يروي لي شيخنا العلّامة محمّد أبو موسى قصّةً له مع العلّامة الشيخ محمّد محيي الدين عبدالحميد؛ فيقول:
(كنت طالبا في الجامعة فعسرت عليّ مسألة في البلاغة؛ فقلت أذهب إلى الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد فأسأله عنها، وكان الشيخ عبدالحميد من عادته أن يجلس على مقعد في أحد مقاهي القاهرة المعروفة مع بعض أصدقائه، فوجدته منكبًّا يقرأ صحيفة كانت بيده، فطرحت عليه السؤال مع شيء من الحياء تقديرا لمقامه -مع أنّه وهو يسمع سؤالي لم يتوقّف عن قراءة الصحيفة، ولم يلتفت إليّ- فلمّا فرغت من السؤال أجابني فورًا باللهجة المصريّة :(امش اسأل الأنبابيّ) قال شيخنا: فانصرفت بغير المأمول؛ وقلت في نفسي: كيف أسأل الأنبابيّ وقد توفّي قبل خمسين عامًا أو يزيد؟!
ثمّ راجعت معرفتي، وثقتي بالشيخ محيي الدين عبدالحميد فقلت: لعلّه أراد ان أرجع إلى حاشية الأنبابيّ المسمّاة: "حاشية الأنبابيّ على رسالة الصبّان في علم البيان". ثمّ رجعت إلى الحاشية المذكورة؛ فوجدت المسألة بتمامها في الكتاب نفسه).
فتأمّل عقل هذا العالم وسرعة بديهته واستحضاره للمعرفة في بطون الكتب والحواشي، في لحظة لم يصرف نظره عمّا في يده ممّا يشتغل به.!
"يطفئ الله سراج فطنتك عمداً لتمر المشيئة من فوق حذرك الذي ظننته منجياً.. فإذا استقر المكتوب، أعاد إليك بصيرتك لتقف مذهولاً أمام جلال التدبير، وتسأل أين كان عقلي؟ لقد كان عقلك في يد خالقه، ليمضي فيك قدراً لا تملك دفعه عنك"
سُبحان الذي يُدبّر الأمر!❤️🩹
روي عن لقمان الحكيم أنّه قال لابنه :
يا بنيّ استغن بالكسب الحلال عن الفقر ،
فما افتقر رجل إلّا أصابته ثلاث خصال :
رقّة فى دينه ،
وضَعف فى عقله ،
وذهاب في مروءته ،
وأعظم من هؤلاء الثلاثة : استخفاف الناس به !
تنبيه المغترين (٣٠٧)📚
مما يُروى عن العرب في اختيار الزوجة:
أن تكون دون الرجل في أربع، لئلا تستصغره:
السن، والطول، والمال، والحسب.
وأن تكون فوقه في أربع، فيعلو قدرُها في بيتها وفي عين زوجها:
الجمال، والأدب، والخُلُق، والورع.
حكمةٌ قديمة تختصر تصورًا اجتماعيًا كاملًا للعلاقة بين الزوجين.
#اختيار_الزوجة
#الحياة_الزوجية
#الحكمة_العربية
#العلاقات_الزوجية
حنبليٌّ يكتب رسالةً كاملة في تفضيل مذهب مالك، والمفارقة أنّ الذي يفضّله ليس المذهب المالكيّ. ففي المجلّد العشرين من «مجموع الفتاوى» سؤالٌ يُوجَّه إلى ابن تيمية عن «صحّة أصول مذهب أهل المدينة، ومنزلة مالكٍ المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والدِّيانة، وضبطه علوم الشريعة عند أئمّة علماء الأمصار وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار»، فيجيب بجوابٍ يمتدّ مئةً وبضع صفحات، هو رسالةٌ مستقلّة قائمة بنفسها لا فتوى عابرة.
وموضوعها أدقّ من عنوانها الشائع: فليست مفاضلةً بين المذاهب الأربعة، ولا انتصارًا لمالكٍ على أبي حنيفة، بل هي بحثٌ في جغرافيا العلم عند المسلمين، يسأل: لماذا كانت المدينة النبويّة في القرون الثلاثة الأولى أسلمَ الأمصار في الأصول والفروع معًا، وما الذي يترتّب على ذلك في ميزان الاستدلال، وأين تقف حجّية عمل أهلها وأين تنتهي. والمذهب الذي يفضّله ابن تيمية هو مذهب أهل المدينة في عصر الصحابة والتابعين، لا المذهب المالكيّ الذي استقرّ بعد ذلك بقرون.
▪︎ نسبة الرسالة وأسماؤها
نسبتها إلى ابن تيمية محلّ اتّفاق عند من ترجم له وعُني بإحصاء تصانيفه، وقد وردت في المصادر بعناوين متقاربة:
- الصفديّ في «الوافي بالوفيات» (٧/١٨)، وابن شاكر الكتبيّ في «فوات الوفيات» (١/١٢٧)، وسمّياها: «تفضيل قواعد مذهب مالك وأهل المدينة».
- ابن عبد الهادي في «العقود الدريّة» (ص٣٤)، وسمّاها: «قاعدة في تفضيل مذهب مالك».
- «مجموع الفتاوى» ط مجمع الملك فهد (٢٠/٢٩٤)، وقد صُدِّرت فيه بصيغة السؤال، فاشتُقّ منها العنوان المتداول: «صحّة أصول مذهب أهل المدينة».
فالعنوان الأوّل مأخوذٌ من مضمونها، والثاني من مطلع السؤال، وليس في النصّ نفسه تسميةٌ نصّ عليها المؤلّف. ولم يُنصّ كذلك على تاريخ كتابتها ولا على اسم السائل، وهو نقصٌ يُشعر بأنّها كُتبت جوابًا عن استفتاءٍ ورد عليه من بيئةٍ مالكيّة، من غير أن يمكن الجزم بذلك.
