ستعلمُ يا غادر!
مما جاء في صحيح سُننِ ابن ماجة:
عندما رجع مهاجرو الحبشةِ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: ألا تُحدِّثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟
فقال بعضهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوسٌ مرَّتْ بنا عجوزٌ من رهابينهم، تحملُ على رأسها قُلَّةَ ماءٍ، فمرَّتْ بفتىً منهم، فجعلَ إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها، فخرَّتْ على ركبتيها، فانكسَرتْ قُلَّتُها!
فلما وقفتِ العجوز التفتتْ إليه، وقالتْ له: سوف تعلمُ يا غادر، إذا وضعَ اللهُ الكرسيَّ، وجمعَ الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غداً!
فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، كيف يُقدِّسُ الله أُمةً لا يُؤخذ لضعيفهم من شديدهم!
الحمدُ للهِ على نعمة أنه هناك يوم قيامة!
هذا اليوم على ما فيه من أهوال حيث تدنو الشمسُ من رؤوس العباد، وعلى ما فيه من مخاوف حيث تشيبُ رؤوس الولدان حين يقولُ اللهُ تعالى لآدم عليه السّلام: أخرِجْ بعث النار، من كل ألف نفسٍ واحدة إلى الجنة والباقي إلى النار!
إلا أنَّه لولا هذا اليوم لكانت الحياة ضرباً من العذاب، فلا شيء يهوِّن على المظلومين عبور الطَّريق غير إيمانهم أنَّ هناك آخرة!
ستعلمُ يا غادر!
يا من أخذ حقَّ غيره في الوظيفة بالواسطة، وجاء نافشاً ريشه كالطاوس لأنه من طرفِ فُلان! ما زال للحكاية بقيَّة!
يا من غصبَ إخوته وأخواته حقَّهم من الميراث، يحسبُ أن الأمر انتهى هنا، اِستعِدْ لن تُسدَلَ السَّتارة إلا حين تقف بين يدي جبار السماوات والأرض!
ويا من حطَّ من سُمعة امرأةٍ عفيفة فأسقطها من عيون الخلق، ما ربحتَ إلا معركةً يتيمة، الحربُ لن تضعَ أوزارها إلا في محكمة الآخرة!
ويا من ظلَمَ زوجته، وأذاقها مُرَّ الحياة، ستعرِفُ غداً أنَّ من كان هنا لا يَرحمُ، فهناكَ لن يُرحم!
ويا من أفنى أعمار النّاس بادِّعاء الحُبِّ، وتمثيل الهيام والشوق، ولا غاية له إلا أن يستمتع ويتسلَّى، ستعلَمَ حين تُنصبُ الموازين أنَّ قلوب الناس غالية عند خالقها!
ويا أيها المديرُ الذي عاملَ موظفيه كأنهم عبيد، فأذَّلهم في لقمة عيشهم، وعبث بكراماتهم، وأراق ماء وجوههم، سترى غداً كيف أن الجزاء من جنس العمل!
ويا أيها القاضي الذي ارتشى، ويا أيها المهندسُ الذي غشَّ، ويا صاحب المستشفى الذي ترك الناس يموتون على أبوابها لأنهم لا يملكون ثمن العلاج، ويا صاحب العمارة الذي ألقى الناس في الشّارع لأنهم تأخروا في الأُجرة، ويا من عقدَ سِحْراً فخرَّب حياة الناس، ويا من مشى بالنميمة فأفسد ودَّ القلوب، ويا ظالمة كِنَّة، ويا فاجرة مع حماة، موعدنا جميعاً يوم القيامة، وإلى تلك اللحظة تذكروا قول عجوز الحبشة: ستعلمُ يا غادر!
أدهم شرقاوي / سُطور
- ما يزالُ المرء عزيزًا ما دام مُحتفظًا بجانبٍ من نفسه لا يُبديه لكلِّ أحد، فإن من بالغ في إظهار كلِّ ما عنده، ذهبتْ هيبته، وخبا نورُه، وتبددت صورته بعين الناس.. وقد رأيتُ من أفرطوا في المخالطة حتى ما تركوا لأنفسهم منها شيئًا، ثم عادوا خاويي الوفاض.
وفي ودّك مسافةً لا تُقطع ولا تستباح، مهما اشتدّ بك الحنين.
