خواطر سياسية 8
عندما زار لبنان أحد أبنائه في الاغتراب ... سأله سؤالاً لم يتوقعه
في صباحٍ هادئ، قرر لبنان أن يسافر هذه المرة.
لم يذهب إلى مؤتمر دولي، ولم يزر سفارة، ولم ينتظر وفداً رسمياً.
بل قرر أن يزور أحد أبنائه الذين غادروا الوطن منذ سنوات، واستقروا في بلادٍ بعيدة، ونجحوا فيها أكثر مما سمح لهم وطنهم أن ينجحوا فيه.
وصل لبنان إلى منزل الرجل، وفتح المغترب الباب، فتجمّد في مكانه.
وقال بدهشة: لبنان؟!
ابتسم لبنان وقال: نعم ... قلت أزورك هذه المرة، فأنت دائماً تقول إنك تشتاق إليّ.
دعاه إلى الداخل ... جلسا بصمت للحظات.
كان المنزل مليئاً بالشهادات، والجوائز، وصور العائلة، وكتبٍ بلغات متعددة.
نظر لبنان حوله، ثم ابتسم وقال: واضح أنك نجحت.
ابتسم المغترب بخجل وقال: الحمد لله ... تعبت كثيراً حتى وصلت إلى هنا.
هزّ لبنان رأسه بإعجاب، ثم سأله بهدوء: فرحت كثيراً بنجاحك ... لكن عندي سؤال واحد.
قال الرجل: تفضل.
سأله #لبنان: ماذا فعلت لي بعد أن نجحت؟
ساد الصمت. لم يتوقع الرجل السؤال.
قال بعد تردد: أنا أرسل المال إلى أهلي كل شهر.
ابتسم لبنان وقال: أعرف ... لكن أهلك ليسوا أنا.
قال الرجل: وأساعد أقاربي أيضاً.
أجاب لبنان: وهذا جميل ... لكنني ما زلت أسأل عن لبنان.
بدأ الرجل يشعر بالارتباك.
وقال: لكنني غادرت لأنني لم أجد فرصة.
قال لبنان: وأنا لا ألومك، ثم أضاف، أنا لا أسألك لماذا غادرت ... بل ماذا فعلت بعد أن وصلت.
سكت الرجل، ثم قال: وماذا كنت تريدني أن أفعل؟
اقترب لبنان قليلاً وقال: أعلم أنه قد فات الأوان في الوقت الراهن. لكن، هل حاولت أن تنقل خبرتك إلى جامعة في لبنان؟
هل دعمت باحثاً؟ هل ساعدت شركة ناشئة؟ هل ربطت مستثمراً أجنبياً
بوطنك؟ هل قدّمت فكرةً لمؤسسة عامة؟
هل أقنعت أحداً أن لبنان ما زال يستحق فرصة؟ بقي الرجل صامتاً.
ثم قال: بصراحة ... كنت أظن أن هذه مسؤولية الدولة.
ابتسم لبنان ابتسامة خفيفة، وقال: الدولة مسؤولة ... لكن الوطن أكبر من الدولة.
ثم تابع: الدول تبني السياسات ... أما الأوطان فيبنيها أبناؤها.
قال الرجل: لكن كلما حاول أحد أن يفعل شيئاً، اصطدم بالجدار نفسه.
قال لبنان: أعرف ... لقد اصطدمت أنا أيضاً بذلك الجدار منذ سنوات طويلة.
ضحك الاثنان.
ضحكة قصيرة ... لكنها كانت مليئة بالتعب.
ثم سأل المغترب: وهل ما زلت تؤمن أنني أستطيع أن أقدم شيئاً؟
نظر إليه لبنان طويلاً، وقال: الغريب أن العالم كله يؤمن بك.
يوظفك ... ويثق بك ... ويعتمد عليك ... إلا أنت ... عندما يتعلق الأمر بوطنك.
ساد الصمت مرة أخرى، ثم قال الرجل: ربما لأنني تعبت من الانتظار.
أجاب لبنان: وأنا تعبت من أن يتحوّل كل ناجحٍ في الخارج إلى شاهدٍ على فشلي ... بدل أن يصبح شريكاً في إنقاذي.
