ومن الإنصاف بمكان أن نقول إن النص القرآني هو الخبر البعيد الوحيد الذي يصمد عند وضعه على ميزان المسلك النظري للتواتر في أغلب طبقاته، ولولا الطبقة الأولى وما يكتنفها من إشكالات لتم للقرآن ما لم يتمّ لخبر بعيدٍ غيره.
وإذا تطرق الاحتمال إلى صحة نقل القرآن بإسقاط تواتره فإنه سيكون في مواجهة عدد كبير من الآثار الصحيحة الطاعنة في كماله وحفظه من التغيير، وبنزع غطاء التواتر عنه فإن الرد على هذه الإشكالات سيكون عسيرًا، وستكون غاية هذه الردود الوصول إلى الظن لا اليقين.
فأما القائلون بأن العلم المستفاد من التواتر ضروري فيلزمهم أن المرجع فيه إلى الوجدان؛ ومن ثَمّ فلا حجة فيه على من لم يجد في نفسه هذا العلم، وأما القائلون بأن العلم المستفاد منه نظري فتلزمهم -لا ريب- إشكالات عديدة على الطبقة الأولى من نقلة القرآن.
تقوم الموثوقية في صحة نقل القرآن والرد على الطعون في صحته على تواتر نقله، وهذا يحتاج إلى البحث في كون العلم المستفاد من التواتر ضروريًّا أم نظريًا، فإن كان ضروريًا كُفينا مؤنة البحث في طبقات نقلته، وإن كان نظريًا فالبحث فيها واجب.