اثبت على الحق، ولا تجعل جولة الباطل سببًا لزعزعة اليقين
وصية نفيسة من الإمام إسحاق بن راهويه رحمه الله، تربي على الثبات وعدم الاغترار بظهور الباطل:
قال ابن أبي حاتم-رحمه الله- : سمعت أبا زرعة يقول كتب إليَّ إسحاق ابن راهويه: لا يهولنك الباطل؛ فإن للباطل جولة ثم يتلاشى. الجرح والتعديل ٣٤٢/١.
«لا يهولنك الباطل؛ فإن للباطل جولة ثم يتلاشى».
فلا تهولنّك صولة الباطل، ولا كثرة أهله، ولا علو أصواتهم؛ فإن الباطل مهما علا فمآله إلى زوال، والحق ثابت لا يضره تأخر ظهوره.
قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَا��َ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].
فاثبت على الحق، ولا تجعل جولة الباطل سببًا لزعزعة اليقين
إن الفتن والشدائد هي التي تعرفك الصديق الصادق والعدو المصانع
الفتن العمياء قد تظهر حقائق كانت كامنة في النفوس وقد تنكشف مفاهيم خاطئة يتبناها بعض الناس ولكن لا يستطيعون الدعوة إليها إلا في مثل هذه الأيام المظلمة
- الشيخ د. محمد أمان الجامي [رحمه الله]
نعم بارك الله فيكم
إن أعظم ما يجاهد به العبد نفسه أن يحفظ رأس ماله: التوحيد؛ لأن العبد قد يخسر بعض ماله ثم يستدرك، أما إذا ذهب أصل التوحيد بالشرك الأكبر فقد ذهب أصل الدين.
قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
فـوجه الجهاد أن النفس تحب الشهوات والراحة، والشيطان يدعو إلى الشرك والبدعة والمعصية، والهوى قد يزين ذلك؛ فيجاهد المسلم هذه الدواعي، ويتعلم الحق، ويلزم التوحيد والسنة، ويترك ما يضادهما.
ووجه كون حماية التوحيدجهادا
هو أن الجهاد ه��ا هو بذل الوسع والمشقة في دفع ما يفسد التوحيد أو ينقصه، وذلك يكون بأمور، منها:
١-مجاهدة النفس على تعلم التوحيد ومعرفة ما يناقضه أو ينقصه؛ لأن الجهل قد يوقع الإنسان فيما يفسد دينه وهو لا يشعر.
٢-مجاهدتها على إخلاص العبادة لله، فيدفع الرياء والعجب وحب المدح، ويجاهد قلبه حتى يكون الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والذبح والنذر لله وحده.
٣-الحذر من الشرك الأكبر؛ لأنه يهدم أصل التوحيد ويبطله، كصرف شيء من العبادة لغير الله.
٤-الحذر من الشرك الأصغر والبدع والمعاصي؛ لأنها لا تهدم أصل التوحيد في كل حال، لكنها تضعفه وتنقص كماله الواجب، وقد تكون المعصية سببًا لجرّ العبد إلى ما هو أعظم منها.
٥-مجاهدة النفس على ترك الإصرار على الذنوب؛ فالمؤمن لا يستهين بالصغيرة، بل يخاف أن تتراكم عليه أو تقوده إلى ما هو أكبر.
ولهذا فإن أعظم ما يجاهد به العبد نفسه أن يحفظ رأس ماله: التوحيد؛ لأن العبد قد يخسر بعض ماله ثم يستدرك، أما إذا ذهب أصل التوحيد بالشرك الأكبر فقد ذهب أصل الدين.
قال الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
فالنفس تحب الشهوات والراحة، والشيطان يدعو إلى الشرك والبدعة والمعصية، والهوى قد يزين ذلك؛ فيجاهد المسلم هذه الدواعي، ويتعلم الحق، ويلزم التوحيد والسنة، ويترك ما يضادهما.
وحفظ المسلم لتوحيده وإيمانه مما يفسده أو ينقصه فرض عين على كل مسلم
الخلوات تكشف حقيقة العبد
وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ
والنَّفس داعية إلى العصيانِ
فاستحيي من نظرِ الإله وقل لها
إنَّ الذي خلق الظَّلام يراني!
قال الله تعالى(يسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِي��ًا﴾.
