حين يصبح الوطن بأكمله موكب وداع، وتغدو الشوارع ساحاتٍ لتشييع الشهداء، ويكبر الأطفال على صوت الفقد... فاعلم أن غزة لا تعيش حربا فحسب، بل تعيش مأساة إنسانية تتجاوز حدود الوصف.
رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وفكّ الكرب عن أهل غزة، وألهم ذويهم الصبر والثبات.
سيبقى الألم شاهدًا على هذه المأساة، وستبقى غزة عنوانا للصمود رغم كل ما تتعرض له من قتلٍ ودمار.
وُجدت هذه العظام مع الهوية شمال غرب غزة.. على طريق البحر الذي كان طريقا للموت في المساعدات.
هذا ما تبقى من جثمان شاب.. كان يحاول النجاة بكيس طحين فاستشهد.. واختفت اثاره.. حتى وُجدت العظام وهوية بهذا الشكل !
حبيبة قلبي يا غزة! ما زال بجعبتك كبشات الورد والملح؟ ما زال بوسعك الحزن الواسع رغم الفقد الفسيح! ما زلت قادرة على تشييع فلذات كبدك على الطريقة الأولى؟ نال منك القتل ما نال! وعجّزك العدو عن عد أولادك! وما زلتِ تشيعين طفلك الأخير مثل الأول، ولا فرق بينه وبين الشهيد الثلاثمئة ألف!
سبل عيونه ومد إيده يحنوله..
غزال زغير بالمنديل يلفوله!
وآه من موكب الغزال الزغير!
عجيبٌ أمر أهل غزة…
بينما كان العالم يطوي صفحة شهدائهم، كانوا هم يرفعون الركام حجرًا حجرًا، بحثًا عنهم.
وحين وجدوهم بعد طول انتظار.. نثروا الورد على نعوشهم، كأن الزمن لم يتأخر، وكأن الوفاء لا يعرف موعدًا يفوته.
أيُّ شعبٍ هذا الذي تُسرق منه البيوت، والأبناء، والأعمار… ثم يبقى قلبه قادرًا على أن يزرع وردةً فوق نعش شهيد؟
نسيهم العالم… أما غزة، فما نسيت اسمًا، ولا وجهًا، ولا شهيدًا
المشهد الأكبر في تاريخ الذاكرة الفلسطينية ..
في غزة .. لا تُشيَّع الأفراد، بل تُشيَّع عائلات كاملة.
ولا تُفتح المقابر لاستقبال شهيد أو اثنين، بل لعشرات الشهداء دفعةً واحدة.