وإياك أن تكون للناس كلَّك، بل كن لهم بعضك، واحتفظ بالباقي لساعةٍ تتكئ فيها على ذاتك، لا على أحد سواك!
"الدنيا دار بلاء ونكد وكبد، تَسعدُ في الصباح وتحزنُ في المساء، تضيقُ في الليل وتطمئنُ في النهار، متقلّبة الحال، مُضطربة المَعاد، كلُّ هذا لكي لا تغتّر بها ولا تطمئن لها!
قال ابن القيم -رحمه الله-:
ومِن رحمته أن نغّصَ عليهم الدنيا؛ لئلا يَسكُنوا إليها، فساقَهُم بسِياط الابتلاء، فمَنَعَهُم ليُعطِيَهم، وابتلاهُم ليُعافِيهم."
"قالوا: ومن حسن الأدب أن لاتغالب أحدًا على كلامه، وإذا سئل غيرك فلا تجب عنه، وإذا حدّث بحديث فلا تنازعه إياه، ولا تقتحم عليه فيه، ولا تره أنك تعلمه، وإذا كلّمك صاحبك فأخذته حجّتك فحسّن مخرج ذلك عليه، ولا تظهر الظفر به، وتعلّم حسن الاستماع، كما تتعلم حُسن الكلام".
"ما نفعَ إنسانٌ نفسَه بشيء أكثر من التَّخفف من أثقالِ انطباعَات الآخرين وما تخفَّف منها أحدٌ بأحسن من التَّعلُّق بالله واعتبار حُكمه قبل كلِّ حُكم، واستقبال وَجهه دون كلِّ وِجهة
قال أبو حازم الأعرج، شيخ الإمام مالك، في عبارة سماوية «لمصانعة وجهٍ واحد أيسرُ من مصانعة الوجوه كلّه"
"ومهما جرت الدنيا رخاءً على العبد، وانصلحت أحواله، وتيسّرت له السبل، وأحاطه المحبّون، وتكاثرت عليه النّعم؛ فإنه يجد في نفسه اضطرابًا، وفي مشاعره أثرًا من مشاعر المغلوبين، وضيقًا لايعرف له سببًا؛ لأن القلب لايطمئنّ إلا إذا كان حبّ الله فيه هو الحبّ الأكبر بلا منازع".
أفرغ علينا صبراً يرضيك ونرتضيه،ووسع علينا حلق الدنيا الضيقة، وأدبنا بالعافية ولا تؤدبنا بالبلاء ،هذا رأس مالي، وهذا ما لا أملك سواه لأرتجيك ، دعائي إليك ،ورجائي المنقطع من الخلق نحوك ولهفتي لأن تستجيب ،وقلبي المتعب...
يا رجاء من استعان بك فما خيبته ،ويا مطمع الحائر لا يعلم للسكينة سبيلاً فما ضيعته، ويا أمل من وحدك فناداك في حلك الليالي المظلمة،ويا أرجى من يُدعي ليستجيب، وأكرم من يُسأل ليتفضل ،ويعطي فيُغني، ويا أمان خائفٍ قلق لا يريد سوى أن يطمئن ،ويا عماد من لم يبق له في دنياه غيرك ،
"فالذنب إما أن يميت القلب،أو يمرضه مرضاً مخوفاً ، أو يضعف قوته ،ولا بد ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي:الهم والحزن ،
والعجز والكسل،والجبن والبخل،وضلع الدين وغلبة الرجال".
إبن القيم
كان يحيي بن معاذ يقوم الليل مناجيا ربه فيقول: «يارب، هذا سروري بك في دار الغربة، فكيف سروري بك في دار القربة، هذا سروري بك في دار الخدمة فكيف سروري بك في دار النعمة، إلهي لا يطيبُ الليل إلا بمناجاتك وطاعتك، ولا النهار إلا بالمواظبة على خدمتك وعبوديتك، ولا تطيب الدنيا إلا بذكرك ولا الآخرة إلا ببرك، إلهي كيف أحزن وقد عَرفتك، وكيف لا أحزن وقد عصيتك، إلهي كيف أدعوك وأنا المخطئ اللئيم، وكيف لا أدعوك وأنت الرحيم الكريم».