واليوم أدعوك كما دعوتك ألف مرة.. إلى لقاء ولو في العمر مرة..
ولا تدع اللقاء يخسرنا ونخسر نحن وده..
ثم يقسم ألا يعود فنظل نمضي في الحياة بلا وعود.. ولا سعود..
ولا مسرة!
تلك النفحات الروحية الباذخة التي تهب عليك من المشرق كنسيم سلسال هي دائما ماتكون مضمخة بعبق ألف ليلة وليلة وليلها الساهر والمتأنق بحكاياتها وأساطيرها وغرائبها الساحرة ولفتاتها الفاتنة..
امتحان صعب
قطع صمته فجأة، وقال بصوت يحمل يقيناً مريباً :
لقد قررتُ أن أختفي عن الندماء والمريدين .
اختفاءً طويلاً دون سابق إنذار يكفي لمحو الذكر من أذهانهم، ويدفع أقربهم مني إلى البعد المتناهي .
ولقد اخترتك أنت لتكون شاهدي الوحيد ؛ لتسجل لي لحظة بلحظة :
متى بلغ تذكاري ذروته، ومتى بدأ الانحدار حتى القاع.
أنا أثق بك، فشاركني هذا العبء ولا تخذلني.
حدجه صاحبه بنظرة ممزوجة بالعجب والشفقة، وتنهد قبل أن يقول :
أنا أشفق عليك يا سيدي، وأخشى أن لا يتحمل قلبك الحقيقة المرة والخسارة الفادحة.
— لا بأس، قل ما شئت، فأنا أسمعك.
— إياك أن ترهق روحك بمشقة الغياب وقسوته لتختبر قلوبهم ودواخل أنفسهم؛ فما ستجنيه يفوق طاقتك على التحمل.
وسوف تجد حياتك بعد ذلك تتأرجح بين اثنين أحلاهما مر :
الفقد أو الخسارة أو كلاهما معا، والعواقب ستكون مفجعة.
ثق تماما أن النسيان هو الأصل إذا طال الغياب، فلا تتعلق بالسراب ثم تطارده لاهثا، فحبال الوصل والتذكر واهية على الدوام..
"سلاح قديم"
حين رأته لا يستجيب لمشيئتها، أجهشت بالبكاء، لكنه ظل جامداً. وبدا لها البكاء كسيفٍ قديمٍ مثلوم، فقد ��دته التي كانت تعرفها.
أدرك أنه يعيش في واقع غير واقعها، وأن كل زمان له أسلحته التي تتجدد، بينما هي لا تزال أسيرة الماضي.
كاد أن يبوح لها بذلك، لكنه أحجم في اللحظة الأخيرة، واتجه نحو الباب وهو يراوح بين السخط والرضا. همست له نفسه : "امنحها فرصة لتجدد أسلحتها"
فهو يرفض بشدة أن يرى المرأة بلا سلاح تدافع به عن كرامتها، حتى لو كان هو نفسه طرفاً في ذلك الصراع. فمنذ وعى ما حوله، لم يطب له الضعف لا في نفسه، ولا فيمن تشاركه الحياة.
تحت شرفة الظهيرة.
كانت شمس الظهيرة مطرقةً من حديدٍ تدق الرؤوس وتسكب نارها على حجارة السوق العتيقة، فتجعل الهواء يرتعش فوقها كسرابٍ خادع. كانت الأصوات قد خفتت، وباتت حركة الباعة والمشترين بطي��ةً ثقيلة، كأن الزمن نفسه يذوب في تلك الحرارة الخانقة. بحثنا عن ملجأ، فوجدنا ظلاً بارداً يمتد من شرفة خشبية قديمة، فاستظللنا بها نتنسم بعضاً من النسيان.
وفجأة، حدق صاحبي في الممر الضيق بين دكاكين السوق، حيث انسلّ ظلٌ سريعٌ عابر، لم يتوقف ولم يلتفت. رفع إصبعه المرتعش قليلاً نحو ذلك الاتجاه، وقال لي بصوتٍ يخالطه خشوعٌ وإجلال:
"ذلك الظل الذي مرّ سريعاً من هنا ولم يلتفت... إني أعرفه جيداً، ولن تخطئه أبداً عيناي."
توقفت عن التنفس، أسيراً لنبرة صوته التي حملتني في لحظة إلى ماضٍ لم أعشه، لكنه بدا حاضراً في عينيه. أكمل حديثه وكأنه يقرأ من كتاب ذاكرةٍ لا تمحى:
"إنه لذلك الشيخ المتهدم، الذي يأبى الانصياع حتى اليوم لسلطان الزمان وقهره. تراه الآن كأي عابر سبيل، لكنني أراه ذلك الجبل الذي صدّعت قشرته الريح، بينما ظلّ جذره راسخاً في الأرض."
صمت بر��ة، ثم عاد ليكمل الصورة التي رسمها في ذهني:
"أتذكر ذلك اليوم المشهود جيداً. اليوم الذي حلّ فيه الخوف كالضباب الكثيف، وأُمرنا جميعاً بأن نخفض أبصارنا وننصاع لاتجاهٍ واحدٍ فرضته الظروف الطارئة. في تلك اللحظة، خضعت كل الرقاب، وانحنت الظهور كسنابل القمح أمام رياح العاصفة. الجميع كان يبحث عن النجاة في الانبطاح."
هنا، تغيّرت ملامح وجهه، وظهرت ابتسامةٌ خافتةٌ ممزوجةٌ بالألم والفخر:
"لكن ذلك الشيخ... كان هو الاستثناء الصامت. لم يرفع صوته محتجاً، فلم يكن بحاجةٍ لإثبات شجاعته لأحد. لم يصرخ، ولم يتحدَّ بصخب. كل ما فعله أنه أدار رأسه ببطءٍ شديد؛ يمنةً ويسرة. كأنه يبحث بعينيه عن شيءٍ فقدناه نحن جميعاً في تلك اللحظة.
نظر إلى اليمين فرأى بحراً من الهامات المطأطأة، ونظر إلى اليسار فرأى عيوناً هاربة من الحقيقة. ثم، وبكل بساطة، لم يلتفت إليه أحد، ومضى هو في طريقه كأنه يسير في عالمٍ موازٍ لا تصل إليه أوامر أحد."
أطرق صاحبي برأسه، وعاد بصوته إلى همسٍ يمتزج مع حفيف الريح الخفيفة التي بدأت تدبّ في السوق:
"��بعد أن مرَّ زمنٌ قصير... قصيرٌ جدا كمرور ذلك الظل نفسه، انقلبت الموازين.
نجا هو شامخاً، لم تمسه يدٌ بسوء، بينما تطايرت رؤوسُ الخاضعين واحداً تلو الآخر، بينما كانوا يظنون أنهم قد اشتروا أمانهم فاطمئنوا."
نظرتُ إلى الممر الفارغ الآن، لم يعد هناك من أثر للظل، لكنني شعرت فجأة أن السوق كله قد أصبح أكثر اتساعاً، وأن ذلك الشيخ، برغم تهدمه، لا يزال يمشي بيننا، ظلاً لا تنحني قامته أبداً.
@wjod_94 المشكلة في التعود العربي على عدم الاحتفاء بالبيت الواحد مهما كان موثرا وجميلا إلا إذا حملته قاطرة من الأبيات المصطنعة أو المتكلفة كي يكون فصيدة.