشهد سوق العمل تحولًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث توسعت قاعدة الكفاءات الوطنية، وارتفع مستوى التأهيل العلمي والتقني، إضافة إلى تنوع الخبرات المحلية والدولية داخل السوق. وهذا التحول يعيد تشكيل الفرضيات التقليدية المتعلقة بندرة المواهب في عدد من القطاعات.
وبناءً على ذلك، يصبح التساؤل الأكثر دقة: هل تكمن الإشكالية فعلًا في توفر الموظفين الجيدين، أم في مدى نضج أنظمة التوظيف القادرة على تعريفهم بدقة، واستقطابهم بفاعلية، وتقييمهم على أساس الأداء الفعلي؟
ومع كل خطوة نحو نضج أكبر في تصميم الوظائف، وتطوير قنوات الاستقطاب، وتحسين أدوات التقييم، يتضح أن ما كان يُنظر إليه على أنه “ندرة في المواهب” هو في كثير من الأحيان انعكاس مباشر لجوانب قابلة للتحسين داخل المنظومة نفسها.
وفي المحصلة، لا يقوم استقطاب المواهب على البحث عن استثناءات نادرة بقدر ما يقوم على بناء منظومة توظيف ناضجة قادرة على تحديد القيمة الحقيقية، واستقطابها في الوقت المناسب، وتفعيلها بما يحقق أثرًا مستدامًا داخل المنظمة.
McKinsey & Company. (2024 ). human capital and talent management.
Society for Human Resource Management. (204.). Talent acquisition resources and best practices
هل المشكلة في ندرة المواهب أم في طريقة البحث عنها؟
كثيراً ما يُطرح في أوساط التوظيف أن التحدي الأبرز يتمثل في ندرة المواهب، لكن السؤال الأهم الذي يستحق التوقف عنده هو: هل تكمن الإشكالية فعلاً في قلة الكفاءات، أم في الطرق التي نستخدمها للبحث عنها وتقييمها؟ فربما لا يتعلق الأمر بالسوق بقدر ما يتعلق بعادات توظيف قديمة ما زالت تُوجّه قراراتنا أكثر مما ينبغي، وتحدّ من قدرتنا على رؤية الإمكانات الحقيقية التي قد لا تكشفها الأساليب التقليدية.
ورغم التطورات الكبيرة التي شهدتها ممارسات استقطاب المواهب خلال السنوات الأخيرة، لا تزال بعض المنظمات تتخذ قرارات التوظيف استناداً إلى افتراضات تقليدية لم تعد تعكس طبيعة سوق العمل الحديثة. ويظهر ذلك في التركيز المفرط على محتوى السيرة الذاتية، والاعتماد على المقابلات غير المهيكلة، وإعطاء الخبرة السابقة وزناً أكبر من الإمكانات المستقبلية، وهي ممارسات قد تحد من قدرة المنظمة على اكتشاف المواهب القادرة على صناعة القيمة في المستقبل.
وفي مقالتي الأخيرة، ناقشت كيف يمكن لإعادة هندسة عادات التوظيف أن تساعد المنظمات على اكتشاف المواهب التي قد تفشل الأساليب التقليدية في رؤيتها، ولماذا أصبحت مراجعة الافتراضات التي تحكم قرارات الاختيار ضرورة استراتيجية للمنظمات التي تسعى إلى بناء ميزة تنافسية مستدامة في سوق المواهب.
أدعو الزملاء والزميلات من خبراء استقطاب المواهب والموارد البشرية والقيادات التنظيمية إلى قراءة المقالة ومشاركة آرائهم وتجاربهم:
https://t.co/mzF6W94SeY
حين تتحول اللغة إلى ضوضاء تنظيمية: قراءة في ظاهرة Corporate Bullshit
سوف أتناول في هذا المنشور واحدة من الظواهر الإدارية التي أصبحت أكثر حضوراً في بيئات العمل الحديثة، وهي ظاهرة Corporate Bullshit أو ما يمكن وصفه بـ “التضخم اللغوي المؤسسي”.
