أهمية الاتفاق الإيراني الأمريكي أنه يفتح الباب نحو نهاية الغطاء الأمريكي لحروب نتنياهو، فالمحرك السياسي للآلة العسكرية الإسرائيلية منذ السابع من اكتوبر كان رغبة الاحتلال في بناء نظام إقليمي جديد، يبدأ بهزيمة حماس في غزة وينتهي بإسقاط النظام في إيران.
ومع فشل الحرب على إيران وانسحاب الولايات المتحدة من المعركة يتقلص هامش مناورة نتنياهو أمام ترامب بشكل كبير، خاصة أن معارضة نتنياهو لاتفاق أوباما أخرج الاحتلال الإسرائيلي من مظلة دعم الحزب الديمقراطي، وأي اشتباك مع إدارة ترامب حاليا يخاطر بإخراج الاحتلال من مظلة دعم الجمهوريين. وهذا خطر استراتيجي لا يستطيع نتنياهو تحمله انتخابيا ولا كيان الاحتلال تحمله سياسيا وعسكريا.
وترتبط هذه المعادلة بالتباين الكبير في الأهداف بين الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة، عدا عن الاختلاف الكبير في الحسابات الجيوسياسية.
فالموقف الأمريكي تحكمه عوامل ومحددات دولية واقتصادية تتجاوز نتنياهو والاحتلال الاسرائيلي والشرق الأوسط كله.
كما أن إيران اختبرت معادلة الردع التي بنتها خلال حرب الأربعين يومًا، فرغم انتكاسة المفاوضات مرات عدة منذ الهدنة المبدئية التي جرى التوصل إليها في السابع من أبريل. إلا أن ترامب لم يبادر لاستئناف الحرب.
ورغم أن الولايات المتحدة أجلت وماطلت إلا أنه لم يكن هناك مفر من القبول بالتحوّل الذي طرأ على موازين القوة في المنطقة، والتي بدأت تظهر على شكل حقائق جيوسياسية ستلقي بثقلها على العلاقات الأمريكية الاسرائيلية والتحالفات الاقليمية والدور الأمريكي في المنطقة.
لم أستبشر بشيء منذ سنوات كما استبشرت بهذا السلاح؛ فلطالما كانت التكنولوجيا العسكرية الغربية أداة البطش الأثقل تأثيرًا في ميدان الحرب، إلى أن جاء سلاح المُحلِّقات/المُسيَّرات ليغيّر كل المعادلات.
فيُظهر جبن الاحتلال وخَوَرَه، ويكشف محدودية قدراته، وينتزع منه نقاط تفوقه التي تعتمد على السيطرة الاستخبارية وهيمنة سلاح الجو.
فالمقاومة اللبنانية ستكون قادرة على جباية الثمن من جيش الاحتلال بالاعتماد على ثلاث نقاط تفوق أساسية:
أ) سلاح الأنفاق الذي يمنح المقاتلين القدرة على الاختباء والتمويه والمناورة.
ب) سلاح المسيّرات الذي يُمكّنهم من توجيه الضربات من دون تكاليف أو أثمان تُذكر.
ج) البيئة الاجتماعية والأيديولوجيا التي تمنح المقاومة نَفَسًا أطول وقدرة على الصمود في حروب الاستنزاف.
منذ السابع من أكتوبر، كان هدف الجهد الحربي الإسرائيلي هو استعادة هيبة الجيش، لأنه مرتكز البقاء الوجودي لدولة الاحتلال، وذلك بإظهار أنه قادر على تحقيق الأهداف العسكرية وتنفيذ كل ما يريده على الأرض.
وحتى حينما كانت الانتقادات تتصاعد في الإعلام الإسرائيلي، فإنها كانت تركز على أن المستوى السياسي غير قادر على تحويل منجزات الجيش إلى حقائق سياسية. وكانت تتجنب الاشارة للجيش او ضعفه.
لا شك في أن ما يقوم به الحزب عبر سلاح المسيّرات يكسر صورة جيش الاحتلال، ويبث الرعب في صفوفه، لكن، الأهم من ذلك، انه قادر عمليًا على وقف تقدم الجيش ومنع تمركزه في الأراضي اللبنانية.