هذه الآية من أعظم الآيات في بيان مراقبة الله تعالى للعبد في السر والعلن، وأن خفاء العمل عن الناس لا يعني خفاءه عن الله سبحانه.
ومعنى الآية
السياق في قومٍ خانوا وأرادوا أن يستتروا من الناس، فكانوا يتداولون الأمر ليلًا ويبيّتون ما لا يرضاه الله، ظانين أن خفاء فعلهم عن أعين الناس ينفعهم.
فقال الله تعالى:
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
أي: يحرصون على الاختفاء من الناس؛ حياءً منهم أو خوفًا من انكشاف أمرهم، لكنهم لا يستطيعون الاختفاء من الله، فإن الله لا تخفى عليه خافية.
وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ أي بعلمه وإحاطته، كما قال سبحانه:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ…﴾ [المجادلة: 7].
وقوله: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾ فيه تصوير لحالهم: يتدبرون الأمر سرًّا، ويجتمعون ليلًا، ويخططون لما يسخط الله، وهم يظنون أنهم في مأمن لأن الناس لا يرونهم.
ثم ختم الآية بقوله:
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
وهذه أبلغ في التخويف؛ فالله محيط بأعمالهم وأقوالهم ونياتهم وأسرارهم، لا يخرج شيء منها عن علمه.
ودلالتها على أعمال الخلوات
الآية وإن كان سببها في واقعة معينة، فإن الع��رة بعموم اللفظ، وهي من أوضح ما يُستدل به على وجوب استحضار مراقبة الله في الخلوات.
فالعبد قد يكون بين الناس صالح الظاهر، محافظًا على كلامه وتصرفاته؛ لأنه يعلم أن الناس ينظرون إليه، لكن المعيار الحقيقي يظهر عندما يغيب الناس.
ولهذا ينبغي للمؤمن أن يسأل نفسه:
ماذا أفعل إذا أُغلقت عليّ الأبواب؟
ماذا أشا��د إذا كنت وحدي؟
ماذا أقول إذا لم يسمعني أحد؟
ما الذي أكتبه في هاتفي إذا لم يطلع عليه أحد؟
هل أخشى الله كما أخشى اطلاع الناس عليّ؟
فمن استحيا من الناس ولم يستحِ من الله، فقد اختل عنده أصل عظيم من أصول المراقبة.
والخلوات تكشف حقيقة العبد
ليس المقصود أن الإنسان لا يذنب في السر؛ فالإنسان ضعيف، وقد يقع في الذنب ثم يندم ويتوب.
لكن الخطر أن يصبح للعبد حياة سرية مخالفة لحياته الظاهرة، وأن يكون تركه للمعصية أمام الناس خوفًا منهم، لا خوفًا من الله.
ولهذا قال النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله:
«ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله».
فهذا موقف خلوة حقيقي؛ لا يراه الناس، والقدرة على المعصية موجودة، لكن الذي منعه هو مراقبة الله.
ومما ينبغي للمسلم أن يستحضره
ينبغي للمسلم أن يعيش دائمًا مع هذه الحقيقة:
أنا وإن غاب عني الناس، فلست غائبًا عن الله
. وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ
والنَّفس داعية إلى العصيانِ
فاستحيي من نظرِ الإله وقل لها
إنَّ الذي خلق الظَّلام يراني!
وإذا خلوت فلا تقل: لا يراني أحد، بل قل كما قال الله تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14].
وإذا هممت بمعصية فاستحضر:
الله يراني، الله يسمعني، الله يعلم ما في قلبي، وسيحاسبني على عملي.
وهذا هو معنى المراقبة: أن يستشعر العبد اطلاع الله عليه في جميع أحواله، فيثمر ذلك خوفًا من الله، وتعظيمًا له، وحياءً منه، وإخلاصًا له.
ومن أجمل ما يقال في هذا الباب: صلاح الخلوات من أعظم علامات صدق العبد؛ لأن العبد في الخلوة لا يرجو مدح الناس ولا يخاف ذمهم، وإنما الذي يحركه هو إيمانه بالله.
ولهذا كان السلف يعنون بأعمال السر عناية عظيمة؛ لأن العمل الذي لا يطلع عليه إلا الله أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء.