ففي كثير من الأحيان، لا تعاني المنظمات من نقص في الاجتماعات أو المبادرات أو العروض التقديمية، بقدر ما تعاني من تضخم الخطاب الإداري المحيط بها. إذ تتحول بعض المصطلحات الإدارية إلى لغة معقدة تُستخدم لإضفاء الانطباع بالاحترافية والعمق، بينما تكون الحاجة الحقيقية هي إلى مزيد من الوضوح والبساطة والقدرة على تحويل الأفكار إلى نتائج.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي الإفراط في هذا النوع من الخطاب إلى خلق فجوة بين ما يُقال وما يُمارس فعلياً داخل المنظمة. فتزداد العبارات الرنانة، وتتراجع وضوح الأولويات، ويصبح من الصعب أحياناً التمييز بين الإنجاز الحقيقي والانشغال المستمر بالحديث عنه.
اللافت أن المنظمات الأكثر نضجاً لا تُقاس بكمية المصطلحات التي تستخدمها، وإنما بقدرتها على بناء ثقافة تواصل واضحة، تُسهّل الفهم، وتدعم اتخاذ القرار، وتربط الخطاب بالممارسة اليومية.
فالوضوح المؤسسي اليوم لم يعد مجرد مهارة تواصل، بل أصبح أحد العوامل المؤثرة في جودة القيادة، وكفاءة التنفيذ، ومستوى الثقة داخل بيئة العمل.
أدعو الزملاء والزميلات إلى قراءة المقالة ومشاركة آرائهم وتجاربهم: https://t.co/kmMYlqzAAz
العمل المرن في المملكة العربية السعودية: من التحول التشغيلي إلى نضج القيادة وبناء ثقافة تنظيمية مستدامة
في بيئات الأعمال المعاصرة، لم يعد نجاح المنظمات يُقاس بقدرتها على إدارة العمليات بالأساليب التقليدية، بقدر ما يُقاس بمرونتها في التكيف مع التحولات المتسارعة في سوق العمل، واستجابتها لتغيرات أنماط العمل وتوقعات القوى العاملة الحديثة. وفي هذا السياق، يبرز العمل المرن بوصفه أحد أهم التحولات التي تعيد تشكيل مفهوم القيادة وإدارة الموارد البشرية، وبشكل خاص في منظمات المملكة العربية السعودية التي باتت تعتبره أحد الممكنات الاستراتيجية لرفع الكفاءة التشغيلية، وتعزيز جاذبية سوق العمل، ودعم مستهدفات التحول الوطني وجودة الحياة.
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل في المملكة العربية السعودية، لم يعد العمل المرن مجرد خيار تشغيلي، وإنما أصبح مؤشرًا على نضج المنظمات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية وتوقعات القوى العاملة الحديثة.
وتشير الممارسات في إدارة الموارد البشرية إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تبني السياسات أو الأدوات التقنية، وإنما في قدرة القيادات على إعادة صياغة فلسفة الإدارة وبناء علاقة تنظيمية قائمة على الثقة والتمكين والتركيز على النتائج. كما تكشف التجارب أن استمرار الإدارة بعقلية تقليدية داخل بيئات عمل مرنة يحد من أثرها، بينما تتحقق الفاعلية عندما تنتقل القيادة من إدارة الحضور إلى قيادة التجربة الوظيفية.
وفي المملكة العربية السعودية، تمثل التشريعات الداعمة للعمل المرن والعمل عن بُعد فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل ثقافة العمل بما يعزز المرونة والاستدامة، ويواكب نمو الاقتصاد الرقمي والتنافس على الكفاءات. ومن منظور مهني، تُقاس جاهزية المنظمات للمستقبل بقدرتها على بناء ثقافة تنظيمية قائمة على الثقة، ووضوح التوقعات، وتمكين الكفاءات، والمساءلة المرتبطة بالأداء والنتائج، بما يحقق توازنًا بين أهداف المنظمة وجودة التجربة الوظيفية.