ويطوّر الحزب أداءه بصورة مذهلة في استعمال هذا السلاح، الذي سيجبر جيش الاحتلال على التقهقر والاعتراف بالهزيمة.
تحدّث أحد الخبراء الأمريكيين حول زيارته مؤخرًا إلى دولة الاحتلال، وذكر أن الإسرائيليين يتحدثون عن "الاستراتيجية" باللغة الإنجليزية فقط عندما يخاطبون الحلفاء، مثل الولايات المتحدة، أو في المؤتمرات الدولية، لإظهار وجود خطط بعيدة المدى، بينما على الأرض تحكمهم عقيدة الارتجال والانتقام.
وهذا ما حدث مع قائد حركة حماس، الدكتور خليل الحية؛ فالاحتلال الذي حاول اغتياله والانتقام منه في الدوحة، عاد أمس لتنفيذ عملية اغتيال لنجله الرابع في غزة، ليلتحق بإخوته الثلاثة الذين سبقوه.
في الوقت نفسه، تؤكد عملية الاغتيال مدى ثبات الحركة وصمودها في وجه الضغوط والتهديدات التي تحاول انتزاع القطاع من سياقه الوطني، لتحويله إلى ثكنة إسرائيلية تحكمها الميليشيات والعصابات.
وهو ما يترافق مع انتقال الأمريكي إلى دفة قيادة الحرب على الفلسطينيين، من خلال السعي لتحويل المجهود الحربي الإسرائيلي إلى منجز سياسي يخدم أمن الاحتلال ومستوطنيه، في سياق إقليمي.
وهو الأمر الذي يعيد التذكير دائما بعبثية المقترحات والمفاوضات التي يقودها الأمريكي بينما الإسرائيلي يواصل القتل والانتقام والتدمير.
كل يوم يثبت للجميع بأن ما يسمى "مجلس السلام" الذي أعلن عنه ترامب ليس سوى كذبة كبيرة لا تؤثر في سلوك الاحتلال الإسرائيلي بشيء. المؤسف أنه خلال الأسابيع الماضية تركزت جهود الوسطاء على وضع الفلسطينيين في الزاوية عبر استدراجهم لمساحة التفاوض على "نزع سلاح المقاومة" دون أن يكون الاسرائيلي مخاطبا أو طرفا في العملية التفاوضية التي تدور في حلقة مفرغة.
المقاربة السياسية لسلوك ميلادينوف تنتمي للاستراتيجية الأمريكية التي تريد أن تعزل "القضية الفلسطينية" عن الحرب الإقليمية، على اعتبار أن هناك هدف استراتيجي أكبر يسعى له نتنياهو وترامب لتوريط دول الخليج في الحرب على إيران، وتحييد ملف غزة عبر المداولات الماراثونية يساعد في تحقيق ذلك الهدف.
المشكلة ليست فيما يريده نتنياهو وترامب، بل في الموقف الفلسطيني نفسه، فالاحتلال يحاول ترسيخ وجوده في المنطقة الصفراء ويعزز تموضعه العسكري ويدعم العملاء والميليشيات، وهو الأمر الذي يستدعي مقاربة جديدة. فمجلس السلام لم ينجح حتى في توفير تمويل لتشغيل اللجنة الإدارية ولم يستطع استجلاب قوات دولية ولم يتمكن من تشغيل حقيقي لمركز التنسيق المدني والعسكري. ويحاول الان توفير غطاء لمزيد من القتل والقصف على غزة عبر كذبة المفاوضات ومحاولة نزع سلاح المقاومة.
@alinad630 البيانات والمعطيات التي نشرها وينشرها جيش الاحتلال تشير لخلاف ذلك، الرشقات الصاروخية منذ اليوم الرابع للحرب مستقرة وتزداد وتيرتها من حين لآخر. إضافة لذلك دخول الحزب واليمن على خط المعركة أعطى زخم أكبر لاستنزاف الجبهة الداخلية للاحتلال.
صحيح أن ترامب هو من اتخذ قرار الحرب على إيران، لكن ليس من المبالغة القول إن الإعداد والتجهيز لها استمرّا لعقود، لا لسنوات فقط. فقد كانت المؤسسات الأمريكية تُعِدّ نفسها لهذه الحرب بأدق التفاصيل، حتى إنها طوّرت قنابل مخصصة لذلك.