▪︎ بناء الرسالة ومسارها
هي جوابُ فتيا لا كتابٌ مصنَّف، فبناؤها بناءٌ استدلاليّ متدرّج، وأكثر عناوينها الداخليّة في المطبوعات من صنع من فهرس «المجموع» لا من المؤلّف، ومع ذلك يجري النصّ على مسارٍ واضح:
١. مقدّمة في دلالة كون المدينة دار الهجرة والسنّة والنصرة، ثمّ أحاديث فضل القرون الأولى، وتحرير معنى «يشهدون قبل أن يستشهدوا»، وتعريف الصحابيّ ونقل قول مالك فيه.
٢. تحرير محلّ النزاع: أنّه لم يقل أحدٌ بحجّية إجماع أهل مدينةٍ سوى مدينة النبيّ ﷺ، وأنّ من نسب إلى أبي حنيفة أو أصحابه أنّ إجماع أهل الكوفة حجّة فقد غلط عليهم.
٣. مسحٌ تاريخيّ للأمصار وما خرج منها من العلم أو البدع.
٤. لبّ الرسالة: مراتب عمل أهل المدينة الأربع.
٥. مقارنةٌ بين المدرستين في الحديث والرأي: أيّ الأمصار أصحّ حديثًا، ومتى حدث الكلام في الرأي، وموقع «الموطّأ»، ونسخ النهي عن كتابة الحديث.
٦. تقرير أنّ أصول مالك وأهل المدينة أصحّ الأصول والقواعد، وبيان رجحان جملة مذاهبهم بأربع قواعد يستعرض بها أبواب الفقه.
٧. تطبيقٌ مطوّل على الفروع: المحرَّمات لخبث أعيانها، ثمّ المحرَّمات لجهة الكسب، ثمّ العبادات، ثمّ المناكح والعقوبات والأحكام.
٨. خاتمةٌ في مسألةٍ أصوليّة مستقلّة: نسخ القرآن بالسنّة.
▪︎ أبرز مسائل الكتاب
مراتب عمل أهل المدينة: أنفس ما في الرسالة، وأكثر ما نُقل عنها ودار في الدراسات الأصوليّة بعدها:
• الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبيّ ﷺ، كنقلهم مقدار الصاع والمدّ، وترك الصدقة في الخضراوات، والأحباس، وهذا حجّةٌ باتّفاق العلماء.
• الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، وهو حجّة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعيّ، وظاهر مذهب أحمد أنّ ما سنّه الخلفاء الراشدون حجّةٌ يجب اتّباعها.
• الثالثة: أن يتعارض دليلان يُجهل أرجحهما وأحدهما يعمل به أهل المدينة، ففيه نزاع: مالكٌ والشافعيّ يرجّحان بعملهم، وأبو حنيفة لا يرجّح به، ولأصحاب أحمد وجهان.
• الرابعة: العمل المتأخّر، وقد اتّفق الناس على أنّ إجماع أهل المدينة بعد الأعصار المفضّلة ليس بحجّة.
وقيمة هذا التقسيم أنّه نقل المسألة من خصومةٍ مذهبيّة مطلقة إلى تفصيلٍ يُسلّم أكثره الجميع، فما اتُّفق عليه رُدّ إلى النقل المتواتر، وما اختُلف فيه حُصر في مرتبةٍ واحدة هي مرتبة الترجيح عند التكافؤ.
- قصّة أبي يوسف ومالك: وهي المفتاح العمليّ للمرتبة الأولى، إذ سأله أبو يوسف عن الصاع والمدّ، فأمر مالكٌ أهل المدينة بإحضار صيعانهم وأسانيدها عن أسلافهم، وقال له: أترى هؤلاء يكذبون؟ فرجع أبو يوسف وقال: لو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجع كما رجعت، فاستدلّ ابن تيمية بذلك على أنّ مثل هذا النقل حجّةٌ عند أبي حنيفة نفسه، وإنّما لم يبلغه.
👇🏻
من ذكريات الشيخ عبدالكريم الخضير -حفظه الله- في العناية بالكتب، أنه اشترى كتاب "فتح الباري" الطبعة الهندية وهو في المرحلة المتوسطة بقيمة 100 ريال، ثم باعه بعد 30 سنة بـ 10 آلاف ريال، ثم عاد واشتراه بعد بحث استمر سنوات بقيمة 24 ألف ريال، وحديثة عن مكتبة الشيخ صالح الخريصي -رحمه الله-. ونقل عن الشيخ ابن باز -رحمه الله- أنه سُئِل عن شراء الكتب بثمن مرتفع فأجاب: "هذا ما فيه إسراف". وقصة كتاب "خزانة الأدب" طبعة بولاق. والشيخ يمتلك مكتبة تعد من أكبر وأندر المكتبات الخاصة على مستوى العالم الإسلامي.
إن العجب العاجب أن يبذل الشيخ_ابن جبرين_ جهداً دؤوبا ً في تحقيق فتاوى ابن تيمية مع الشيخ ابن قاسم، وفي تصحيح حاشية الروض المربع، وفي تصحيح كتب الشيخ عبد العزيز السلمان، ومع ذلك لا نجد له ذكراً في شيء من ذلك ولا تشوفاً له، ولا سمعته يوماً يتحدث عنه إلا ما رأيته بعيني أو سمعته عنه من غيره ، إنها صفحة من حياة الأتقياء الأخفياء .
عبد الوهاب الطريري متحدثا عن ابن جبرين في كتابه ذكريات التعلم .