وخلاصة القول، يظل نجاح العمل المرن مرهونًا بمدى نضج القيادة الإدارية وقدرتها على توجيه هذا التحول، باعتبارها العنصر الحاسم في تحويل السياسات والأدوات إلى ممارسات مؤسسية فعّالة، وبناء بيئة عمل مرنة قادرة على تحقيق الاستدامة ورفع الأداء وتعزيز تنافسية المنظمات.
الازدهار في العمل
قبل أسابيع، كنت أتحدث مع خبير للموارد البشرية في إحدى الشركات السعودية، وأخبرني:
"نشعر أحيانًا أن الموظفين موجودون فقط لأداء المهام، لا لشعورهم بالرضا أو المعنى."
هذا ما يقصده علماء النفس الإيجابي عندما يتحدثون عن الازدهار في العمل. الازدهار لا يعني مجرد الرضا اللحظي، لكن تكامل العاطفة الإيجابية، الاندماج، العلاقات، المعنى، والإنجاز، مع الصحة، العقلية، البيئة، والأمن الاقتصادي – ما يعرف بنموذج PERMA+4.
الأمر المدهش أن هذا الإطار العلمي يتناغم تمامًا مع قيمنا الإسلامية: الإحسان، التعاون، السعي للمعنى، والاعتناء بالنفس والمجتمع.
تخيّل لو طبقت المؤسسات في السعودية هذا النموذج: موظفون أكثر ولاءً، فرق أكثر ابتكارًا، وبيئة عمل تشجع كل فرد على النمو والتألق.
المبادرة التي نجحت عندما غيّر القائد الرسالة
أدركت أثناء عملي مع عدد من القيادات الإدارية أن التغيير لا يبدأ بالخطة… إنما باللغة التي تُقدَّم بها الخطة. فبحسب أدبيات التغيير الحديثة، اللغة ليست مجرد أداة للشرح، لكن هي عدسة تشكّل إدراك الناس لما يحدث حولهم. رأيت قيادات إدارية تستخدم كلمات واضحة، إيجابية، وموجّهة نحو المستقبل، فتنفتح أمامهم أبواب القبول والحماس. وفي المقابل، عندما تُقدَّم نفس المبادرات بلغة غامضة أو دفاعية أو تقنية بحتة، يتحول الترقب إلى قلق، ويتحوّل القلق إلى مقاومة.
وقد برز هذا الدرس أمامي بقوة في إحدى شركات القطاع الخاص أثناء إطلاق مبادرة لتطوير الأداء. بدأت الرسالة الأولى بلغة تقليدية تقول:
"رفع الكفاءة وتحسين الإنتاجية."
ورغم أهمية الهدف، إلا أن الكلمات لم تُحرّك شيئًا. كانت الجملة تبدو رسمية، جامدة، وكأنها موجهة للأرقام أكثر من البشر. ولهذا جاء التفاعل محدودًا، وكأن الجميع ينتظر ليرى “ماذا سيُفرض عليهم لاحقًا”.
لكن التحول بدأ عندما أعيدت صياغة الرسالة في اجتماع موسّع، حين قال نائب رئيس الشركة بكل هدوء:
"هدفنا أن نجعل بيئة العمل أسهل عليكم… لا أصعب."
هذه الجملة القصيرة فعلت ما لم تفعله كل العروض والوثائق.
خفَّ التوتر، ارتفعت الأيدي بالأسئلة، وبدأ الموظفون يرون في المبادرة فرصة لتحسين يومهم، لا مجرد مشروع إضافي فوق أعبائهم.
الدرس الذي لا يُنسى للقيادات العليا:
أحيانًا… ليست الفكرة هي ما نحتاج إلى تغييره، لكن اللغة التي نقدّم بها الفكرة.