فالآية تعلم المؤمن ألا يجعل معيار استقامته: هل يراني الناس؟ وإنما يجعل المعيار: هل يرضى الله عني؟
وهذه مرتبة عظيمة من الإحسان الذي قال فيه النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
رسالة الأصول الستة للإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله من الرسائل النافعة جدًا؛ لأنها تجمع أصولًا عظيمة يحتاج إليها المسلم في فهم التوحيد، ومعرفة الشرك، والرجوع إلى الكتاب والسنة، وضبط باب الاختلاف.
وهي تربي طالب العلم على أن يكون ميزانه التوحيد، والاتباع، والاجتماع على الحق، والسمع والطاعة في المعروف، وطلب العلم بالدليل، وترك التعصب والهوى.
والشيخ رحمه الله لم يقصد بهذه الرسالة مجرد حفظ ستة عناوين، وإنما أراد تصحيح أصول التفكير والفهم التي يقع بسبب فسادها كثير من الناس في الشرك والبدع والفرقة والتعصب.
ولهذا فإن قراءة الأصول الستة مع استحضار واقع الناس اليوم تجعلها رسالة شديدة الأهمية؛ لأنها تعالج أصولًا تتكرر صورها وإن اختلفت أسماؤها وأشكالها
و أن يستحضر القاريء أو الشارح مقصود الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله من كل أصل، وما الخطأ الذي يريد علاجه؛ فهذا يجعل طالب العلم يدخل إلى شرح الرسالة وهو يدرك أهميتها.
والأصول الستة باختصار:
١-الأصل الأول: الإخلاص في الدين واتباع الرسول ��
وهو أن الدين حقٌّ لله وحده، وأن العبادة لا تصح إلا بإخلاصها لله، مع اتباع ما جاء به رسول الله ﷺ، فلا يُعبد الله إلا بما شرع.
والمقصود أن أصل الدين الذي جاءت به الرسل هو عبادة الله وحده لا شريك له، وأن العبادة لا تكون صحيحة بمجرد قصد الخير، بل لا بد أن تكون خالصة لله، وموافقة لما جاء به الرسول ﷺ.
قال تعالى:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3].
فلا يكفي أن يقول الإنسان: أنا أحب الله وأريد التقرب إليه، بل لا بد أن يسأل: هل هذه العبادة شرعها الله؟ وهل فعلها رسول الله ﷺ؟
ولهذا جمع أهل العلم بين أصلين عظيمين: الإخلاص والمتابعة؛ فالإخلاص يخرج الإنسان من الشرك، والمتابعة تخرجه من البدعة.
٢-الأصل الثاني: معرفة حقيقة الاجتماع في الدين والتحذير من التفرق
أن الله أمر بالاجتماع على دينه ونهى عن التفرق، وأن الاجتماع يكون على الحق والكتاب والسنة، لا على مجرد الأشخاص أو الجماعات أو الآراء.
والشيخ رحمه الله يريد أن يقرر أن الاجتماع المأمور به ليس اجتماعًا على الأشخاص أو العصبيات أو الأهواء، وإنما الاجتماع على الحق.
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيع��ا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
فالواجب أن يكون المرجع عند الاختلاف هو الكتاب والسنة، لا مجرد العادات، ولا الشهرة، ولا كثرة الأتباع.
والتفرق المذموم يبدأ غالبًا عندما يقدم الإنسان رأيه أو حزبه أو شيخه أو جماعته على الدليل.
٣-الأصل الثالث: السمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف
وبيان أن من أصول أهل السنة لزوم الجماعة، وطاعة ولاة الأمور في غير معصية، وتحريم منازعتهم والخروج عليهم بما يفضي إلى الفتن وسفك الدماء وذهاب الأمن.
فمن أصول أهل السنة طاعة ولاة الأمور في المعروف، والنصح لهم، ولزوم الجماعة، والحذر من أسباب الفتن.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذ��ينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
والطاعة إنما تكون في المعروف؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وهذا الأصل مهم جدًا؛ لأن فساد هذا الباب قد يؤدي إلى اضطراب الأمن، وسفك الدماء، وتمزيق الجماعة، ولذلك اعتنى به أئمة السنة في كتب العقيدة.
