كانت المرّة الأولى التي رأيت فيها عبد السلام منصور، في وقفةٍ احتجاجية نظّمها طلبة جامعة العلوم التطبيقية، احتجاجاً على قرار الجامعة فصل مجموعة من الطلبة الذين قادوا مسيرة تضامنية مع الثورة السورية آنذاك.
رأيته يومها واقفاً بكل ثقة، بين الطلبة الذين اصطفوا على جانب الطريق خارج الجامعة، واصطفّ مقابلهم عشرات أفراد الدرك، ومعهم عشرات من مرتدي الزي المدني.
جاء عبدالسلام يومها بصفته رئيساً لاتحاد الجامعة الأردنية، ووقف بثقةٍ عاليةٍ وثبات، وألقى كلمةً في الحشد المُجتمع جاء فيها، أن الملك كان قد قال: أنه لو كان في مكان بشار، لغادر الحكم وآثر عدم الولوغ في دماء شعبه، حينها تساءل عبدالسلام قائلاً :
" هل موقف إدارة الجامعة إذاً، مخالفٌ لموقف جلالة الملك ؟"
عجبتُ من فصاحته وقدرته حينها على استعمال لغةٍ عالية ومُفحمة في الوقت ذاته، وكان ذلك من الأشياء التي تعلمتها منه لاحقاً.
انتُخب عبدالسلام منصور رئيساً لاتحاد الجامعة الأردنية، أم الجامعات في أوج فترة الربيع العربي، وكان خبر انتخابه حينها بين الطلبة الناشطين في العمل الطلابي ملء السمع والبصر. كان الجميع يتهامسون بإعجابٍ عن ذلك الشاب اليافع الكاريزمي، والذي لم يجاوز عشرين عاماً، ولكنه ما إن يمشي في شوارع الجامعة الأردنية، حتى يمشي معه عدد من المرافقين يوازي عدد من يرافق رئيس الجامعة!
من أكثر الأشياء التي أثّرت بي، خلُق الوفاء العالي عند عبدالسلام، ونجدته للمظلوم، فقد كان مما فعله أن وضع صورة أحد الشباب الذين اعتقلوا ظلماً ووجهت لهم تهمةٌ زائفة، على حسابه الشخصي، استمر ذلك قرابة سبع سنوات إلى أن خرج محمد خاطر من السجن، لم يملّ عبدالسلام من تعريف الناس وتذكيرهم بالمظلمة الواقعة على صديقه محمد خاطر، وبدل عرض صورته الشخصية، والاكتفاء بالكتابة عنه مرةً واحدة، استمرّ بعرض صورة محمد وتذكير الناس به.
دفعني ذلك مؤخراً إلى وضع صورة المعتقل الأستاذ أيمن صندوقة كصورةٍ شخصيةٍ على حسابي على تويتر، وأخذت على نفسي عهداً بأن لا أغيرها إلى حين الإفراج عنه، لتعريف الناس بقضيته، ولإبقاء ذكراه حاضرةً لئلا تخفُت.
تعلمت هذا من عبدالسلام، رغم أني لم ألتقِ به إلا مرةً واحدة فقط، في لقاءٍ جمعني به مع بعض الأصدقاء، وأنا متأكد أنه قد ترك أثراً أكبر في الكثيرين من غيري، الذين حالفهم حظ مخالطته والعمل معه بشكلٍ أقرب.
خاض عبدالسلام تجربة الانتخابات النيابية الأخيرة، وتمسّك بخيط الأمل الرفيع بإمكان الإصلاح من داخل المؤسسات، ونال ثقة ٢٢ ألفاً من الناخبين إلا أنه لم يوفق للحصول على مقعد في البرلمان.
والآن؟
يقبعُ عبدالسلام في زنزانةٍ انفرادية منذ أكثر من شهر، دون تهمة ولا سبب واضح، بعيداً عن أسرته وأطفاله، وبعيداً عن طلبته، يُحرم هو من حقه في الحرية، ويُحرم طلبته من التعلم من أستاذٍ ينثر القيم نثراً في كل مكان يمرُّ فيه.
لكم الله يا شباب الأردنّ ..
رغم الحزن الكبير والظروف الصعبة التي يعيشها الناس في غزة، فإن كل من قابلته اليوم كان سعيدًا لفرحة أهلنا في سوريا.
اللهم عجل بالفرج لبلادنا وأسرانا، واجبر خواطرنا بفرحة قريبة.
في عزاء أنس، تلتف أمهات الشهداء حول والدته، ومن مدخل سرادق العزاء تتساءل زوجات الشهداء عن مكان زوجته وهنّ لا يعرفنها، النساء هنا سواسية في دهس الفقد الذي مرّ بقلوبهن، تحكي كلّ واحدة منهن قصتها، فيهون على الواحدة منهن مصابها، لكن في قصة أنس كانت المواساة الجامعة، "ارفعي رأسك، زوجك مفخرة، تعب كثيرا وآن له أن يرتاح".