النجاح أم الهوية: أيهما نصنع في بيئة العمل؟
في بعض بيئات العمل، لا تُقاس المشقة بعدد الساعات ولا بثقل المهام، إنما بما يُطلب من الإنسان أن يتنازل عنه في داخله. حين يُصبح النجاح مشروطًا بتهميش القيم أو إخفاء الضمير، يبدأ ما يمكن تسميته بـ استنزاف الهوية المهنية؛ ذلك الاستنزاف الصامت الذي يفقد فيه الفرد علاقته بذاته قبل أن يفقد طاقته. ومع الوقت، يتراجع الإبداع، وتضطرب القدرة على اتخاذ القرار، ويغدو العمل عبئًا نفسيًا، لا لأنه كثير، لكن لأنه لا يشبه صاحبه.
في المملكة العربية السعودية، ومع تسارع التحولات الاقتصادية والتحول الرقمي، تتضح فجوة كبيرة في بعض بيئات العمل. فبين ضغوط الأداء المرتفعة، وهيمنة المقاييس الرقمية، وضيق المساحة الإنسانية في بعض الممارسات الإدارية، يجد العديد من الموظفين أنفسهم مضطرين للانصهار في قوالب لا تعكس هويتهم الحقيقية ولا تعبّر عن قيمهم. وفي حين يبدو الأداء مستقرًا من الخارج، يتآكل الداخل بصمت، ويحل شعور الاغتراب محل الانتماء والارتباط بالمؤسسة.
غير أن هذا الواقع ليس حتميًا. فبين متطلبات الإنجاز وحاجة الإنسان إلى المعنى، يظل هناك مسار آخر يمكن للمؤسسات أن تختاره؛ مسار مستوحى من قيمنا الإسلامية العميقة، يضع الإنسان في قلب العمل لا على هامشه. يبدأ هذا المسار بالعدل في السياسات، ويترسخ بالأمانة في الممارسة، ويتوازن بالاعتدال في التوقعات، لكنه لا يكتمل إلا حين تتحول هذه المبادئ إلى رعاية حقيقية ورحمة واعية في السلوك القيادي اليومي.
قال الله تعالى: ( ورحماء بينهم (الحجرات: 10
فالرحمة ليست تسيباً إداريًا، ولا ضعفًا في القيادة، إنما هي الوعاء الذي يحفظ القيم من التحول إلى شعارات. حين يفهم القائد ضغوط موظفيه، ويمنحهم الأمان النفسي للتعبير، لا يُجبر الإنسان على الاختيار بين النجاح وضميره. عندها تُحمى الهوية المهنية، ويصبح العمل مساحة نمو لا ساحة استنزاف.
ختاماً، ليس الخطر الحقيقي في ارتفاع سقف التوقعات أو تسارع التغيير، لكن في أن يُطلب من الإنسان أن يدفع ثمن النجاح من ذاته. فالمؤسسات التي تُنهك موظفيها أخلاقيًا قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تخسر على المدى البعيد إنسانًا كان قادرًا على العطاء بصدق. أما البيئات التي تحمي هوية الإنسان، فإنها لا تبني أداءً مستدامًا فحسب، إنما تصنع نجاحًا يتصالح فيه الإنجاز مع القيم، ويستقر فيه الضمير قبل الأرقام.
العمل الذي يُزكّي الإنسان يحفظ هويته، والعمل الذي يُنهكه يطال ضميره… فأي بيئة نصنع؟
الجاهزية لسوق العمل
مع بداية دخولك إلى سوق العمل في المملكة العربية السعودية، أنت لا تخطو فقط نحو وظيفة، وإنما تنطلق في رحلة مهنية تتشكل ملامحها مع كل تجربة ومع كل قرار تتخذه. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل، لم يعد النجاح مرتبطًا بالحصول على مؤهل أكاديمي فحسب، وإنما أصبح مرتبطًا بقدرتك على فهم البيئة المهنية من حولك، والتفاعل معها بوعي، وتطوير ذاتك بما يتوافق مع متطلبات المرحلة القادمة.
