بسم الله الرحمن الرحيم
ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنفسك؟
لو أن أحدنا رُزق ولداً، لجعل همه أن يختار له أجمل الأسماء، وأحسن اللباس، وأفضل التعليم، ولسهر على صحته وراحته ومستقبله، ولجمع له المال، ولذاد عنه بلسانه ويده، ولجعل حمايته شغله الشاغل.
ومع ذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، فيا للعجب! إن الله الذي خلقنا من عدم، ورزقنا من فضله، وهدانا إلى الإسلام، بيّن لنا الغاية من وجودنا فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وأمرنا أن نحيا بالإسلام، وأن نحمل دعوته، وأن ننصر دينه، وأن نعمل لإقامة أحكامه في واقع الحياة، وأن نكون شهداء على الناس كما أراد لنا ربنا.
ثم حذرنا من أن تشغلنا الأموال والأولاد والشهوات عن هذه الغاية العظيمة، ولكن أكثر الناس جعلوا ما هو وسيلة غاية، وما هو فتنة مقصداً، وما هو زائل أكبر همهم، حتى أصبح الدين عند كثير منهم مجرد شعائر تؤدى، لا قضية يعيشون لها ويضحون من أجلها.
فيا للعجب! نحرص على وظائفنا أكثر من حرصنا على ديننا، ونغضب لأموالنا أكثر من غضبنا لحرمات ربنا، ونسهر لأجل دنيا نصيبها أو نفقدها، بينما تمر على الأمة النوازل العظام فلا تتحرك فينا إلا كلمات عابرة ومشاعر مؤقتة.
لقد أمرنا الله بالاعتصام بحبله جميعاً، ونهانا عن التفرق والاختلاف، وجعل رابطة العقيدة فوق كل رابطة، وجعلنا إخوة مهما اختلفت ألواننا وألسنتنا وأوطاننا.
ولكن الأمة التي كانت يوماً تقود العالم بالإسلام، أصبحت ممزقة بين حدود رسمها المستعمر، وأعلام رفعها المستعمر، ودساتير وضعها المستعمر، وأنظمة تحرس مصالح المستعمر. فاستُبدلت روابط القومية والوطنية برابطة العقيدة، والقوانين الوضعية بأحكام الإسلام، واستُبدلت التبعية بالعزة، والارتهان بالقيادة، والتشرذم بالوحدة.
فكانت النتيجة ما نراه اليوم: الأرض المباركة تُذبح، لبنان تستباح، أهل كشمير والأويغور يسحلون، اليمن والسودان وليبيا تتقلب في لظى الفتن والقتل والمحن، ومقدسات المسلمين تُدنَّس، وثرواتهم تُنهب، أهل الكنانة يطوق الفقر أعناقهم، وبلاد الرافدين في سكرات المصائب، وأهلنا في بلاد الحرمين يدفعون للغواية والرذيلة، فلا يوجد بلد إسلامي إلا وقد لفّته مصيبة أكبر من أختها.
وجيوش المسلمين تُعطَّل عن أداء واجبها، والمسلمون بين قتيل ومشرد وأسير ومطارد، ثم نتساءل: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟! إنه حال أمة أعرضت عن أعظم أسباب قوتها، وفرطت في أعظم ما تملك، وهو الإسلام نظاماً للحياة والدولة والمجتمع.
وحين يرتفع صوت العاملين المخلصين منادياً: يا أمة الإسلام، عودي إلى ربك، توحدي على عقيدتك، ارفضي التبعية للمستعمر وأعوانه، استعيدي سلطانك المسلوب. يا أمة الإسلام، انهضي لإقامة حكم الإسلام من جديد، إذا بكثير من الناس يغلق أذنيه قبل أن يسمع، ويعترض قبل أن يفهم، ويهاجم قبل أن يناقش!
فيا للعجب! يشكون الواقع ثم يحاربون مشاريع تغييره، ويبكون على الأمة ثم يثبطون العاملين لها، ويتألمون للمصائب ثم يُعرضون عن الطريق المؤدي إلى رفعها!!
فيا أمة الإسلام؛ يا شعوب المسلمين وجيوشهم، يا علماءهم ودعاتهم، يا رجالهم ونساءهم، يا شبابهم وشيبهم: إن الواجب اليوم ليس البكاء على الأطلال، ولا الاكتفاء بالحزن والأسى، بل العمل الجاد المخلص لاستئناف الحياة الإسلامية، وإعادة سلطان الإسلام إلى الأرض، وجمع المسلمين في كيان واحد يحكمهم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ.