وبينما هن كذلك، تحدق بيان في الساعة وتتسمر عيناها على صورته التي على شاشة هاتفها، تميلُ برأسها عليّ وأنا واحدة من الفاقدات القدامى، "أشعر أنه سيباغتني باتصال أو زيارة ليُكذّب ما يقولونه"، تعدل جلستها وتتمتم "قلبي يتآكل.. من يعيده إليّ؟".
دقيقةٌ واحدة فقط هي المهلة التي مُنحت لبيان زوجة أنس كي تودع حبيبها وداعا أخيرا، صاحت فيهم "افتحوا الكفن أريد أن أرى وجهه وأقبل وجنتيه"، لكن من حولها رفضوا، فأنس "بلا عينين"، تجهش بالبكاء وهي تتحسسه من فوق الكفن، "جسده بارد، لحمه طري"!
دقيقةٌ واحدة لم تتمكن فيها إلا من أن تهمس في أذنه سؤالا واحدا "أين وعدك لي بأن نموت معا كي لا يتحسر أحدنا على الآخر؟ لم نتفق على هذا يا حبيبي، ألم تعدني بالرجوع يوم ميلادي؟!"، همست بيان بعتبها، ثم رفعوه من أمامها وحملوه لمثواه الأخير!
"نزوح -مجاعة -مجازر"!
هل تفقد المصائبُ ثقلها مع تكرار مسمياتها!
نعم تفقدها عند من "يقرأها" كلفظٍ مرَّ على أُذنيه وأبصرته عيناه منذ عام ونصف، حينها يبهتُ ألمها!
لكنّها تظل هي هي على من تُسلّط عليهم وينغمسون فيها ويتجرّعونها كل دقيقة!
مدنٌ كاملةٌ تُخلى .. نُقتلُ بالجُملة وتسفكُ دماء الأبرياء وهم جائعون بلا توقف.. المخابز مغلقة .. الأسواق فارغة من أية بضائع، وإن وجد الفُتات فسعره باهظ جدا!
ما هذا الذي نحياه يا عالم!
أليس فيكم رجل رشيد!! هل نحسُّ منكم من أحد أو نسمع لكم رِكزا!!
الرسالة الأخيرة للزميل #حسام_شبات والتي طلب نشرها بعد استشهاده
"إذا كنتم تقرأون هذا، فهذا يعني أنني قُتلت - على الأرجح مستهدفًا - على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. عندما بدأ كل هذا، كنت في الحادية والعشرين من عمري فقط - طالبًا جامعيًا لديه أحلام كأي شخص آخر. على مدار الثمانية عشر شهرًا الماضية، كرّست كل لحظة من حياتي لشعبي. وثّقت الأهوال في شمال غزة دقيقة بدقيقة، مصممًا على أن أُظهر للعالم الحقيقة التي حاولوا دفنها. نمت على الأرصفة، وفي المدارس، وفي الخيام - أينما استطعت. كان كل يوم معركة من أجل البقاء. تحملت الجوع لشهور، ومع ذلك لم أفارق شعبي أبدًا.
والله، لقد أدّيت واجبي كصحفي. خاطرت بكل شيء لأنقل الحقيقة، والآن، أخيرًا استرحت - وهو أمر لم أعرفه خلال الثمانية عشر شهرًا الماضية. فعلت كل هذا إيمانًا بالقضية الفلسطينية. أؤمن أن هذه الأرض لنا، وكان أسمى شرف في حياتي أن أموت دفاعًا عنها. هي وخدمة أهلها.
أسألكم الآن: لا تتوقفوا عن الحديث عن غزة. لا تدعوا العالم يُشيح بنظره عنها. استمروا في النضال، واستمروا في رواية قصصنا - حتى تتحرر فلسطين.
— للمرة الأخيرة، حسام شبات، من شمال غزة.
بطبيعة الحال لا يحتاج عبيدة لا لتوضيح الواضح، وليس مضطراً للإعتذار في وجه جوقة من الإسفاف، لكنها شيم الكبار، وأبناء الثورة العارفين المخلصين..
طبت يا عبيدة، وبورك علمك وعملك وقلمك
توضيحان واعتذار:
- قصدت بالذباب الحسابات الوهمية التي تعمل ضمن حملات ممنهجة، وهو مصطلح متداول، والجملة التي قلتها توضح أن هناك ذبابا بهذا المعنى وهناك من سمع لهم دون تبين باتهامات جاهزة معلبة غير صحيحة، وهناك من تصرف مثلهم لأجلهم بالهجوم والإساءة الشخصية.
وبالطبع هناك انتقادات محقة، بل واجبة، وعلي كسوري، قبل أن أكون حتى بعملي الجديد، أن أسمعها وأقدرها وأعمل بها، ولذا فإني أعتذر ممن ساءهم "المصطلح" ممن انتقد وناقش دون هجوم شخصي أو اتهامات مسبقة كما وضحتها ونفيتها.
- التوضيح الثاني هي أن الفعالية كانت بالمعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية مما يعني أن الدعوة كانت رسمية، وكان دوري بكل هذا فقط هو خمس دقائق افتتاحية.