وفي هذا الإطار، من المهم أن تدرك أن سوق العمل اليوم يتغير بوتيرة متسارعة نتيجة التقدم التقني، وانتشار الأتمتة، وتنامي استخدام الذكاء الاصطناعي. هذه التحولات أعادت تشكيل طبيعة الوظائف، حيث تراجعت أهمية المهام الروتينية، في حين برزت الحاجة إلى الأدوار التي تتطلب التفكير التحليلي، والابتكار، والقدرة على اتخاذ القرار. وإلى جانب ذلك، ظهرت أنماط عمل جديدة مثل العمل المرن والعمل عن بُعد، وهو ما يعني أن قدرتك على إدارة وقتك، والانضباط الذاتي، والتواصل الفعّال أصبحت عناصر أساسية في نجاحك المهني.
ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من المهارات التي ينبغي عليك التركيز على تطويرها منذ بداية مسيرتك المهنية، حيث تمثل هذه المهارات الأساس الحقيقي للتميز في بيئة العمل الحديثة. فالتفكير النقدي يساعدك على تحليل المواقف واتخاذ قرارات واعية، كما أن مهارات حل المشكلات تمكّنك من التعامل مع التحديات بمرونة وكفاءة. وفي الوقت نفسه، يعزز التواصل الفعّال قدرتك على بناء علاقات مهنية ناجحة، بينما يسهم العمل الجماعي في تحقيق الأهداف المشتركة داخل المنظمة. وإلى جانب ذلك، يعد الذكاء العاطفي من العوامل المهمة التي تساعدك على فهم الآخرين والتأثير الإيجابي فيهم، مما ينعكس على جودة أدائك واستقرارك المهني. ومع كل ذلك، تظل مهارة التعلم المستمر هي المفتاح الذي يضمن لك مواكبة التغيرات وتطوير قدراتك بشكل دائم.
وعند الحديث عن التعليم، فمن المهم أن تنظر إلى مؤهلك الأكاديمي بوصفه نقطة انطلاق، وليس نهاية الطريق. فالقيمة الحقيقية لتعليمك تظهر عندما تتمكن من توظيف ما تعلمته في مواقف العمل الحقيقية، وتحويل المعرفة النظرية إلى تطبيقات عملية تسهم في حل المشكلات وتحقيق النتائج. كما أن حرصك على تطوير نفسك من خلال الدورات التدريبية، والقراءة، واكتساب الخبرات العملية، يعزز من فرصك في التميز ويزيد من قدرتك على المنافسة في سوق العمل.
أما فيما يتعلق بسوق العمل في المملكة العربية السعودية، فإنه يشهد مرحلة تحول نوعي تفتح أمامك آفاقًا واسعة للفرص المهنية، خاصة في القطاعات الواعدة مثل التقنية، والسياحة، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية. وفي هذا السياق، تتجه المنظمات إلى استقطاب الكفاءات الشابة القادرة على التكيف مع التغيير، والمبادرة، والابتكار. كما تولي اهتمامًا متزايدًا بتطوير المهارات المستقبلية، وهو ما يعني أن استثمارك في تطوير ذاتك سيضعك في موقع متقدم ضمن هذا المشهد التنافسي.
من إدارة الموارد البشرية إلى قيادة التجربة الإنسانية
يشهد دور الموارد البشرية تحولًا نوعيًا يعيد تعريف غايته ووظيفته؛ إذ يتجاوز التركيز التقليدي على السياسات والإجراءات نحو تصميم تجربة إنسانية متكاملة داخل بيئة العمل. وفي هذا الإطار، لم يعد السؤال يدور حول كيفية إدارة الموظفين، وإنما انتقل إلى تساؤل أكثر عمقًا يتمثل في كيفية تمكين الإنسان ليقدّم أفضل ما لديه بصورة مستدامة.