نظر الرجل إلى الأرض، وقال بصوت منخفض: لم أفكر بالأمر بهذه الطريقة.
وقف لبنان استعداداً للمغادرة، وقبل أن يخرج، التفت إليه وقال: لا أريد منك
أن تعود لتعيش هنا. ولا أن تستثمر كل أموالك هنا. ولا أن تدافع عن أحد.
أريد فقط ... ألا تعتبر أن نجاحك انتهى عند حدود المطار الذي غادرت منه.
فتح الباب، ثم ابتسم وقال: تعرف ما يؤلمني؟
سأله الرجل: ما هو؟
قال لبنان: أنا لا أخسر أولادي عندما يهاجرون ... أنا أخسرهم عندما يقتنعون أن وطنهم لم يعد يحتاج إليهم.
غادر لبنان بهدوء، أما الرجل ... فبقي واقفاً أمام الباب طويلاً.
وللمرة الأولى منذ سنوات ... لم يسأل نفسه: "ماذا فعل لبنان من أجلي؟"
بل سأل سؤالاً أصعب بكثير: ماذا فعلت أنا للبنان ... بعد أن أصبح باستطاعتي أن أفعل؟
@MiraAlKhoury1@nadinebarakatlb ولا تنسي ان ما بيعطي نص مليون للدولة. بيشتري بيت، وبيتسجل بأسمه، بيعطوه الاقامة وبضل النص مليون بقيمة البيت. وبملكه. نحن بلبنان نصب بشرفية.
وما زال الفساد مستمراً ... ملاذ جديد للخارجين عن القانون.
أين انت يا دولة الرئيس من هذه المهزلة؟
مبادرة "الإقامة الذهبية" لا تنسجم مع الواقع اللبناني المؤلم ولا مع الأولويات الوطنية الملحّة.
يا سادة النواب،
قبل أن تطرحوا مشاريع الإقامات الذهبية والحوافز الشكلية والشعارات التسويقية، أنجزوا لنا دولة أولاً.
ابنوا مؤسسات فاعلة، أعيدوا الخدمات العامة، أصلحوا الاقتصاد، وفروا فرص العمل، وطبقوا مبدأ المحاسبة، واستعيدوا ثقة المواطنين الذين يدفعون منذ عقود ثمن الفشل السياسي وسوء الإدارة وغياب الرؤية الوطنية.
لبنان لا يعاني من نقص في برامج الإقامة، بل يعاني من نقص في الدولة نفسها، وغياب الحوكمة الرشيدة، وانعدام التخطيط الاستراتيجي، وضعف الإدارة العامة، وافتقار الطبقة السياسية إلى رؤية وطنية واضحة لمستقبل البلاد.
كيف يمكن الحديث عن جذب المستثمرين والمقيمين فيما اللبنانيون أنفسهم يهاجرون بحثاً عن الأمن والاستقرار والفرص؟
كيف يمكن الترويج لإقامة ذهبية فيما الدولة عاجزة عن تأمين الكهرباء، وضبط الحدود، وتطوير القضاء، وحماية أموال المودعين، وإطلاق مسار إصلاحي حقيقي؟
المشكلة ليست في عنوان المبادرة، بل في العقلية التي تنتجها. لا خبرة ولا رؤية ولا فكر ولا فهم. عقلية تفضّل المشاريع الدعائية على الإصلاحات الجوهرية، وتبحث عن عناوين إعلامية جديدة فيما تتجاهل أسباب الانهيار الحقيقي.
لقد فقد اللبنانيون الثقة بطبقة سياسية أمضت سنوات طويلة في إدارة الأزمات بدل حلّها، وفي توزيع الوعود بدل بناء الدولة. ما يحتاجه لبنان اليوم ليس "إقامة ذهبية"، بل دولة حديثة، قوية، عادلة، وفاعلة.
أعطونا دولة أولاً ... ثم تحدثوا عن الإقامة الذهبية.