٤-الأصل الرابع: بيان أن العلم ليس بكثرة الأقوال أو الانتساب
بل العلم هو معرفة الحق بدليله، ولذلك قد يكون الإنسان كثير الكلام أو كثير المحفوظ، ومع ذلك لا يكون عالمًا إذا لم يعرف الحق ويعمل به.
فليس العالم هو من كثر كلامه، ولا من كثر أتباعه، ولا من اشتهر اسمه، وإنما العلم الحقيقي هو معرفة الحق بدليله.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتعلم الدليل، وطريقة فهم الدليل، وأقوال العلماء فيه، لا أن يجعل العلم مجرد انتساب إلى شخص أو مدرسة.
٥-الأصل الخامس: بيان خطورة الاغترار بكثرة الأتباع أو شيوع القول
فالحق لا يُعرف بكثرة أهله، والباطل لا يصير ح��ًّا بكثرة من قال به؛ وإنما الميزان هو الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
فمن أعظم ما نبه عليه الشيخ رحمه الله أن كثرة الناس ليست دليلًا على صحة القول.
قال تعالى:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].
فالحق لا يُعرف بكثرة أتباعه، وإنما يعرف بالدليل.
وهذا أصل مهم في زمن تكثر فيه المقاطع والمنشورات والمتابعون، فقد يكون القول مشهورًا جدًا، ومع ذلك يكون ضعيفًا أو باطلًا، وقد يكون الحق مع قلة من الناس.
٦-الأصل السادس: بيان أسباب الاختلاف والفتنة والتحذير من التعصب
وأن من أعظم أسباب الاختلاف اتباع الهوى والتعصب للأشخاص والمذاهب والآراء، وترك الدليل،
تعالى: {نحن قسمنا بينهم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
هذه الآية تربي القلب على ال��ضا بقضاء الله وقسمته.
فقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾تقرر أن تفاوت الناس في الأرزاق والمواهب والقدرات والأحوال ليس فوضى ولا محض حظ، وإنما جرى بتقدير الله وحكمته.
فمن عرف أن الأرزاق مقسومة، استراح من مقارنة نفسه بالناس؛ ومن عرف أن المقسِّم حكيم، رضي بما قسم الله مع استمرار سعيه فيما ينفعه
وهنا فرق مهم:
الحسد: أن يتمنى الإنسان زوال نعمة غيره.
الغبطة: أن يتمنى لنفسه مثل النعمة من غير أن يتمنى زوالها عن صاحبها، وهذه لا بأس بها في الخير.
الرضا: أن يعلم العبد أن ما قسمه الله له ولغيره واقع بعلم وحكمة، فيسعى فيما يستطيع، ولا يجعل قلبه معترضًا على قسمة ربه.
والآية لا تعني أن الإنسان يترك السعي ويقول: هذا رزقي وانتهى؛ بل يسعى ويأخذ بالأسباب، لكن قلبه لا يتعلق بما في أيدي الناس ولا يحترق بالمقارنات.
ومن أعظم ما يعين على ذلك أن يقول الإنسان لنفسه:
«ما عند غيري قُسِم له، وما عندي قُسِم لي، وربّي أعلم بما يصلحني.»
فإذ�� استقرت هذه الجملة في القلب، تحوّل النظر إلى نعم الآخرين من مصدر للحسد إلى باب للدعاء والشكر.
وقد يكون ما منعه الله عنك رحمةً، وما أعطاه غيرك ابتلاءً، وما أعطاك أنت نعمةً؛ ولذلك لا يصح أن نقيس فضل الله بمجرد كثرة ما في اليد.
ولهذا قال حاتم الأصم رحمه الله:تعالى عن الآية:
" *تأملتها فعلمت ان القسمة من الله؛ فما حسدت أحدا*".
[مختصر منهاج القاصدين ص٢٨]
فهو لم يقل: كل الناس متساوون في الدنيا، وإنما فهم أن التفاوت نفسه واقع بقسمة الله؛ فمتى استقر هذا في القلب خفَّ عنه الحسد، لأن الحاسد في الحقيقة يعترض على ما قسمه الله لعباده.