ومن هذا المنطلق، تؤكد التوجهات الحديثة أن التميز في الأداء لا يتحقق من خلال كفاءة الأنظمة فقط، وإنما يتشكل بدرجة أكبر من خلال جودة التجربة التي يعيشها الموظف داخل هذه الأنظمة. وفي السياق ذاته، يبرز كتاب People Matter at Work بوصفه أحد المراجع التي تؤكد أن وضع الإنسان في مركز تصميم العمل يمثل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق الاستدامة التنظيمية وتعزيز القيمة المؤسسية.
وعليه، تنطلق هذه الرؤية من ثلاث ركائز مترابطة تشكّل جوهر التجربة الإنسانية في العمل، حيث يعمل كل بُعد منها في تكامل مع الآخر:
🔹 المعنى: فمن خلال إدراك قيمة العمل وأثره، تتعزز الدافعية الداخلية ويتعمق الارتباط بالهدف
🔹 الانتماء: وفي موازاة ذلك، تسهم بيئة قائمة على الاحترام والأمان النفسي في ترسيخ الثقة وتشجيع المشاركة
🔹 التمكين: ومن جهة أخرى، يتيح توفير الثقة والصلاحيات وتطوير القدرات للأفراد الإسهام الفعّال في صناعة النتائج
وبالتالي، فإن تكامل هذه الركائز لا يعزز فقط مستويات الاندماج الوظيفي، وإنما يسهم أيضًا في تنمية الابتكار ودعم استدامة الأداء المؤسسي. وعلى صعيد التطبيق، يتجسد هذا التحول عندما تنتقل الموارد البشرية من إدارة العمليات إلى هندسة التجربة الإنسانية، وذلك من خلال مواءمة تصميم الوظائف، وتجارب الانضمام، وأنظمة إدارة الأداء، إلى جانب الثقافة التنظيمية، بما يضمن انسجام هذه العناصر معًا في إطار متكامل يدعم هذه الأبعاد.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن المنظمات التي تستثمر في الإنسان عبر تصميم تجربة عمل ثرية وهادفة، تكون أكثر قدرة على بناء بيئات مرنة وقابلة للتكيف، كما تتمكن من تحقيق أثر مستدام يتجاوز حدود الأداء التقليدي إلى آفاق أوسع من التميز المؤسسي.
الموارد البشرية مهندس الثقافة المؤسسية: التحول الجديد في منظمات المملكة العربية السعودية
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منظمات المملكة العربية السعودية، لم تعد الموارد البشرية مجرد وظيفة تشغيلية تقتصر على التوظيف وإدارة الرواتب والإجراءات الإدارية، وإنما أصبحت شريكًا استراتيجيًا في صناعة المستقبل، وعنصرًا محوريًا في تعزيز استدامة المؤسسات ورفع قدرتها التنافسية.
وفي هذا الإطار، يتجه الدور الحقيقي للموارد البشرية اليوم نحو كونها مهندسًا للثقافة المؤسسية؛ حيث تتولى تصميم أنظمة السلوك داخل المنظمة، وتحويل القيم من مجرد شعارات مكتوبة إلى ممارسات يومية ملموسة، فضلًا عن إعادة تشكيل تجربة الموظف منذ لحظة الانضمام، مرورًا بمساره المهني، وصولًا إلى مراحل التمكين والتطور الوظيفي.
وعلاوة على ذلك، يمتد هذا الدور ليشمل دعم القيادة وتطويرها، وإدارة التحول المؤسسي في بيئة تتسم بالتغير المستمر، إلى جانب بناء ثقافة تنظيمية مرنة قادرة على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها، خصوصًا في ظل سوق عمل تنافسي ومتسارع الإيقاع.
وانطلاقًا من هذا التحول، لم يعد السؤال المطروح يتمحور حول: ماذا تقدم الموارد البشرية؟ لكن أصبح التركيز منصبًا على: كيف تسهم الموارد البشرية في تشكيل السلوك والثقافة التي تحدد نجاح المنظمة أو تعثرها؟
وفي ضوء ذلك، فإن المؤسسات التي تدرك عمق هذا التحول، وتمنح الموارد البشرية دور “مهندس الثقافة المؤسسية”، ستكون الأكثر قدرة على تحقيق الاستدامة، وتعزيز التنافسية، وصناعة أثر حقيقي ومستدام في المستقبل.
