من يتأمل -هذه الأيام- حديث الرجال في مواقع التواصل وطريقة نقدهم وردودهم وتفسيرهم لكثير من الأشياء؛ سيجد أن لهم طابعاً نسائياً بحتاً ، فلا تغتر بالأصوات والصور ، وأنعم النظر ..
«قال رومان ݠاري في كتابه وعد الفجر (La Promesse de l’aube):
الحياةُ في مبتدئها غَضَّةٌ ناضرة؛ فإذا امتدّ بالعمر مداه، تحوّلت إلى مُقامٍ ثقيل، ثم إلى زمنٍ بطيء، ثم إلى وداعٍ يتربّص عند أطراف الطريق. تستنزفك رويدًا رويدًا، فتأخذ من قلبك ما شاءت، ولا يبقى عندها ما تجود به عليك. ولأجل ذلك أختلف إلى المجالس التي يغشاها الشباب؛ علِّي أقتنص ظلًّا ممّا أضعتُ.
وأحيانًا يلمع لي وجهُ صاحبٍ قُتل وهو في العشرين؛ وكثيرًا ما أبصر فيهم تلك الإيماءةَ بعينها، والضحكةَ التي عرفتها، والعيونَ التي ما زالت تحمل بريق الأمس. فثمّة شيءٌ، على الدوام، لا يزول. وعندها أكاد أصدّق أنّ أثرًا من ذلك الفتى الذي كنتُه منذ عشرين عامًا ما يزال منطويًا في داخلي، وأنني لستُ — بعد — ذلك الغيابَ التام.»
”«لا يمكننا الاعتماد إلا على عدد قليل من الناس ليسلكوا معنا ذلك الطريق الصعب»، هذا ما كتبته الشاعرة أدريان ريتش، وهي تصوغ تعريفها البديع للعلاقات الإنسانية الشريفة.
ومن قسوة الحياة أن أولئك الذين بدا لنا ذات يوم أنهم قادرون على خوض تلك الرحلة معنا، قد ينهارون أخلاقيًّا عندما تشتد المصاعب على النحو الطبيعي الذي تزور به الشدائد كل حياةٍ بشرية.
حين تنهار العلاقات تحت وطأة الحياة، لا يكون السقوط نفسيًّا فقط، بل فسيولوجيًا أيضًا، وهو أمر لم يعد مفاجئًا كثيرًا مع توسع فهمنا للوعي بوصفه ظاهرة تشمل الجسد كله، وليس الدماغ وحده.
قبل ربع قرن، بدأت عالمة المناعة الرائدة إستير ستيرنبرغ توضح كيف تؤثر العلاقات على جهاز المناعة لدينا. لكن لا يوجد نظام يتأثر بها بعمق مثل الجهاز الحوفي: مركز القيادة العصبي الفسيولوجي لمشاعرنا..“.
• ماريا بوبوفا.
في معرض الكتاب العام الماضي اشترى شاب فاضل أحد كتبي، ورآني في الجناح فطلب مني أن أوقع له على الكتاب، فاعتذرت منه بتلطف وبينت له وجهة نظري وقلت له: أنت قد اشترت الكتاب بمالك فعلى أي شيء أوقع لك؟! ووالله لا يضيرني شيء لكن المسألة مسألة مبدأ وقناعة، لا تطيب نفسي أبدًا أن أكتب لأحد وقد دفع ثمن النسخة فأنا أمقت هذه العادة المستوردة في معارض الكتب.
فكرر الطلب مرارا وألح جدا جدا حتى طال الأمر وكدنا أن نتلاحى، فهو على إلحاحه وأنا على موقفي. ومع طول إلحاحه وإصراره تناولت نسخته وجلست للكتابة لننهي الموقف، فلم تطاوعني يدي البتة.. أكتب لك ماذا؟! فيقول اكتب أي شيء يا شيخ المهم وقع لي -أو نحو هذا المعنى-.
والله لا تطيب نفسي أبدًا.
حتى أنهيت الموقف بأن أخذت نسخة أخرى فأهديتها إليه وكتبت له عليها إهداء.
في كتابه "القومية وبدائلها" لم يستطع كارل دويتش أن يكتم ازدراءه لمن تأخذهم العصبية القومية؛ وكتب: «إن الشعب -كما يقول مَثَل أوروبي أسيف- هو جماعة من الناس يجمعهم وَهْمٌ مشترك بشأن أصولهم، وكراهية مشتركة لجيرانهم!».
مواقع التواصل لا تحتمل التعقيد، لذلك نفضّل مشاركة أفكارنا العميقة مع صديق مقرّب، لا مع جمهورٍ عابر، لأن الصديق يمنحنا ما تفتقر إليه المنصات: السياق، النية، والاحتمال.
في حديث خاص، يمكن أن تتلعثم، أن تتراجع، أن توضّح. أما في هذا الفضاء الافتراضي، فكلماتك تُقتطع، تُفسَّر، تُحاكم. الرأي يتحوّل فورًا إلى هوية، وتُختزل إلى تصنيف جاهز. لهذا لا نخشى الاختلاف، بل نخشى أن يُساء فهمنا دون فرصة للشرح.
هنا لا تتم مكافأة العمق، بل يُحتفى بالصدمة والاختزال، فلا وقت للتفاصيل. لا مكان للتردّد. الرأي الذي يحتاج مقدّمة وتمهيد يصبح عبئًا على قارئ يريد “خلاصة واضحة” خلال خمس ثوانٍ.
وأسوأ من هذا كله: ما يُقال علنًا يُؤرشف. يتحوّل إلى أثر دائم. بينما الحديث مع صديق… يبقى بشريًا، حيًا، مؤقتًا، ويمنحك حرية أن تقول: “ربما أغير رأيي لاحقًا”.
نحن لا نخشى التعبير. نحن فقط نبحث عن مكان يسمح له أن يكون إنسانيًا.