في المقابل، استعدّت إيران أيضًا لهذه الحرب،ومنذ بدايتها اختبرت جملة من رهاناتها الاستراتيجية، لا سيما في ما يتعلق بالترسانة الصاروخية والاستعداد لحروب غير متناظرة.
الحروب لا تُنتج بالضرورة نتائج سريعة أو حاسمة، بل تفرز ديناميكيات معقدة قد تُنتج واقعًا لا يتطابق مع حسابات المخططين العسكريين والسياسيين، الذين أمضوا سنوات طويلة في التحضير لها.
فعلى سبيل المثال، كانت لدى الولايات المتحدة فرضيات أساسية تبيّن فشلها في الأيام الأولى، مثل التعويل على تحييد منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية قبل استنزاف الصواريخ الاعتراضية، أو الرهان على تحريض الإيرانيين للنزول إلى الشارع بعد استهداف منظومة القيادة والسيطرة. والأهم من ذلك، الاعتقاد بإمكانية تحديد موعد نهاية الحرب أو التحكم في استراتيجية الخروج منها متى ما أرادوا.
لكن الواقع أظهر فشل هذه الرهانات، إذ تسير الحرب حاليًا بزخم إيراني واضح، ضمن استراتيجية تقوم على رفع كلفة الحرب على الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية إلى أقصى حد ممكن.
وقد نجحت الاستراتيجية الإيرانية في نقل مساحة الصراع من "بقاء النظام" إلى "إعادة تشغيل هرمز"، ونقلت الخطاب الأوروبي من التباحث حول آلية العقوبات على إيران لتفكيك الترابط بين الحرب في أوكرانيا وايران، وتقليص التبعات الكبيرة على الاقتصاد الأوروبي جراء الحرب.
فمن كان يتوقع أن تدفع هذه الحرب دول الخليج نحو التقارب مع دولة مثل أوكرانيا، في ظل موقف روسي متحمس أصلًا للانخراط في دعم إيران ضمن حرب قد تستنزف الولايات المتحدة؟
وكذلك الحال بالنسبة للصين، التي تراقب عن كثب استنزاف الترسانة العسكرية الأمريكية في حرب من نوع جديد، تقوم على الاستخدام المكثف لأنظمة الدفاع الغربية والذخائر عالية الكلفة والجودة.
ومن العوامل التي ستؤثر في نتائج الحرب واتجاهاتها:
•أنها لا تزال تفتقر إلى شرعية داخلية في الولايات المتحدة، ما يحدّ من قدرة ترامب على التوسع فيها، أو على الأقل يجعل الخسائر الاقتصادية والبشرية مُكلفة سياسيا.
•أن المجتمع الإسرائيلي، رغم نزوعه للحروب، إلا أنه لا يزال تحت وطأة استنزاف داخلي، ولم تنجح الضربات على إيران في تحييد الجبهة الداخلية عن الحرب.
•عدم وجود حلفاء عرب أو غربيين يشاركون ترامب ونتنياهو في هذه المغامرة حتى الآن، ما يقيّد خطط توسيع الحرب.
الغريب أن هذه الحرب لا نستطيع أن نرى نتائجها إلا عبر "الأقمار الصناعية" يا أبا إبراهيم.
القواعد العسكرية والمنشآت التي يتم استهدافها لا يدخلها أحد ويمنع تصوريها وغير مسموح أن نعرف ما يحدث فيها وحولها.
حتى أن شركات الأقمار الصناعية الأمريكية حجبت لأول مرة الوصول لصورها وحالت دون قدرة الصحافة والمتابعين على استعمالها.
هذه الحرب الاقليمية التي لن تخبت إلا وقد انقسم الناس إلى فسطاطين؛ فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه.
إلى روح وريحان ورب راض غير غضبان يا أبا إبراهيم.. سيد الرجال.
الاستراتيجية الإيرانية الحالية عالية المخاطرة والمردود؛ إذا فشلت تكون نتائجها خطيرة وإذا نجحت ستغير البنية الأمنية الاقليمية بصورة كبيرة.