أدعوكم لقراءة المقالة ومشاركة آرائكم: https://t.co/U55KY2X0zL https://t.co/CdAhW81Q2s
من القبول إلى الرفض: إعادة تعريف نجاح التوظيف في الموارد البشرية الحديثة
“تجربة التوظيف لا تنتهي عند قرار القبول، وإنما تتجلى ملامحها الحقيقية عند لحظة الرفض؛ حيث تتحدد سمعة المنظمة، ويُقاس نضج الموارد البشرية بقدرتها على تحويل قرار الرفض إلى تجربة تحفظ الاحترام وتبني الثقة.”
في أحد أيام التوظيف المعتادة، يدخل مرشح إلى مقابلة وظيفية وهو يحمل مزيجًا من الحماس والترقّب، إذ يكون قد أمضى وقتًا طويلًا في التحضير، واطّلع على المنظمة، وراجع سيرته الذاتية بعناية، وتخيّل كيف يمكن أن تكون خطوته المهنية القادمة داخل هذا المكان.
وبعد انتهاء المقابلة، يغادر وهو يشعر بأن الفرصة كانت حقيقية وممكنة، ثم يبدأ بعد ذلك مرحلة الانتظار التي كثيرًا ما تكون الأكثر تأثيرًا في تجربة المرشح. ومع مرور الأيام، يتفقد بريده الإلكتروني بشكل متكرر، ويعيد قراءة الرسائل، ويبحث عن أي تحديث قد يوضح مصير طلبه، إلى أن يصل في النهاية القرار الذي يفيد بأنه لم يتم اختياره.
إلا أن ما يبقى في ذاكرته في هذه اللحظة لا يتمثل في القرار ذاته، وإنما في الطريقة التي وصل بها هذا القرار، وكيف تم التواصل معه خلال هذه الرحلة. فقد يتساءل عما إذا كان القرار قد وصل في توقيت مناسب، وما إذا كانت صياغته تعكس الاحترام والوضوح، ومدى شعوره بأن وقته وجهده قد تم تقديرهما، أو أنه واجه صمتًا ممتدًا أو تواصلًا محدودًا لا يعكس قيمة التجربة التي مر بها.
وفي سياق مختلف، قد يعيش مرشح آخر تجربة مشابهة من حيث النتيجة، حيث لم يتم اختياره أيضًا، إلا أن طريقة إدارة التواصل كانت مختلفة، إذ وصل القرار في وقته المناسب، وبصياغة مهنية واضحة، حملت تقديرًا لجهده واعتذارًا مهنيًا، إلى جانب إشارة محترمة للاحتفاظ بملفه لفرص مستقبلية.
ونتيجة لذلك، يغادر هذا المرشح وهو غير موظف، ومع ذلك يخرج من التجربة بانطباع إيجابي يعكس احترام المنظمة واحترافيتها. ومن هنا تحديدًا، يظهر الفارق الذي ينبغي أن يتوقف عنده خبراء الموارد البشرية، حيث يتضح أن التوظيف لا يقتصر على لحظة اختيار المرشح المناسب، وإنما يمتد ليشمل سلسلة متكاملة من التجارب الدقيقة التي يمر بها جميع المتقدمين.
وبناءً على ذلك، فإن كل نقطة تواصل، مهما بدت بسيطة أو إجرائية، تسهم في تشكيل الصورة الذهنية للمنظمة داخل السوق، وتؤثر في سمعتها على المدى الطويل. كما أن المرشح الذي لم يتم اختياره لا تنتهي علاقته بالمنظمة عند لحظة الرفض، لأنه قد يتحول لاحقًا إلى عميل أو شريك أو موظف في جهة أخرى، أو حتى صوت مهني ينقل تجربته ضمن شبكته المهنية.