@grandserail@LBpresidency@nawafsalam
يا جهابذ الجمهورية ... ليه الشخص القادر لح يدفع ٥٠٠ الف دولار ببلد متل #لبنان لما بيقدر يدفع نفس المبلغ بدولة اوروبية وبأصول ثابتة وبياخد اقامة دايمة وبدولة فيها مصداقية؟
@IbrahimKanaan@grandserail
سراب سياسي 7
عندما زار لبنان وزيراً سابقاً ... ليسأله، أين ذهبت خبرتك؟"
في مساءٍ هادئ، قرر لبنان أن يزور وزيراً سابقاً. كان الرجل قد دخل الحكومة قبل سنوات.
استقبلته الصحف يومها بعناوين كبيرة "خبير دولي، وصاحب تجربة طويلة." الرجل المناسب للإصلاح "الوزارة أخيراً في أيدٍ أمينة."
وصل لبنان إلى منزله، وطرق الباب.
فتح الوزير، ونظر إليه باستغراب، وقال: لبنان؟!
ابتسم لبنان وقال، قلت أمرّ لأطمئن عليك ... فقد اشتقت إلى مؤتمراتك الصحفية.
ابتسم الوزير بثقة، ودعاه إلى الداخل. جلسا، فنظر لبنان حوله.
على الجدران صور مع شخصيات دولية، وشهادات، ودروع تكريم، وكتب تحمل اسم الوزير.
قال لبنان، واضح أن سيرتك الذاتية أطول من مدة ولايتك.
ضحك الوزير، وقال: الحمد لله ... الخبرة لا تُشترى.
هزّ لبنان رأسه، ثم سأله بهدوء، ولهذا جئت أسألك. أين ذهبت كل هذه الخبرة عندما أصبحت وزيراً؟ ساد الصمت.
ثم قال الوزير، الظروف كانت صعبة.
ابتسم لبنان، وقال، لن نستعجل، دعنا نراجع معاً.
فتح لبنان دفتره، وقال، في أول أسبوع، كم مقابلة تلفزيونية أجريت؟
أجاب الوزير، لا أذكر ... ربما كثيراً.
سأل لبنان، وكم خطة إصلاح أطلقت؟
صمت الوزير.
أكمل لبنان، كم قانون اقترحت؟ كم إدارة أصلحت؟ كم إجراءً سهّل حياة الناس؟ كم مشروعاً بدأته؟ كم مشروعاً أنهيته؟
لا جواب على الإطلاق
كان الصمت يزداد ثقلاً. قال الوزير أخيراً، لكن الناس كانت تحب أن تسمعني.
ابتسم #لبنان بسخرية خفيفة وقال، صحيح، لكن الوزارات لا تُدار بالميكروفون.
ثم تابع، هل تتذكر أول مؤتمر صحفي لك؟
قال الوزير: طبعاً.
قال لبنان، تحدثت فيه عن رؤية شاملة، وخطة استراتيجية، وإصلاح جذري، وتحوّل تاريخي.
ثم سأله، أين أصبحت هذه الكلمات؟
تنهد الوزير، وقال، لم تسمح الظروف.
ضحك لبنان، وقال، الغريب أن الظروف كانت تسمح دائماً بالمقابلات التلفزيونية.
خفض الوزير رأسه.
فأكمل لبنان، قل لي، كم ساعة أمضيتها أمام الكاميرا؟ وكم ساعة أمضيتها مع موظفي وزارتك؟ وكم مرة زرت الإدارات التابعة لك؟ وكم مرة جلست مع المواطنين الذين تنتظر ملفاتهم منذ سنوات؟
لم يجب.
فتح لبنان ملفاً صغيراً، وقال، تعرف ما وجدته؟ وجدت عشرات التصريحات، لكنني لم أجد خارطة طريق واحدة.
وجدت وعوداً. لكن لم أجد مؤشرات أداء.
وجدت مؤتمرات، لكن لم أجد نتائج.
قال الوزير بصوت منخفض: الإصلاح ليس سهلاً.
أجاب لبنان، لم أقل إنه سهل.
لكن لماذا بدا الحديث عنه أسهل من القيام به؟
ساد الصمت مرة أخرى.
ثم قال الوزير، على الأقل ... حاولت.
ابتسم لبنان وقال، المحاولة تُقاس بما بدأته، ولا بما أعلنته.
ثم أضاف، هل تعلم ما الذي بقي منك في الوزارة؟
رفع الوزير رأسه، وقال: ماذا؟
أجاب لبنان، أرشيف المقابلات التلفزيونية.