لا يمكن الجزم باتجاه الحرب لكن المؤشرات الحالية تقول أن إيران لا تزال قادرة على ادارة الحرب استراتيجيا بصورة لم تُنجح فيها الرهانات الاسرائيلية والأمريكية.
نجحت إيران في إفشال العدوان الامريكي الاسرائيلي، لكن التحدي الأكبر في القدرة على الاستمرار في إغلاق هرمز ومنع تصدير النفط من المنطقة.
هل تتعامل ايران مع هذا الأمر من منظور تكتيكي لإخراج الولايات المتحدة من المعركة أم استراتيجية طويلة الأمد لجباية الثمن منها واخراجها من المنطقة ؟ هذا السؤال الأكبر بالنسبة لي.
- مستقبل إيران والحرب عليها أصبح مرتبطا ب "مضيق هرمز" وكيفية التعاطي مع ذلك أمريكياً وإقليمياً. فإيران أثبتت أنها تتحرك "خارج الحسابات" إن تطلب الأمر ذلك، فالنظام يزداد خطورة كلما ازداد ضعفا، فالآن يمكن السماح بدخول بضع ناقلات نفطية بقرار إيراني لكن زيادة الضغط قد يُفضي لنشر ألغام بحرية تعيق حركة المرور بشكل كامل ولفترة قد تستمر عدة أشهر.
- هذا ما يفسر المماطلة التفاوضية التي يقوم بها ترامب لإبقاء صانع القرار الإيراني - وفق الماء - ومنعه من اتخاذ قرارات متهورة من هذا القبيل. هذا الأمر كذلك يفسح للجيش الأمريكي فرصة المباغتة قبل أن تقدم إيران على نشر الالغام في المضيق.
- لكن يعد الاستمرار في إغلاق المضيق بمثابة رهان عالي الخطورة/المردود لأن الحرب على إيران كان يمكن أن تنتهي قبل اسبوع أو أسبوعين بانسحابٍ أمريكي من طرف واحد لو أن المضيق لم يكن مغلقاً، لكن هذا السيناريو هو الأخطر على إيران لأنه سيتركها جريحة محاصرة تعُد الأيام والأسابيع لمزيد من الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، كلما استدعت الحاجة لذلك، وبما يزيد من هشاشة النظام على مستوى حواضنه الاجتماعية.
- هنا تقايض إيران بقاء النظام بالاقتصاد العالمي والأمن الاقليمي في ظل محاولتها إنشاء واقع أمني وسياسي قد يغير الحسابات الجيوسياسية لعقود قادمة. سواء على صعيد الهيمنة الأمريكية أو الامن الاقليمي أو نظرة القوة الأخرى مثل الصين وروسيا لتوازنات القوة في المنطقة.
- لذلك أهم ما في الحرب هو القدرة على تبني استراتيجية توصلك ل "النصر/البقاء"، وتوفر القدرة على الاستمرار في تطبيقها واستثمارها حينما تنضج مفاعيلها.
- إيران تمتلك موارد عسكرية محدودة وقدرات قليلة مقارنة بموازين القوة لأعدائها لكنها نجحت في تبني استراتيجية حرب غير متماثلة رفعت كلفة إسقاط النظام ومنع تفكك الدولة.
- يوجد تباين في الأهداف الأمريكية والاسرائيلية؛ والاستراتيجية الإيرانية لابد أن تُبنى على ما يرفع كلفة الحرب على الأمريكي في ظل محدودية التأثير على صانع القرار الإسرائيلي للبعد الجغرافي والاستعداد الإسرائيلي الكبير جدا لمثل هذه الحروب، وعدم اكتراث الاسرائيلي أصلا بالاقتصاد العالمي فهو يعتبر مصلحته مقدمة على كل دول وشعوب العالم.
- ومن الأمور التي تضغط على ترامب اليوم هو مصير الحزب الجمهوري الأمريكي سواء في الانتخابات النصفية أو الانتخابات الرئاسية ٢٠٢٨، لارتباط ذلك بصورة مباشرة بنتائج ومفاعيل الحرب على إيران سواء فيما يتعلق بالخسائر الاقتصادية والبشرية أو على صعيد التماسك داخل تيارات الحزب نفسه.