لذلك، فإن لحظة الرفض لا تمثل نهاية علاقة بقدر ما تمثل بداية أثر ممتد يتجاوز القرار ذاته.
وعليه، فإن المنظمات التي تدير هذه اللحظة بصمت أو دون تواصل مهني منظم، تخسر أكثر من مجرد مرشح، إذ تخسر جزءًا من سمعتها المتراكمة في السوق. وفي المقابل، فإن المنظمات التي تدير الرفض باحترام ووضوح وإنسانية، لا تحافظ فقط على صورتها المؤسسية، وإنما تبني جسورًا غير مرئية مع مواهب قد تعود في وقت لاحق.
وفي النهاية، قد لا يتذكر المرشح تفاصيل المقابلة أو الأسئلة التي طُرحت عليه، لكنه يتذكر بدقة كيف شعر أثناء التجربة، وكيف انتهت رحلته مع المنظمة. وهنا يتحدد الفارق الحقيقي بين منظمة تُغلق الطلبات من منظور إجرائي، ومنظمة تُدير تجربة الإنسان. بوصفها جزءًا من سمعتها وامتدادًا لثقافتها المؤسسية.
القادة العظماء لا يلعبون من أجل الفوز اللحظي… لكن من أجل الاستمرار في اللعب." – سيمون سينك
سأتناول في هذا المنشور مفهومًا جوهريًا في القيادة يحمل رؤية عميقة لكيفية ممارستها بذكاء وبُعد نظر، وهو: اللعبة اللانهائية في القيادة.
في كثير من الأحيان، يعتقد بعض القادة أن النجاح يُقاس بحجم الإنجازات الفورية، أو بسرعة تحقيق النتائج، أو بالفوز بالمؤشرات والأهداف قصيرة المدى. ومن هذا المنطلق، يتبنون ما يمكن تسميته بـ"عقلية اللعبة المنتهية"، حيث لكل شيء بداية ونهاية، ولكل منافسة فائز وخاسر. وبالتالي، ينحصر التركيز في تحقيق الانتصار اللحظي، دون الالتفات إلى ما قد يترتب عليه مستقبلًا.
وعلى النقيض من ذلك، تأتي القيادة الفعّالة برؤية أوسع وأكثر عمقًا. فكما يوضح سيمون سينك، استنادًا إلى طرح جيمس بي كارسيه، فإن القيادة لا ينبغي أن تُختزل في نتائج آنية، إنما يجب أن تمتد لتشمل الاستمرارية والنمو طويل المدى.
ومن هذا المنطلق، يتجلى مفهوم "اللعبة اللانهائية" في كونه نهجًا قياديًا يركز على بناء قيمة مستدامة تتنامى بمرور الزمن؛ حيث يمتد أثره ليشمل تطوير الأفراد، وترسيخ ثقافة تنظيمية مستدامة، وتعزيز التعلم المستمر، وتهيئة بيئة تدعم الابتكار والتجدد.
وعلاوة على ذلك، فإن القائد الذي يتبنى هذه العقلية لا يقتصر تفكيره على النتائج الحالية، وإنما يمتد نظره إلى ما بعد المشاريع، وأحيانًا إلى ما بعد دوره الشخصي في المنظمة. ومن هذا الوعي، يدرك أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما يتحقق في الحاضر فحسب، وإنما بما يُترك من أثر مستدام يمتد عبر المدى الطويل.
وفي ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الفوز في القيادة، بحيث يتجاوز كونه تحقيقًا لهدف مرحلي، ليعكس القدرة على الاستمرار والتأثير، وبناء إرث مهني وإنساني مستدام يدوم.
وانطلاقًا من ذلك، وجّه تركيزك نحو ما يتجاوز المكاسب اللحظية، واعتمد عقلية اللعب اللانهائي كنهج قيادي مستدام؛ استثمر في تطوير من حولك، وعزّز بيئة الابتكار، واصنع أثرًا مهنيًا وإنسانيًا يمتد ويزدهر على المدى الطويل، ليبقى حاضرًا حتى بعد غيابك..