من الضيق إلى السعة
يسير الإنسان في هذه الحياة مجبولاً على حُب الإلف والاعتياد، ينسج من خيوط الأيام علاقاتٍ، وأماكنَ، ومراحلَ، ويظن أن روحه قد اشتبكت بغيرها اشتباكاً لا فكاك منه. فإذا ما لوّحت له الأقدار ببادرة "فراق"، انقبض قلبه وَجلَاً، وتَمَلَّكه خوفٌ عارم من المجهول. لكن هذا الخوف، في ميزان الحقيقة والنفس البصيرة، ليس إلا وهماً يتبدد مع أول خطوة في طريق الانفصال.
وفي عمق هذا الخوف والوهم، يضع أبو حامد الغزالي -رحمه الله- يده على داء النفس ودوائها باختصار بليغ، فيقول:
ولا يبعد أن يكره الإنسان مفارقة شيء، ثم إذا فارقه لا يتأسف عليه .
وهذا التشخيص الدقيق يصف اللحظة الحاضرة التي تعقب الفراق مباشرة. فالإنسان قبل الفراق يكون أسيراً لـ "وهم الفراق وألم المصير"، يظن أن هذا الشيء هو مصدر أمنه الوحيد.
لكن ّالغزالي يخبرنا أن الغشاوة بمجرد أن تزول، يكتشف المرء المفاجأة: لقد ذهب الشيء، وبقيت الروح قائمة، بل وربما تنفست الصعداء!
إنها المرونة النفسية التي أودعها الله فينا، حيث يزول ثقل الاعتياد، ويحل محله شعور بالخفة والانعتاق، فلا يترك الغياب في القلوب حسرة ولا أسفاً .
وإذا كان الغزالي قد رصد ترفع النفس عن الحزن بعد الفراق، فإن القرآن الكريم جعل هذا الترفع منهجاً تربوياً يسكن إليه المؤمن، وذلك في قوله سبحانه وتعالى:
{لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ}
إنها دعوة إلهية واضحة لسكينة القلب؛ فالأشياء التي تفوتنا وتفارقنا إنما تبتعد بقضاءٍ مقدور حُسم أمرُه في لوح الغيب قبل أن نُخلق. وحين يدرك المرء أن ما فاته لم يكن ليبقى، وأن بقاءه لم يكن ليغير من حتمية المقادير شيئاً، ينقطع من جذوره داء "الأسف". تتحول هذه الآية إلى بلسم يضمد جراح الانفصال، وتمنح الروح حصانة إيمانية تحميها من الالتفات إلى الوراء بمرارة، ليحل التسليم مكان الندم .
ومن أسرار القدر ، أن هذا المنع والفوات لا يأتي عبثاً، بل يحمل في طياته أعظم العطايا. يقول الله سبحانه وتعالى:
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}
هنا يتسع الأفق؛ فالإنسان يبكي على ما فقده لأن نظره قاصر، يرى اللحظة الآنية ولا يرى المآل. إن غياب الأسف الذي تحدث عنه الغزالي ليس مجرد نسيانٍ عابر، بل هو نتيجة تدفق "الخير الكثير" الذي خبأه الله خلف باب الفراق.
عندما تنقشع سحب التعلق، يرى الإنسان بعيني قلبه كيف أن ما كره مفارقته بالأمس، كان حائلاً بينه وبين مِنَحٍ وعطايا لم تكن لتأتيه إلا إذا أُغلق ذلك الباب القديم.
ولا يقف اللطف الإلهي عند حدود كشف الحكمة، بل يمتد ليداوي الخوف الأكبر في النفس: خوف الوحدة، والقلة، والضياع بعد الفراق. وهنا تتجلى الروعة واليقين في قوله تعالى:
{وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ}
هذه الآية هي الضمان المطلق الذي يطرد أي خوف متبقٍ. إنها تعِد العابرين بمرحلة الفراق أن "الفراغ" الذي يخشونه لن يطول، فالله سبحانه لا يغلق باباً على عبدٍ إلا ويفتح له من خزائن جوده ما يغنيه.
وهذا الغنى ليس مالاً يُمسك باليد فحسب، بل هو غنى الروح، وطمأنينة الوجدان، وانشراح الصدر، وبدائل الرزق والرفقة التي تُنسي المرء مرارة الماضي. سعة الله لا تضيق، وأفق الله واسع، وأرضه فساح، وفجاجها مراح، وحين يتولى الله إغناء القلوب، يتلاشى الأسف تماماً، ويحل محله فيض من الرضا والامتنان، فلا تزال تدهشك ألطافه ونفحاته ، وتغمرك خيراته وبركاته ،
فالمتأمل في هذا التسلسل يدرك رحمة الله بعباده؛ فالإنسان يكره الفراق ضيقاً بجهله، فيطمئنه الغزالي بأن هذا الكره سيزول حتماً بعد أول خطوة، ثم يرفع القرآن سقف هذا الاطمئنان ليجعله يقيناً راسخاً: يحميك أولاً من **الأسى على ما فات**، ثم يريك **الخير الكثير** الكامن في هذا الفراق، ثم يحيطك **بأغصان سِعته وعطائه** حتى تلتئم جراحك تماماً.
والحياة رحلة انتقال، والتعلق بالأشخاص أو الأماكن كأنها مخلدات هو حرمان للنفس من سعة تدبير الله. فإذا ساق الله إليك فراقاً رغماً عنك، فابتسم لقلبك المرتجف وقل له: مهلاً.. فما هي إلا خطوات، وينقضي الأسف، وتبدأ السعة.
عيدية لكم 🎈
سحب على نسخة من أعمال الجاحظ الكبار 📚
بتجليد لف جلد فاخر 🔥
شاملة الشحن (( داخل السعودية ))
للدخول في السحب:
رتويت للتغريدة + الفائز من متابعينا.
• مايحتاج تدفع فلوس عشان تحصل على نسخة pdf • لان الدار الناشر " عطاءات العلم" سامحه ان الكتب ابن القيم وابن تيمية مجانًا
• هذا الرابط مجموع فيه جميع كتب ابن القيم طبعة عطاءات العلم
https://t.co/z3VmGdDCQZ
من جلال اسم الله (الرفيق) أنه يهيئ عباده لما يريد بهم من عظيم أقداره، فتراه يسوق من الأحداث العجيبة ما يكون توطئة لهذه الأقدار قبل نزولها، إذ لو نزلت عليهم فجأة دون مؤشرات ومبشرات لكان فيها اختلال أحوالهم، أو ذهاب عقولهم، أو هلاك نفوسهم =
وقفات وعظات
……………………..
٤-٤-١٤٤٤ هـ…
تاريخ سيظلّ خالدًا في ذاكرتي إلى ماشاء الله…
ليس لأنه مميّز بتشابه أرقامه!!
بل لأنه يوافق نهاية فترة عشتها لا تشابه
أي مرحلة في حياتي..=
بشرى سارة
((افتتاح معهد ابن عثيمين رحمه الله وطلابه)) للدراسة عن بعد مجانا من كل دول العالم
https://t.co/EwGpzRko9r
🗓️ مدة الدراسة : 3 أشهر
⭕ بقي 4 أيام فقط وينتهي التسجيل
✅ انشر واحتسب فلا تدري كم من عالم يتخرج من هذا المعهد ولك أجره