اتفق تماما، بالنسبة لترامب الحرب كان يمكن أن تنتهي قبل اسبوع أو أسبوعين لاستعجاله النتائج، وكان الاسرائيلي يمكن أن يقبل بذلك ضمن سياسة إنهاك إيران والعمل على تفتيت عوامل صمودها وضمان استهدافها مرة أخرى. لكن إيران قررت استمرارية الحرب من خلال إغلاق مضيق هرمز والعمل على رفع كلفة الحرب على الأمريكي بشكل أساسي.
عدة ملاحظات على ضوء استمرار الحرب على إيران واتساع نطاقها جغرافيا وزمنيا؛
- الولايات المتحدة مُجبرة على تحويل ثقلها العسكري ليكون “دفاعي” أكثر منه “هجومي” خلال الفترة المقبلة إذا قررت استكمال الحرب.
- خطة ترامب لفتح مضيق هرمز بالقوة تستدعي إعادة تموضع قواته بالقرب من الحدود الإيرانية، ما يجعلها عرضة للاستهداف.
- زيادة الضغط على حلفاء الولايات المتحدة سيدفع ترامب إما لتزويدهم بما يحتاجونه من ذخيرة دفاعية وانتشار عسكري أو أن يتسع نطاق الأزمة السياسية بينهم. يمكن أن تخوض حربا إقليمية بدون التشاور مع حلفاءك لكن لا يمكنك الاستمرار فيها بدون الدفاع عنهم!
- إيران خلال فترة المرشد علي خامنئي كانت تتبنى استراتيجية تقوم على اللاسلم واللاحرب؛ وأعتقد انها لأول مرة منذ ٣٦ عاما تذهب واعية تماما لخيار "الحرب"، بكل أثمانها وأكلافها.
- هذه الحرب هي نتيجة مباشرة لحرب يونيو ٢٠٢٥؛ ولكم أن تتخيلوا أي حرب تنتظر العالم بالاعتماد على دروس حرب فبراير - مارس ٢٠٢٦! إذا كانت الحرب الماضية قد كسرت حاجز "الحرب الاقليمية" فالأكيد أن هذه الحرب كسرت حاجز "السلاح النووي". فالمشكلة لم تكن ب "القدرة الإيرانية" بل في "الإرادة السياسية".
- طبيعة الاستهداف الوجودي الذي تعرضت له إيران، والتحول على الصعيد البنيوي، يدفعان باتجاه تغير في توجهات النخبة واستراتيجيتها.
- نجاح إيران في امتصاص "الصدمة" وقدرتها على "استنزاف" اعدائها على المستوى العسكري، واثبات قدرتها على تحويل تهديداتها لخطوات عملية على صعيد الطاقة الدولية؛ يدفع باتجاه أن تكون إيران هي "أوكرانيا" الشرق الأوسط.
- ستجذب ايران تدخلا روسيا وصينيا أكبر لتكون نقطة استنزاف جديدة للولايات المتحدة؛ سواء توقفت الحرب أو لم تتوقف. نجاح أوكرانيا في إفشال الهجوم الروسي استجلب دعما غربيا واسعا، ونجاح ايران في إفشال الهجوم الأمريكي الإسرائيلي سيؤدي لديناميات جديدة على الصعيد الدولي.
- وسط هذا كله؛ ستظهر دولة الاحتلال الاسرائيلي باعتبارها الطرف الذي ورط الولايات المتحدة في حرب "غير مبررة" وستزداد فاتورة الدعم للاحتلال في الأوساط الحزبية والشعبية في الولايات المتحدة.
- الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة تعاملوا مع اعدائهم على انهم “خورازميات” يمكن معالجتهم بأدوات الذكاء الصناعي والأسلحة الحديثة: ولكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير؛ فهذه المنطقة خليط معقد من التاريخ والحضارة والأيدلوجية التي لا يمكن تفكيكها عبر الأوهام الاستعمارية.