ومن هنا يدعو حزب التحرير الأمة إلى أن تنهض بواجبها، وأن تخلع عنها أغلال الاستعمار الفكرية والسياسية، وأن تقتلع جذوره المتمثلة في الأنظمة العميلة والأفكار الدخيلة التي فرقت المسلمين وأضعفتهم. وهو يدعو إلى مشروع واضح لا غموض فيه، وإلى هدف ثابت لا يتغير، وإلى طريقة يراها مستنبطة من سيرة رسول الله ﷺ في إقامة الدولة الإسلامية.
فأبرئوا ذممكم أمام الله، وانظروا أين تقفون من قضية أمتكم، وأين تبذلون أعماركم وجهودكم. فإن الأيام تمضي، والأعمار تنقضي، والمرء سيقف بين يدي ربه فرداً ليسأله: ماذا فعلت لدينك؟ ماذا قدمت لأمتك؟ ماذا صنعت لنصرة الإسلام؟
واعلموا أن وعد الله حق، وأن بشارة رسوله ﷺ حق، وأن المستقبل لهذا الدين مهما اشتدت المحن وتعاظمت الخطوب ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
فطوبى لمن كان من العاملين لهذا الوعد، والساعين لتحقيقه، والثابتين على طريقه، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.
فاسأل نفسك قبل أن تُسأل: ماذا قدمت لدينك؟ ماذا قدمت لنفسك عند لقاء القوي الجبار؟
في المقابل نواجه مسألة خطيرة جدا لا بد من تسليط الضوء عليها أيضا في هذا المقال لربط جذر المشكلة مع واقعنا اليوم: وهي نمط الحياة الذي فرض على الناس نتيجة العبث الغربي في مجتمعاتنا واقتحامها من خلال وسائل التواصل ومحركات البحث السريعة، فأصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل نمط حياة قائم على السرعة: أخبار سريعة ومقاطع قصيرة وقناعات تتبدل بضغطة زر وانتقال دائم بين الآراء دون تمحيص.
فصار كثير من الناس يكتفون بالعناوين دون المضمون وبالانطباعات بدل البحث، وبالمتابعة بدل الفهم، فكانت النتيجة جيلاً ملولاً مشتتاً، وهنا الخطورة أن من يبني قناعاته على السرعة يقاد بسهولة دون وعي.
فعصر السرعة الذي نعيشه قد سرق من الإنسان ملكة التفكير والتثبت، وهذا واقع لا يمكن أن يتغافل عنه الداعي (النذير) بل يجب أن يعمل على معالجته بتغيير فكرة الاتباع الأعمى دون المطالبة بدليل شرعي من مصادره الموثوقة، وتقديم العلم الحقيقي بشكل موسع بأسلوب منهجي جذاب يحرك الفكر ويدرب العقل على التفكير وقراءة الواقع خارج الصندوق الذي أريد للأمة أن تقبع فيه لتسهل قيادتها، فتطرح مواضيع من شأنها ربط الناس بقضايا أمتهم والحرب على دينهم ومناقشة ما وراء الأحداث السياسية والاقتصادية واستعراض المشاكل التي تواجه الأمة لأنها أضاعت دينها، عندها فقط تدرك الأمة أن طوق نجاتها الوحيد يكون باستعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تعينهم على تغيير واقعهم.
الأمة اليوم لا تحتاج أي نذير، بل نذيرا مفكرا كزرقاء اليمامة ثاقب البصر، يرى عن بُعد، ويحذر قومه لأنه يمتلك بصيرة مع البصر، فلا تخدعه المرئيات الظاهرة ولا تخدعه إغراءات اللحظة فيرى الصورة الحقيقية التي خلفها، فينبه قومه حتى لو قالوا له كما قال قوم الزرقاء لها: لقد خرفت!! قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم
#مع_الحديث_الشريف
الخليفة مقيد في التبني بأحكام الشرع
نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روى البخاري في صحيحه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ"
جاء في كتاب فتح الباري لابن حجر:
.
