اللهم أجعل حبك احب الي من نفسي وأهلي وولدي ومالي ومن الماء البارد على الظمأ.. ربي اجعل كل عمل صالح اعمله لوالداي صدقة جارية لهما ،اللهم ارحمهما رحمة واسعة..
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾
- القصص :٣٢
بروتوكول قرآني لاستعادة التماسك الداخلي عند الرهبة، والموت، والفقد، والانهيار.
————
لو تأملتَها، تجد أن الآية لا تعالج «الخوف» بقدر ما تعالج ما يفعله الخوف ببنية الإنسان الداخلية.
الرَّهَب في لحظته القصوى لا يجعل الإنسان خائفًا فقط، بل يجعله «خارج نفسه».
ولهذا تقول العرب عن المذعور: ذهب عقله، وتفرّق قلبه، واختلّ توازنه. كأن الرعب تجربة اقتلاع مؤقت من مركز الذات.
قال تعالى:﴿واضمم﴾. فالضمّ عكس التبعثر.
الله لم يأمر موسى بأن يتجه إلى الخارج - إلى الحيّة، أو إلى تفسير الحدث، أو إلى مقاومة المشهد - بل أمره بحركة نحو الداخل.
فلسفيًا، يحمل هذا معنى مذهلاً:
أن الإنسان حين يواجه ما يتجاوز قدرته على الاحتمال، فإن أول ما يحتاجه ليس فهم العالم، بل استعادة «تماسكه الأنطولوجي» - أي شعوره بأنه ما يزال حاضرًا داخل نفسه.
الخوف الحقيقي هو خوف الانهيار الداخلي أمام ما لا يمكن استيعابه. فالرهبة دائمًا مرتبطة باللامألوف، بكل ما يكسر صورة العالم التي اعتادها الإنسان.
نبيّ الله موسى -عليه السلام- لم يخف من «الخطر» وحده؛ بل من لحظة تحطم النسق العقلي الذي يفسّر الواقع.
العصا - أكثر الأشياء خضوعًا ليده وأمانًا - انقلبت إلى كائن حيّ مستقلّ. أي إن السيطرة نفسها انهارت.
المعنى النفسي للآية:
أن النجاة النفسية تبدأ من «احتواء الذات» لا من السيطرة على العالم.
فالإنسان حين يفقد السيطرة الخارجية، يبدأ - لا شعوريًا - بمحاولة حماية حدوده الداخلية.
ولهذا، فإن أغلب وضعيات الخوف عند البشر هي وضعيات «احتواء».
أما كلمة «الجناح»، ففيها لطافة إلهية بلاغية؛
لأن الجناح رمز الامتداد والانكشاف.
والكائن حين يهدأ لا يفرد جناحه، بل يطويه.
أي إن الإنسان في الرهبة يكون «مفرودًا» على العالم أكثر مما يحتمل، فيأتي الضمّ كاسترداد للطاقة الوجودية المهدورة في الهلع.
الآية تقترح تصورًا مختلفًا للشجاعة:
فالشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على البقاء متماسكًا أمام ما يهدد معنى العالم في دواخلنا.
لأن الحقيقة عندما تأتي عارية وقوية أكثر مما يحتمل الإنسان، فإن النفس تحتاج أولًا إلى «قالب» يحتملها.
فالآية ليست فقط عن نبيّ خاف، بل عن طبيعة الإنسان حين يواجه ما هو أكبر من قدرته الرمزية على الفهم.