@raiss_amal هذه حرب "الضرورة" لإيران خاضتها لآخرها لتمنع انهيار الدولة وتفتيت الجمهورية. لذلك هم يتحركوا تحت وطأة "التهديد الوجودي" بالدرجة الاولى؛ واعتقد أن مصلحة ايران إطالة أمد الحرب ولو قليلا كي ترفع من كلفتها وتمنع تكرار استهدافها كلما شعر ترامب ونتنياهو بالحاجة لذلك.
@salehhalghamdi1 امريكا لديها خيارات كثيرة وعليها قيود كذلك؛ مثلا الاحتلال الاسرائيلي مقيد حاليا في هجماته بسبب الموقف الأمريكي الذي يضع في حساباته تعقيدات اقليمية ودولية واقتصادية اكبر بكثير من تطلعات نتنياهو وحده.
إلقاء نظرة على طبيعة النقاشات التي تدور في الأوساط الأمريكية حوّل مبررات الحرب تشير أن الإسرائيلي يظهر بمظهر المتهم في توريطهم بالحرب؛ خاصة بعد تصريحات روبيو التي تحدث فيها ان انخراطهم في الحرب لم يكن منه مفر لأن "إسرائيل" كانت ستضرب ايران على كل الاحوال. حتى داخل الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية يظهر الموقف من الحرب باعتباره قضية إشكالية ولا توافق حولها. ولا تخفي شخصيات من داخل الكونغرس شكوكها حول أن الولايات المتحدة تتورط في حرب لا تتقاطع بالضرورة مع أولويات الامن القومي؛ وأنها تأتي في اطار خدمة اهداف اسرائيلية اكثر من أي شيء آخر.
ما سيحدد اتجاه هذه النقاشات كلها هو نتيجة الحرب نفسها، إن انتهت الحرب لأزمة اقتصادية وسياسية، فلا تستغرب أن يخرج ترامب نفسه ليهاجم نتنياهو. ولا ننسى قبل أيام حينما سربت بوليتيكو تقييم للحزب الديمقراطي يتحدث بشكل واضح ان فشلهم في الانتخابات الرئاسية كان بسبب "إسرائيل" والحرب على غزة.
منذ السابع من أكتوبر أظهرت دولة الاحتلال للعالم بأنها فقدت اتزانها، وغض الجميع الطرف عن جرائمها التي وصلت حد الإبادة الشاملة والعربدة الإقليمية.
قاربت دول المنطقة وساستها السلوك الإسرائيلي من منظور عقلاني باعتباره "ردة فعل" بغض النظر إن كانت مبررة أم لا، حتى وإن قُصفت سوريا ولبنان واليمن والعراق وقطر.
وهذا كان نجاحا إسرائيليا، لم ينسحب تأثيره على أصدقاءها في العلن والسر، بل المؤسف انه انسحب حتى على اعداءها الذين تعاملوا بحذر وعقلانية مفرطة معها.
واستُدرجوا تحت هذه المقاربة لمعركة ظنوها "متكافئة" و "مضبوطة"، فحددت قواعد اللعبة نتيجة المعركة سلفا، فموازين القوة المادية والعسكرية المجردة ستميل بالضرورة لصالح الحلف الأمريكي الإسرائيلي.
ما يمكن قوله أن هذه المعادلة اختلفت في المعركة الحالية، وتعاملت إيران بمقتضيات مختلفة تماما وفهم مغاير لما كان طيلة الشهور الماضية. ويمكن اعتبار أن وضعية إيران تشبه وضعية الاحتلال الاسرائيلي بعد السابع من اكتوبر فهي تُظهر للجميع انها فقدت اتزانها على صعيد "ردة الفعل"؛ والمطلوب التفاهم معها وتقديم التنازلات لها.
هذه حرب تُختبر فيها رهانات كبيرة وأسلحة جديدة وقيادات مختلفة في جغرافيا لم تُجرب سابقا.
الارتدادات الاستراتيجية لها ستكون طويلة الأمد وستحدد موازين القوة والتوازنات الدولية وتأثيرها على المنطقة.
في العامين الماضيين ظهرت الكلفة الأخلاقية الكبيرة للتعامل والتحالف مع الاحتلال الاسرائيلي وستظهر في هذه الحرب الكلفة السياسية الأكبر لهذه العلاقة خاصة بالنسبة للرأي العام الأمريكي.
