يملك خالي قطيع أغنام، عانى قبل مدة من تفشي الموت فيه، حتى أوشك القطيع على النفاد، فما كان منه إلا أن نادى العاملين، ثم قال للعامل الأول أي هذه الأغنام أكمل وأجمل؟ فقال العامل تلك، فقال له خالي خذها فهي لك، ثم كرر الفعلة مع العامل الثاني، ومن حينها قل الموت في القطيع، وكثرت المواليد، إنها بركة التصدق، وليس أي تصدق، بل التصدق بأحب المال وأقربه إلى القلب، العجيب في الأمر أن بعضهم يرميه بالبخل والحرص، فهل يقوى البخيل الحريص على التصدق بأحب ماله؟ ما أظلم الناس! أنا على يقين بأن ثمة أناس سيدخلون الجنة ليس باتصال صيامهم وطول قيامهم وكثرة صالحات أعمالهم، ولكن بإساءة الناس إليهم وإساءة الظن بهم وقولهم عنهم ما ليس فيهم، أي أنهم لا يدخلون الجنة بحسناتهم، ولكنهم يدخلونها بحسنات غيرهم، وخالي من هؤلاء إن شاء الله، في هذه الصورة هو يقود الدراجة متجها إلى بقالته المتواضعة ليبيع فيها على المساكين والبسطاء الذين يحب التعامل وا��حديث معهم، يعمل كبائع بعدما تقاعد عن وظيفة رئيس تنفيذي في إحدى الشركات، وبعدما عرض عليه أن يكون رئيس تنفيذي لشركة أخرى بعد التقاعد ولكنه رفض، ولا يظن ظان أني أذكر وظيفته السابقة والعروض التي تلقاها من باب التباهي لا والله، ولكنها ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
يعجبني في خالي أنه يعرف قيمة نفسه ولا ينتظر من أحد تقييما مجحفا بني على نظرة قاصرة، أو وجاهة عابرة، أو مظهر خادع، أو اسم لامع، فجهل غيره به لا يغلب معرفته بنفسه، ويعجبني فيه إدراكه بأن قيمة المرء في باطنه لا في ظاهره، وأن معدن المرء يبين عند التعامل مع العاديين والبسطاء وليس مع الوجهاء والأثرياء، فالكل طيب نبيل شهم كريم مع هؤلاء، ولكن الأقنعة تسقط مع أضدادهم، وكما يقول محمد علي كلاي: «أنا لا أثق بأي شخص ��طيف معي ووقح مع النادل»، ويعجبني فيه سكونه في اللحظة التي يركض فيها كثيرون بأرجلهم وأيديهم خلف كبار القوم وعليتهم، وفي اللحظة التي يتقاتل فيها الناس ��لى الناس، ويعجبني فيه تجاوزه مرحلة عدم الاكتراث بكلام الناس، ووصوله إلى مرحلة تعمد إثارتهم، إشارة منه إلى تحرره بشكل كامل وكلي من هذا القيد الذي يحول بين المرء وحريته واستمتاعه بالحياة.