أما الوزارة، فما زالت تنتظر الوزير الذي يبدأ من المكتب ... لا من الاستديو.
وقف لبنان، وتوجه نحو الباب. وقبل أن يغادر، التفت إلى الوزير وقال، الناس لا تتذكر عدد المرات التي ظهرت فيها على الشاشة، بل تتذكر عدد المرات التي شعروا فيها أن حياتهم أصبحت أفضل.
خرج لبنان بهدوء، ثم نظر إلى مبنى الوزارة من بعيد.
وقال، في لبنان، كثيرون يدخلون الوزارة وهم يحملون خبرةً كبيرة ... لكن بعضهم يغادرها ولا يترك خلفه إلا مقابلاتٍ محفوظة على الإنترنت.
أسئلة على طاولة دولة الرئيس ... تحتاج إلى أجوبة مقنعة
هل السياسة الدولية تمنعنا من وضع رؤية عامة، وبرامج إصلاحية جذرية في ملفات لمناقشتها مع الرأي العام؟
هل هي صعبة لهذا الحد؟
في كل مرة تُشكّل فيها حكومة جديدة في لبنان، يعود الأمل إلى الناس. يتفاءل المواطنون، فتُرفع التوقعات، وتبدأ الوعود. ثم، وبعد أشهر قليلة، يبدأ الانهيار من جديد. وكأن الدولة تدخل في حالة انتظار جماعي. انتظار ماذا؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بصراحة. منذ سنوات، تتكرر الظاهرة نفسها. تتشكل الحكومة، ثم يتحوّل معظم النقاش السياسي والإعلامي والوزاري إلى ملف واحد: السلاح، الحرب، حزب الله، القرارات الدولية، والمواجهة الإقليمية.
لا أحد ينكر أهمية هذا الملف، ولا أحد ينكر أنه يمثل قضية سيادية ووطنية كبرى. لكن السؤال البديهي هو، هل هذا الملف هو المسؤولية المباشرة لكل وزير في الحكومة؟ أليس لكل وزارة اختصاصها؟ أليست قضايا السيادة والأمن الوطني من صلب مسؤوليات رئاسة الحكومة ووزارات الدفاع والداخلية والخارجية والأجهزة المختصة؟
فلماذا يتحول وزير الاقتصاد إلى محلل أمني؟ ووزير الزراعة إلى خبير استراتيجي؟ ووزير الشؤون الاجتماعية إلى متحدث في القضايا العسكرية؟
ومن يدير الاقتصاد إذن؟ ومن يعالج الانهيار النقدي؟ ومن يضع خطة زراعية؟ ومن ينقذ التعليم؟ ومن يطور الصحة العامة؟ ومن يعالج أزمة المياه والكهرباء والنقل والإدارة العامة؟ الدول لا تُدار بهذه الطريقة. الدول الناجحة تعرف كيف تدير ملفاتها بالتوازي.
فالأمن الوطني مهم، لكن الأمن الاقتصادي مهم أيضاً، والأمن الاجتماعي، والأمن الصحي، والأمن الغذائي مهم، والأمن الوظيفي مهم، والأمن التعليمي لا يقل أهمية عن أي ملف آخر. ومن هذا المنطلق نستطيع مناقشة مسألة الأمن القومي اللبناني. هل تأخرنا في هذا؟ الجواب عندك، والجميع بإنتظار سماعه.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود قضية سيادية كبرى، المشكلة أن الدولة تتوقف عن العمل بانتظار حلها. وكأن لبنان قرر أن يجمّد مستقبله بالكامل حتى تنتهي الحرب.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: من قال إن الإصلاح يجب أن ينتظر؟
من قال إن تحديث الإدارة العامة يحتاج إلى نهاية الحرب؟
من قال إن مكافحة الفساد مرتبطة بالتسويات الإقليمية؟
من قال إن إصلاح القضاء يحتاج إلى وقف إطلاق النار؟
من قال إن التحوّل الرقمي للدولة يجب أن ينتظر الحلول الدولية؟
ومن قال إن بناء المؤسسات لا يمكن أن يبدأ اليوم؟
لقد اعتدنا سماع العبارة نفسها: الإصلاح صعب.