حياكم الله أخي الكريم؛ هذه مراسلات منزوعة من سياقها، وهي في فترة زمنية ليست قريبة من موعد الطوفان. مثلا تسريبات اسرائيلية اخرى تحدثت أن قيادة القسام كانت على وشك تنفيذ عمليات واسعة في شهر يونيو 2022، فهل المحادثات بين السنوار وابوالعبد كانت تتناول التحضير لعملية 22 او 21 ام 23.
هل أصلا الرسائل بين ابوالعبد والسنوار على أهميتها كافية لتوضيح حيثيات ودوافع العملية.
استكمال هذه الفجوات المعلوماتية مسؤولية قيادة حماس وليس الاعتماد على تسريبات اسرائيلية.
علما أن السياقات الكلية للمعركة تشير إلى دوافع استراتيجية واستخبارية وعسكرية حكمت توقيت العملية وطبيعة تنفيذها. فالمخطط العسكري تقصد أن يسيطر على اكبر قدر ممكن من المواقع العسكرية كي لا تتحول العملية لمذبح لمئات المقاتلين. لا سيما ان عدة عمليات اقتحام للحدود فشلت في السنوات التي سبقت الطوفان.
قبل عدة أشهر التقيت بالدكتور الشنقيطي في لقاء سريع بإسطنبول. وكان مشغولا ومهتما بالوثائق التي سربها الاحتلال الإسرائيلي بشأن الطوفان. وقلت له بعض الملاحظات:
- الوثائق مؤرخة بتواريخ تعود في معظمها لعام ٢٠٢١، أي انها تسبق قرار الطوفان بعامين أو ثلاثة.
- هذا يعني أن هناك فجوة معلوماتية ستكون حاسمة في تحديد دوافع وخلفيات وحيثيات قيادة حماس بشأن الطوفان.
- الوثائق لم تصدر رسميا عن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وسربها مركز توثيقي إسرائيلي لأهداف أمنية. مثلا الشخصية التي نُسب لها إعداد التقرير وهمية وليست حقيقية.
- تعمد الاحتلال تسريب الوثائق لغايات سياسية أيضا، مرتبطة بتوسيع خطوط الصدع الداخلي في أوساط المقاومة ولإثارة الشكوك بين مكونات المقاومة نفسها.
- في قسم مهم من الوثائق كان يستهدف ابتزاز الوسيط القطري عبر إظهار أنه متورط في ٧ اكتوبر من خلال حصول قيادة حماس على أموال منهم جرى تحويلها للجناح العسكري. وهذا خلفه دوافع لابتزاز القطريين دون تهديد رسمي.
هذه ملاحظات منهجية قبل أن تكون سياسية. فلا يصح بناء سرديات سياسية كبرى بالاعتماد على قصاصات الصحف وتسريبات غير مكتملة وغير موثقة.
ملاحظة اخرى؛ الثقات الذين اكدوا التسريبات للدكتور الشنقيطي مثلهم مثله، لا يعرفون عنها شيئا، واطلعوا عليها مثله من خلال الاسرائيليين.
كلام الشهيد القائد #السنوار موثَّق في المحاضر والمراسلات السرِّية التي تسربت أثناء الحرب، وهي صحيحة بشهادة ثقات أثبات من #حماس. وحديثه يفيد أن قرار حماس مستقل تماما عن #إيران، وهو لا ينفي صدق إيران في دعم فلسطين، وإنما يكشف المساحات الرمادية وامتزاج المبادئ والمصالح في السياسة.
لم أنشر خلال الأشهر الماضية أي من الوثائق التي عممها الاحتلال من غزة، حتى لو تبدو صحيحة، رغم أنني اطّلعت عليها، وبعضها أكثر من مرة.
السبب هو عدم القدرة على تحديد أي من الوثائق صحيح، وأيها قد يكون مدسوسا. إضافة إلى أن هناك سياقا لكل وثيقة، يصعب حصره في قراءة الوثيقة نفسها، ويحتاج إلى جهد بحثي مكثّف لتحديده.