حديث «والصبر ضياء» يربي المسلم على أن يسأل نفسه عند كل ابتلاء:
كيف أجعل هذا البلاء طريقًا إلى الله، بدل أن أجعله سببًا للبعد عنه؟
وهذه من أعظم معاني الصبر: أن يبقى العبد ثابتًا على طاعة الله، سالمًا م�� الاعتراض عليه، مستعينًا به، راجيًا ثوابه، حتى تنكشف الشدة أو يلقى الله
كلما كثرت الفتن، ازدادت حاجة المسلم إلى التوحيد؛ لأنه يعلّمه لمن يعبد، ومن يتبع، وعلى أي شيء يثبت، وإلى أي شيء يرجع عند الاختلاف. ومن رسخت قدمه في التوحيد والسنة كان أبعد عن عبادة الأشخاص، وأبعد عن الغلو، وأبعد عن الانقياد للأهواء، وأقرب إلى الثبات على الحق بإذن الله
علاج ضعف التأثر بالقرآن
مجاهدة النفس في الانتفاع بالقرآن؛ ليست دائمًا في قلة العلم أو ضعف الفهم، بل قد يكون القلب حاضرًا، لكن النفس تنازعه وتدافعه.
ومن أبرز ما فيها:
القلب والنفس في صراع مستمر؛ فالقلب يدعو إلى الإيمان والطاعة والإنابة، والنفس تميل إلى حظوظها وشهواتها وراحتهافللقلب أوقات قوة وأوقات ضعف؛ فإذا غلب القلبُ النفسَ كان العبد أكثر حضورًا وخشوعًا وتأثرًا بكلام الله، وإذا غلبت النفسُ كان الانتفاع أضعف، ولو كان الإنسان عالمًا بمعاني الآيات
فالفقه عن الله أعمق من مجرد معرفة معنى الآية؛ فهو فهمٌ يورث تعظيمًا وانقيادًا ومحبةً وخشيةً وعملاً. ولهذا قد يسمع اثنان الآية نفسها، فيخرج أحدهما منها بقلب غير القلب الذي دخل به، بينما لا يتجاوز أثرها الآخر سمعه.
ومن هنا يتفاوت الناس في لذة القرآن والابتهاج به؛ فكلما صفا القلب من شواغل النفس وحظوظها كان نصيبه من روح القرآن أعظم.
فالقلب لا ينال كمال لذة القرآن وثمرته مع استسلامه الدائم لمنازعات النفس، وإنما يحتاج إلى مجاهدة مستمرة حتى تقوى إرادة الآخرة ويستولي حب الله وكلام�� على القلب.
ولهذا فإن علاج ضعف التأثر بالقرآن ليس دائمًا بكثرة القراءة وحدها، وإنما يحتاج معها إلى مجاهدة النفس، وإحضار القلب، وترك ما يشغله، وتعظيم المتكلم سبحانه، والعمل بما يُتلى.
فالقرآن واحد، ولكن القلوب التي تسمعه ليست سواء؛ وبين سماع الأذن وسماع القلب مسافةٌ تصنعها المجاهدة
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
«بين القلب والنّفس ��ُنازَلاتٌ ووقائع، والحرب بينهما دُولٌ وسِجالٌ، تُدال النّفس عليه تارةً، ويُدال عليها تارةً.
فهذا حظُّه من السّماع حظٌّ بين الحظَّين، ونصيبه منه بين النّصيبين، فإن صادفه وقت دولة القلب كان حظُّه منه قويًّا، وإن صادفه وقت دولة النّفس كان ضعيفًا. ومن هاهنا يقع التّفاوت بين الناس في الفقه عن الله، والفهمِ عنه، والابتهاجِ والنّعيم بسماع كلامه.
وصاحب هذه الحال ــ في حال سماعه ــ يشتغل القلب بالحرب بينه وبين النّفس، فيفوتُه من روح المسموع ونعيمه ولذّته بحسب اشتغاله عنه بالمحاربة، ولا سبيلَ له إلى حصول ذلك بتمامه حتّى تضَعَ الحرب أوزارها».
مدارج السالكين (٣/ ١٩٥).
اللهم رحمتك بأهلنا في #ليبيا، اللهم أريتنا عظم قدرتك فأرنا خفي لطفك وجليل عنايتك
اللهم لطفك بعبادك، اللهم اجبر مصاب إخواننا، وأحسن عزاءهم، واجعل في الشهداء موتاهم، ورد فقيدهم وعاف مبتلاهم�� واخلفهم خيرا من لدنك وعافية، واعقب لهم عاقبة من جودك حسنة
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل
#درنة