ثم نسمع العبارة الثانية: ما خلّونا.
لقد سئم اللبنانيون سماع الأعذار يا دولة الرئيس.
فالشعوب لا تقيس الحكومات بما تمنعها الظروف من فعله، بل بما تنجح في تحقيقه رغم الظروف. والقيادة الحقيقية لا تُختبر في الأوقات السهلة، بل في أصعب اللحظات.
ولهذا فإن السؤال الذي معظمنا نوجهه لكم اليوم هو:
أين الورشة الوطنية التي وعدت بها اللبنانيون يا دولة الرئيس؟
أين برنامج العمل الحكومي؟
أين خطط المئة يوم الأولى؟
أين مؤشرات الأداء؟
أين المشاريع التنفيذية؟
أين الإصلاح الإداري؟
أين تحديث الدولة؟
أين إعادة بناء الاقتصاد؟
أين استعادة الثقة بالمؤسسات؟
أين الاستثمار في الشباب؟
أين الرؤية الوطنية التي تجمع اللبنانيين حول مستقبل مشترك؟
دولة الرئيس ...
لبنان لا يحتاج فقط إلى حكومة تدير الأزمات، بل إلى حكومة تُدير الدولة.
ولا يحتاج فقط إلى خطابات سياسيةن بل إلى ورشة وطنية شاملة تعمل في كل قطاع، وكل وزارة، وكل مؤسسة، وفي كل يوم.
فالدول لا تنهض عندما تُحل كل مشاكلها، بل عندما تبدأ العمل رغم وجود المشاكل.
أما الانتظار، فقد جرّبناه طويلاً، وكانت كلفته على لبنان باهظة.
لقد حان الوقت للانتقال من منطق الانتظار إلى منطق الإنجاز.
ومن سؤال من يحكم؟ إلى السؤال الأهم، كيف تُحكم الدولة؟
فهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي. وهنا تبدأ عملية بناء الدولة التي يستحقها اللبنانيون. وإنت منهم.
@grandserail@LBpresidency@nawafsalam
#لبنان
سراب سياسي 6
المثقف الذي حارب الجميع … إلا من يجب أن يحاربهم
في مقهى هادئ مليء بالكتب القديمة، والقهوة الباهظة، والآراء التي تكلّف أكثر من القهوة نفسها، قرر #لبنان أن يزور كاتباً ومثقّفاً معروفاً.
كانت الجدران مغطاة بمقالات مؤطرة تحمل عناوين مثل المقاومة، الحقيقة، الثورة، لماذا كل شيء خطأ؟
رفع الكاتب رأسه وابتسم وكأنه كتب هذا اللقاء مسبقاً.
آه … #لبنان. لقد حللتُ حالتك منذ عقود.
أجابه لبنان بهدوء: إذاً يجب أن تعرف لماذا أنا هنا.
جلسا. وصلت قهوة الإسبريسو أسرع من أي مساءلة حقيقية.
بدأ #لبنان: أخبرني … لماذا كنت ثورياً عندما كانت الكلفة منخفضة؟
ابتسم الكاتب بلطف. أفضل مصطلح هو “مقاومة رمزية”.
بالطبع، لأنه أكثر أكاديمية، وأكثر أماناً.
هزّ الكاتب رأسه بفخر. بالضبط.
انحنى لبنان إلى الأمام ... دعني أعيد صياغة السؤال. لماذا كنت شجاعاً عندما لم تكن الشجاعة مكلفة؟
حرّك الكاتب قهوته ببطء، لا أقول إنها لم تكن مكلفة … كانت هناك ندوات فكرية.
ندوات ... نعم، مناقشات حادة جداً. في قاعات مغلقة.
كتب #لبنان لا شيء. لم يكن هناك جديد يُدوَّن.
ثم سأل لبنان: لماذا صمتّ عندما أصبح الصمت مربحاً؟
رفع الكاتب حاجبه، لم أصبح صامتاً.
ماذا تسمي ذلك إذاً؟
أصبحت انتقائياً.
هز لبنان رأسه. صمت انتقائي.
ابتسم الكاتب. إنه شكل متقدم من المشاركة.
نظر لبنان حوله: وأين كنت عندما أصبح الكلام عن الفساد خطيراً؟
عدّل الكاتب نظارته: كنت أتأمل.