هذه طبعا سياسة عامة، لم أخترعها أنا، يعرفها كل صحافي عمل في مؤسسات الحركة الوطنية في الداخل، وهي الامتناع عن نشر الوثائق التي تسمح بها الأراشيف الإسرائيلية حول النقاشات الداخلية الفلسطينية في النكبة، أو تلك المتعلقة بمراسلات الحركة الصهيونية في سنواتها الأولى مع القيادات الوطنية العربية (بسبب مبالغات الكتّاب الإسرائيليين في زعم تأثيرهم لأسباب تتعلق بالمنافسة أو الحصول على الميزانيات). فمن غير المعقول أن يكتب التاريخ الفلسطيني أو العربي من أراشيف إسرائيلية!
نأخذ من الأراشيف الإسرائيلية ما يساعدنا على فهم السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والعرب، خصوصا نقاشاتها الداخلية، وليس ما يتعلق بسياساتنا نحن تجاه إسرائيل أو تجاه أنفسنا.
أصبح الشأن الإسرائيلي، بفضل آليات الترجمة الفورية، مخترقا من قبل كثيرين لا علم لهم بإسرائيل (ولا حتى بفلسطين)، بينما يفترض أن يكون هذا الشأن محصورا على خبراء، كما الشأن العربي والفلسطيني محصور لدى خبراء في الإعلام الإسرائيلي.
خلال العشرة أيام الماضية، سيطر على الأجندة الاسرائيلية، قضية التسريبات التي نشرها نتنياهو - بشكل رسمي -، لاقتباسات موثقة من الاجتماعات الأمنية والسياسية للحكومة الاسرائيلية خلال العقدين الماضيين.
التسريبات التي جاءت في 55 صفحة، أراد نتنياهو من خلالها إثبات انه غير متورط في 7 اكتوبر، عبر تحميل المستوى الأمني والعسكري مسؤولية ذلك.
ورغم صحة كل ما جاء في الوثائق إلا أنها كانت لأهداف سياسية، وزورت الحقيقة، فالمستوى الأمني الإسرائيلي سرب عبر شخصيات مثل رونين بيرغمان ونداف إيال، اقتباسات من الاجتماعات الأمنية ذاتها تثبت كذب نتنياهو وانه متورط في الأخطاء التي أوصلتهم ل 7 من اكتوبر.
هذه مجرد إطلالة بسيطة على كيفية تزوير الحقائق واختلاق نظريات المؤامرة لأهداف سياسية وشعبوية.
قبل عدة أشهر التقيت بالدكتور الشنقيطي في لقاء سريع بإسطنبول. وكان مشغولا ومهتما بالوثائق التي سربها الاحتلال الإسرائيلي بشأن الطوفان. وقلت له بعض الملاحظات:
- الوثائق مؤرخة بتواريخ تعود في معظمها لعام ٢٠٢١، أي انها تسبق قرار الطوفان بعامين أو ثلاثة.
- هذا يعني أن هناك فجوة معلوماتية ستكون حاسمة في تحديد دوافع وخلفيات وحيثيات قيادة حماس بشأن الطوفان.
- الوثائق لم تصدر رسميا عن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وسربها مركز توثيقي إسرائيلي لأهداف أمنية. مثلا الشخصية التي نُسب لها إعداد التقرير وهمية وليست حقيقية.
- تعمد الاحتلال تسريب الوثائق لغايات سياسية أيضا، مرتبطة بتوسيع خطوط الصدع الداخلي في أوساط المقاومة ولإثارة الشكوك بين مكونات المقاومة نفسها.
- في قسم مهم من الوثائق كان يستهدف ابتزاز الوسيط القطري عبر إظهار أنه متورط في ٧ اكتوبر من خلال حصول قيادة حماس على أموال منهم جرى تحويلها للجناح العسكري. وهذا خلفه دوافع لابتزاز القطريين دون تهديد رسمي.
هذه ملاحظات منهجية قبل أن تكون سياسية. فلا يصح بناء سرديات سياسية كبرى بالاعتماد على قصاصات الصحف وتسريبات غير مكتملة وغير موثقة.
ملاحظة اخرى؛ الثقات الذين اكدوا التسريبات للدكتور الشنقيطي مثلهم مثله، لا يعرفون عنها شيئا، واطلعوا عليها مثله من خلال الاسرائيليين.