قَوْله (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِم فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ) فِي رِوَايَة أَحْمَد "فَأَصَابَ" قَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيث بَدَأَ بِالْحُكْمِ قَبْل الِاجْتِهَاد، وَالْأَمْر بِالْعَكْسِ فَإِنَّ الِاجْتِهَاد يَتَقَدَّم الْحُكْم إِذْ لَا يَجُوز الْحُكْم قَبْل الِاجْتِهَاد اِتِّفَاقاً، لَكِنَّ التَّقْدِير فِي قَوْله "إِذَا حَكَمَ" إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُم فَعِنْد ذَلِكَ يَجْتَهِد، قَالَ: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَهْل الْأُصُول قَالُوا: يَجِب عَلَى الْمُجْتَهِد أَنْ يُجَدِّد النَّظَر عِنْد وُقُوع النَّازِلَة، وَلَا يَعْتَمِد عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَظْهَر لَهُ خِلَاف غَيْره. اِنْتَهَى، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْفَاء تَفْسِيرِيَّة لَا تَعْقِيبِيَّة.
وَقَوْله (فَأَصَابَ) أَيْ صَادَفَ مَا فِي نَفْس الْأَمْر مِنْ حُكْم اللَّه تَعَالَى.
قَوْله (ثُمَّ أَخْطَأَ) أَيْ ظَنَّ أَنَّ الْحَقّ فِي جِهَة، فَصَادَفَ أَنَّ الَّذِي فِي نَفْس الْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَالْأَوَّل لَهُ أَجْرَانِ: أَجْر الِاجْتِهَاد وَأَجْر الْإِصَابَة. وَالْآخَر لَهُ أَجْر الِاجْتِهَاد فَقَطْ.
#أيها_الكرام:
إن المسلم مكلف بالتزام أحكام الشرع في أموره كلها، ولكن معظم الأحكام الشرعية استنبطت وتستنبط من أدلتها باجتهاد، وكثيراً ما تتعدد الأحكام الشرعية بالنسبة للمسألة الواحدة تبعاً لتعدد أفهام المجتهدين وتعدد طرق الاستنباط لديهم، مع أن حكم الله في المسألة الواحدة لا يتعدد، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر المسلمين حين اجتهدوا، ولم يذم اختلافهم في الفهم، والقياس، فكانت مشروعية الاجتهاد، ومشروعية تعدد الأحكام في المسألة الواحدة .... إلا أنه لا بد من التأكيد أن حكم الله في المسألة الواحدة لا يتعدد، وإنما الذي يتعدد هو الأفهام، وطرق الاستنباط، ولذا فقد رأينا الرسول يَعِدُ المجتهد الذي يصيب بأجرين، أجر الاجتهاد، وأجر إصابة الحكم الصحيح في المسألة....
بينما يَعِدُ المجتهد الذي أخطأ في إصابة الحكم الصحيح في المسألة بأجر واحد هو أجر الاجتهاد وبذل الوسع في معرفة الحكم .... وحكم الله في المسألة بالنسبة للمجتهد هو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، فحكم الله في المسألة الخلافية لا يعرف حقيقة، وإنما يستدل عليه بغلبة الظن، فيبقى صواباً في حق مستنبطه يحتمل الخطأ... وفي رأي غيره ممن يخالفونه في الفهم: خطأ يحتمل الصواب. وحكم الله في عنق كل منهم هو الحكم الذي استنبطه هو فعليه أن يتبناه ويعمل به، ولا يخالفه ... لأنه حكم الله في حقه.
والمسلم في أخذه للأحكام أحد اثنين، مجتهد يستنبط الأحكام بنفسه، فيتبنى ما يؤديه إليه اجتهاده، أو مقلد، يأخذ الحكم من أحد المجتهدين فعليه، أن يتبنى ذلك الحكم ويلتزم به لأنه يصبح حكم الله في حقه إذا اتصل عمله به... وعلى كُلٍّ فعلى المسلم أن يتبنى من الأحكام ما يحتاجه في حياته، سواء تبنى ما اجتهد به واستنبطه بنفسه أو ما قلد به غيره من المجتهدين فالمهم أن لا يكون كالريشة في مهب الريح يميل حيث تميل به الريح، حين يتنقل بين أراء المجتهدين تبعاً للمصلحة والظروف والهوى، بل عليه الالتزام بفهم معين للحكم الشرعي لأنه سيكون هو حكم الله في حقه الذي سيحاسب على مدى التزامه به في الدنيا، أمام العلي القدير يوم القيامة.
والخليفة وهو واحد من المسلمين، ينطبق عليه ما ينطبق على كل مسلم:
هو مكلف بتطبيق شرع الله في حياته كفرد مسلم، ومكلف بتطبيق شرع الله على المسلمين كخليفة لهم وولي لأمرهم، لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}،
لذا فهو مكلف بتبني أحكام معينة مما يحتاجه في حياته، وكذلك هو مكلف أن يتبنى من الأحكام الشرعية ما يلزمه لرعاية شؤون الأمة ...👇👇