ماذا؟ تعقيد الوضع.
تنهّد لبنان. طبعاً. التعقيد دائماً يصل في الوقت الذي نحتاج فيه إلى الشجاعة.
تابع لبنان: متى أصبحت الثقافة تبريراً بدلاً من أن تكون مواجهة؟
بدت على الكاتب ملامح اعتراض. أنا لا أبرر.
إذاً ماذا تفعل؟
أضع الأمور في سياقها.
ما هي؟
أشرح لماذا لا يمكن التغيير فوراً.
هز لبنان رأسه. إذن تحولت الثقافة إلى غرفة انتظار جميلة التصميم.
ابتسم الكاتب.
وصف قاسٍ ... لكنه دقيق.
انحنى لبنان إلى الخلف وقال: كنت تكتب عن الثورة.
نعم.
أين هي الآن؟
أشار الكاتب بيده. تطوّرت.
إلى ماذا؟
إلى خطاب.
سكت لبنان: وماذا يفعل الخطاب؟ ينتشر ولا يغيّر شيئاً؟
تردد الكاتب: ليس بالضرورة.
نظر لبنان إلى الكتب على الطاولة: كل هذه الكتب … كل هذه المقالات … كل هذه المحاضرات …
قاطع الكاتب بفخر: إنتاج فكري مهم.
هز لبنان رأسه: نعم. إنتاج مهم لتفسير لماذا لا يتغير شيء.
مال الكاتب إلى الأمام: يجب أن تفهم … الكلام العلني له كلفة.
أجاب لبنان: والصمت له فوائد.
سكت لحظة.
ابتسم الكاتب بخفة: جعلتها تبدو معاملة تجارية.
أجاب لبنان: أليست كذلك؟
تحرك الكاتب في مقعده: أنا أحارب بالكلمات.
نظر إليه لبنان: مع الجميع؟
نعم.
إلا من يجب محاربته؟
صمت. فجأة بدا ضجيج المقهى أعلى من المعتاد.
سأل لبنان أخيراً: هل تخاف أن تكون مخطئاً؟
ابتسم الكاتب: لا. أخاف أن أكون غير مهم.
وما الذي يجعلك مهماً؟
التوازن ... بين الحقيقة والأمان؟
بين الحقيقة والبقاء: هز لبنان رأسه ببطء.
إذن الحقيقة قابلة للتفاوض.
لم يجب الكاتب.
وقف لبنان ... نظر إليه طويلاً، وكأنه يحاول أن يتذكر متى فقد هذا الرجل صوته ... أو ضميره.
قال بهدوءٍ أثقل من الغضب: كنت أظن أن المثقف هو آخر من يستسلم.
لم يجب الكاتب.
تابع لبنان: لكنني اكتشفت أن أخطر أنواع الاستسلام هو الذي يلبس ثوب الحكمة.
ساد الصمت، ثم أضاف: لقد حاربت الجميع، إلا من جعل الجميع يخاف.
ارتجفت يد الكاتب للحظة، ونظر إلى رفوف الكتب الممتلئة بعناوين عن الحرية، والعدالة، والثورة. بدت كلها فجأة وكأنها تشهد ضده.
استدار #لبنان نحو الباب، وقبل أن يغادر، قال دون أن يلتفت: الأوطان لا تسقط عندما يصمت الجبناء، بل عندما يجد الجبن من يبرّره."
وأغلق الباب خلفه.
بقي الكاتب وحيداً ... فتح حاسوبه وحاول أن يكتب.
للمرة الأولى ... لم يجد أي كلمة تختبئ خلفها الحقيقة.
#الشرق_الأوسط الجديد يُصاغ اليوم … فأين موقع #لبنان
لقد آن الأوان لأن ينتقل الخطاب السياسي اللبناني من سؤال “ماذا يفعل الآخرون بلبنان؟” إلى سؤال أكثر شجاعة ومسؤولية: ماذا فعلنا نحن بلبنان … وماذا سنفعل لإنقاذه؟
@grandserail@LBpresidency@nawafsalam#لبنان
مقالي على موقع Beirut Gate @highlight
https://t.co/obtsdzYHW4